خارطة طريق لمستقبل اللغة العربية في عصر الذكاء الاصطناعي

د. عمرو الجندي

22 ديسمبر 2025

511

بينما يشهد العالم تزايدًا في استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، وقد صارت أقل كلفة وأكثر انتشارًا؛ فإن العربية تقف اليوم على أعتاب فرص تقنية ثمينة يمكن أن تزيد حضورها في عالم البيانات والمنصّات وترسّخه.

وتطرح هذه المقالة خارطةَ طريقٍ مرنة قابلة للتحديث كلما تغيرت التقنيات أو تبدلت حاجات الناس؛ تسعى إلى أن تبقى العربية حية وفاعلة في عصر الذكاء الاصطناعي، وأن تغدو لغة رقمية كاملة؛ بحيث تكون مفهومة للحاسوب في صورها الأساسية: قراءة النصوص بدقة، وفهم المعنى، والتعامل مع الترجمة والتلخيص، بل ومع الصوت نطقًا واستماعًا، بحيث تخدمها التطبيقات اليومية بيسر.

وغاية هذه الخارطة أن تنتقل العربية من حضور رمزي إلى حضور عملي واسع في منصات التعليم والإعلام والثقافة والعلوم، مع الحفاظ في الوقت نفسه على هويتها وروحها ورصانتها واحترام تنوّعها بين الفصحى واللهجات، ووضع ما يلزم من ضوابط تمنع التشويه أو التضليل باسم التقنية.

ثلاثة أركان ثابتة تقود الطريق

وتقوم الخارطة على ثلاثة مستويات متداخلة: قيم ثابتة لا تتبدل، وقدرات تقنية تتطور، وآلية للتحديث المستمر. هذه المستويات تساعد على تنظيم العمل، وتحديد ما هو قابل للتغيير وما ينبغي الحفاظ عليه دون تغيير.

القيم الثابتة

إن لكل لغة قيمة ثقافية وهُوية تستحق الحفظ، وتشمل هذه القيم - في لغتنا العربية - الحفاظ على الفصحى، وجعلها وافية بمطالب العلوم والآداب والفنون، وملائمة لحاجات الحياة المتطورة، واحترام كل لهجاتها المحلية دون تفضيل إحداها على الأخرى، وضمان جودة المحتوى العربي، وحماية الخصوصية ومصداقية المعلومات.

القدرات التقنية

يقصد بهذه القدرات الأدوات التي تجعل من العربية لغة رقمية قابلة للتفاعل؛ مثل: أدوات فهم النصوص وترجمتها وتلخيصها، وأنظمة الرد على الأسئلة والتصنيف وتوليد المحتوى، بالإضافة إلى تقنيات التعرف على الصوت وتحويل النص إلى كلام.

وتجدر الإشارة إلى أن توافر هذه القدرات يتيح لنا استخدام العربية في نطاقات وسياقات مختلفة، كالمساعدات الصوتية ومحركات البحث وبرامج التعليم وغيرها.

آلية التحديث

نظرًا للتغير فائق السرعة الذي يشهده العالم الرقمي في عصر الذكاء الاصطناعي؛ فإنه لا بد من تحديث ذكي منتظم للخارطة. لذلك يمكن إجراء مراجعات ربع سنوية لرصد التغيرات المهمة، كانخفاض تكلفة تشغيل النظم أو ظهور تقنيات أفضل، بالإضافة إلى مراجعات سنوية لتحديث البيانات والمعايير؛ حيث تسمح هذه المرونة بتعديل المسار كلما ظهرت فرص أو تحديات جديدة على السواء.

كما ينبغي أن تتضمن الخارطة آلية مراجعة طارئة تُفعَّل عند حدوث طفرة قياسية أو تحول مفاجئ في التقنيات أو التشريعات أو أنماط الاستخدام؛ حتى لا نتأخر عن اللحظة، وحتى يُعاد ضبط الأولويات والموارد بسرعة. ولتحقيق ذلك عمليًّا فإنه من الضروري إنشاء رادارات ذكاء اصطناعي تعمل على مدار الوقت لرصد الإشارات المبكرة للتطورات العالمية - في النماذج والأدوات والتكاليف والتشريعات - ثم تنبيه القائمين على المراجعات فورًا عند ظهور تغير يستدعي تدخلًا عاجلًا.

ومن أهم الإشارات التي ينبغي أن ترصدها هذه الرادارات ضمن المراجعات الربع سنوية:

1.     تكلفة تشغيل الأنظمة؛ لأن انخفاضها يفتح - كما أسلفنا - بابًا لإدخال العربية في المزيد من الخدمات.

2.     الفجوة بين النماذج المفتوحة والمغلقة؛ إذ يُساعد تقليص هذه الفجوة في تبني نماذج مفتوحة ومشاركة نتائجها.

3.     تطور النماذج متعددة الوسائط؛ حيث تتيح التواصل بالصوت والصورة والنص معًا، وهذا يثري المحتوى العربي.

4.     التشريعات المتعلقة بالسلامة والخصوصية؛ لأنها تحدد ما يمكننا نشره وكيف.

خمسة محاور للعمل

تشبه هذه المحاور أعمدة جسر يحمل المسار نحو المستقبل، ويعالج كل محور جانبًا ضروريا لضمان ازدهار اللغة العربية في البيئة الرقمية لعصر الذكاء الاصطناعي.

1. بناء البيانات وحمايتها

تحتاج تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى بيانات كثيرة وصحيحة كي تتعلم اللغة، وهذا يدعو إلى إنشاء مستودع موحد للبيانات العربية يضم نصوصًا فصحى ولهجات، ومواد تعليمية وعلمية وتراثية، إضافة إلى تسجيلات صوتية.

بالإضافة إلى إقرار تراخيص واضحة تحترم حقوق الملكية الفكرية، وتشجع مشاركة المؤسسات والأفراد في إثراء المحتوى.

2. أدوات للاستخدام اليومي

إن كل واحد منا بحاجة إلى أدوات تساعده على الكتابة والاستماع والتحدث والتعلم والتدقيق والترجمة والتلخيص وغير ذلك، وهذا يدعو إلى تطوير حزمة أدوات أساسية تشمل التدقيق الإملائي والنحوي، وتحليل الجمل، وترجمة النصوص، وتلخيصها، وكذلك أدوات التحويل بين النص والصوت، وغيرها من الأدوات. كما ينبغي أن تكون هذه الأدوات سهلة الاستخدام ومفتوحة المصدر قدر الإمكان حتى يتمكن الجميع من الاستفادة منها.

3. القياس والمعايير

لا يمكن تطوير أي شيء من دون معرفة مستواه الحالي؛ لذلك تصمَّم اختبارات معيارية سنوية تقيس أداء الأدوات والنماذج في معالجة النصوص والأصوات واللهجات، وتُنشر لوحات مؤشرات تشبه عدادات السيارة، تطلعنا على مسار التقدم وتعكس الفجوات التي تحتاج إلى معالجة.

4. التعليم والثقافة والمحتوى

مما لا شك فيه أن اللغة تحيا باستخدام أصحابها لها، وهذا المحور يدعم تطوير منصات تعلم تفاعلية تجعل تعلم العربية ممتعًا وفعالًا، وتوفر مساعدات كتابية للطلاب والمعلمين. ويشجع أيضًا على إنتاج محتوى عربي غني في شتى مجالات العلوم والآداب والثقافة.

وغني عن البيان أن الأعمال الأدبية والفنية والمقالات العلمية المكتوبة بالعربية تسهم في تعزيز حضورها وتحبيبها إلى الأجيال الجديدة.

5. الحوكمة وبناء القدرات

ولكي تتحقق تلك الأهداف السالف ذكرها فلا بد من تنسيق بين جميع الفاعلين العرب؛ بما في ذلك وزارات التعليم والثقافة والاتصالات، والجامعات، والمجامع اللغوية، والقطاع الخاص. ويقترح هذا المحور إنشاء مجلس تنسيقي عربي يشرف على البرامج ويوزع الموارد، بالإضافة إلى إطلاق برامج تدريب سنوية لإعداد المعلمين والمحررين والمطوّرين، وكذلك وضع إطار ثقة يحدد قواعد الاستخدام المسؤولة ويواجه التضليل والتحيز.

نماذج عربية واعدة يمكن البناء عليها

ولأن الحديث عن خارطة طريق لا يكتمل من دون أمثلة واقعية، فهناك اليوم نقاط ارتكاز عربية تبعث على التفاؤل، ويمكن أن تُبنى عليها مشروعات عربية مشتركة بدلًا من البدء من الصفر في كل مرة.

هناك على سبيل المثال: مراكز متخصصة تعمل على تطوير أدوات ومعايير وموارد عربية، وحزم برمجية أثبتت فائدتها في معالجة النصوص العربية، ونماذج لغوية عربية/ثنائية اللغة بدأت تفتح الباب أمام تطبيقات تعليمية وثقافية وإعلامية أوسع، إضافة إلى أطر إرشادية عربية تعين الجامعات على التحول الرقمي وتوحيد الجهود.

والرهان هنا ليس على اسم بعينه أو بلد بذاته؛ بل على تحويل هذه الأمثلة إلى منظومة تعاون عربية تتكامل فيها الخبرات والموارد.

مراحل تنفيذية مرنة

تطرح خارطة الطريق ثلاث مراحل متتابعة غير مغلقة بتواريخ ثابتة؛ بل قابلة للتعديل استنادًا إلى ما نستخلصه من علامات الطريق التي تعرضها آليات التحديث.

المرحلة الأولى: الانطلاق

تهدف هذه المرحلة إلى وضع الأساس؛ وذلك عبر إطلاق النسخة الأولى من المستودع الموحد للبيانات العربية، ووضع اختبار قياسي للأدوات والنماذج، وتطوير حزمة أدوات أساسية، وبدء تجارب تعليمية محدودة. وخلال هذه الفترة يراجَع التقدم كل ثلاثة أشهر، فإذا وجدنا أن تكلفة تشغيل النظم قد انخفضت أو أن قدراتها قد تحسنت، يمكن عندئذ توسعة الخدمات مثل الترجمة والتعليم عبر الإنترنت.

وتجدر الإشارة إلى أن بوادر هذه المرحلة بدأت فعلًا في عدة بلدان عربية؛ غير أن الحاجة لا تزال قائمة إلى أن تُدار ضمن إطار عربي أكثر تنسيقًا بما يضمن تكامل الجهود وتبادل الموارد والخبرات.

المرحلة الثانية: التوسع

في هذه الفترة تُعمَّم الأدوات على المدارس والجامعات والمجامع اللغوية ووسائل الإعلام، وتزيد عملية جمع البيانات من مختلف اللهجات، وتُربط الأدوات بمنصات المحتوى. وإذا لاحظنا ارتفاعًا في تبني المؤسسات لهذه الأدوات أو ظهور نماذج مفتوحة قوية، يمكن تسريع عملية التوطين وبناء منتجات وخدمات عربية تعتمد عليها.

المرحلة الثالثة: النضج

تُعنى هذه المرحلة بتثبيت النجاحات وتصدير الخبرة العربية إلى العالم، كما تُراجَع المعايير وتُحدَّث البيانات سنويا لضمان بقاء العربية ضمن مقدمة التقنيات. وإلى جانب ذلك ينبغي أن تتضمن هذه المرحلة مواجهة المشكلات الكبرى التي طالما رافقت العربية في المجال المعرفي والعملي؛ مثل تسريع التعريب في العلوم والتقنيات، وتوحيد المصطلحات قدر الإمكان، والارتقاء بطرائق تعليم العربية ونشرها، وتطوير أدواتها ومناهجها بما يواكب التحولات الرقمية. غير أن المهم هنا أن هذه المعالجات لن تبدأ من فراغ؛ فالمرحلتان السابقتان - بما أسسته من بيانات ومعايير وأدوات وشراكات وخطوط إنتاج ونظم عمل - ستجعل التصدي لهذه المشكلات أكثر واقعية وسرعة، لأنها توفّر البنية التي يحتاجها أي إصلاح لغوي واسع كي ينجح.

كيف نقيس النجاح؟

لا يكفي وضع الخطة؛ بل يجب قياس التقدم. وتقترح الوثيقة مؤشرات بسيطة وواضحة، مثل:

●       حجم البيانات العربية المتاحة، وجودتها، ومعدل نموها السنوي.

●       معدل تحسن أداء الأدوات في الاختبارات المعيارية.

●       عدد المدارس والمؤسسات التي تستخدم هذه الأدوات.

●       معدل زيادة المحتوى العربي الجيد في مجالات الثقافة والعلم والتعليم وغيرها.

●       انخفاض معدلات التضليل والانتحال وفاعلية معالجتها.

مسارات متنوعة لدول متعددة

تجدر الإشارة إلى أن كل بلد عربي لا يمتلك الإمكانات نفسها التي يمتلكها البلد العربي الآخر؛ وعليه فيمكن تقسيم الدول العربية إلى عناقيد، بحيث يتعاون كل منها بما يملك؛ علما بأن بعض الدول قد تنتمي إلى أكثر من عنقود:

1.     دول الاستثمار والبنية التحتية القوية: وهي الدول التي تملك المال والتكنولوجيا، ويمكنها أن تستضيف الخوادم الكبيرة وتطور نماذج لغوية عربية ضخمة.

2.     دول الكثافة السكانية والأنظمة التعليمية الكبيرة: وهي الدول التي يمكنها توفير بيانات تعليمية واسعة وتجربة تطبيقات تعليمية جديدة.

3.     دول الريادة البرمجية والجامعات القوية: وهي الدول التي تملك قدرات بشرية وتقنية لتطوير منصات وأدوات خفيفة ونشرها للجمهور.

4.     دول الموارد المحدودة أو التي تواجه تحديات: وهذه الدول يمكنها الاعتماد على ما تبنيه الدول الأخرى، مع التركيز على أدوات جاهزة منخفضة التكلفة.

5.     محور خاص للدول متعددة اللغات: مثل الدول التي تتحدث الأمازيغية أو الكردية إلى جانب العربية، ويحتاج هذا المحور إلى توازن يحترم جميع اللغات واللهجات.

مشاريع مشتركة تجمع العرب

وحتى تنجح الخطة على مستوى العالم العربي فإن ثمة ستة مشاريع رئيسية ضرورية مقترحة يمكن مشاركة كل الدول العربية في تنفيذها:

1.     المرصد العربي للغة الرقمية: مؤسسة تراقب حال اللغة العربية على الإنترنت وتنشر تقارير سنوية.

2.     مجموعة الاختبارات القياسية: بطاقات امتحان للنصوص والأصوات واللهجات تقيس مستوى التكنولوجيا العربية.

3.     مستودع البيانات المرخص: خزان كبير يجمع النصوص والصوتيات ويحدد حقوق استخدامها.

4.     بنك اللهجات العربي: مشروع يحفظ اللهجات وينتج خرائط توضح انتشارها.

5.     حزمة الأدوات العربية الأساسية: برمجيات متاحة لكل من يريد أن يطور أو يكتب أو يترجم بالعربية.

6.     برنامج تدريب سنوي: دورات ومعسكرات تدريب للمعلمين والمحررين والمطوّرين ومديري المشروعات.

إن هذه المشاريع تشبه - في حقيقة الأمر - سلسلة من الجسور تربط بين العناقيد المختلفة، وتضمن استفادة الجميع من الموارد المشتركة وتبادل الخبرات.

ما الذي يجعل الخارطة أقرب إلى الكمال وقابلة للتنفيذ؟

لكي تتحول هذه الخارطة من رؤية طموحة إلى برنامج عربي قابل للتنفيذ، يلزم استكمالها بعدة نقاط مفصلية:

أولها تحديد (من يقود ماذا) بوضوح بين ملفات البيانات والمعايير والتعليم والحوكمة؛ حتى لا تتشتت المسؤولية.

وثانيها وضع نموذج استدامة مالية يضمن استمرار العمل بعد مرحلة الحماس الأولى.

وثالثها إقرار ميثاق عربي للبيانات والحقوق يحدد الترخيص والخصوصية والإنصاف في تمثيل اللهجات وإتاحة الموارد.

ورابعها تحويل التعريب وتوحيد المصطلحات إلى مسار اعتماد عملي سريع مرتبط بالمناهج والإعلام والمعاجم الرقمية.

وخامسها تبني سياسة متوازنة لإدارة العلاقة بين الفصحى واللهجات بحسب سياقات الاستخدام.

وسادسها تعزيز القياس عبر اختبارات قياسية علنية ومتجددة للنص والصوت واللهجات.

وسابعها بناء منظومة ثقة وسلامة واضحة لمواجهة التضليل والتحيز وآليات التصحيح.

وأخيرًا دعم الخارطة بخطة 90 يومًا تُنتج مخرجات ملموسة: دفعة بيانات مرخّصة قابلة للاستخدام، وحزمة أدوات أساسية، ولوحة مؤشرات أولية تعلن خط البداية بوضوح.

ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يقدّم دعمًا عمليًّا لكل ذلك عبر أتمتة جمع البيانات وتنقيحها، ورصد الاتجاهات وإطلاق التنبيهات، ومساندة التعريب واقتراح المصطلحات، وتوليد نسخ أولية من المحتوى التعليمي، وقياس أداء الأدوات على الاختبارات بصورة مستمرة، مع تعزيز آليات الكشف عن التضليل والانتحال والتحيز.

حلم قابل للتحقق

قد تبدو خارطة الطريق هذه طموحة؛ لكنها في الوقت نفسه ضرورية. وإن مستقبل اللغة العربية ليعتمد على تضافر الجهود كافة: من العلماء الذين يطورون الخوارزميات إلى المعلمين الذين يدرّسون اللغة، ومن وسائل الإعلام التي تنتج محتوى شيقًا إلى الحكومات التي تضع السياسات المناسبة.

وهذه الخارطة التكيفية المقترحة ليست وعدًا بحل كل المشاكل؛ إنها مجرد بوصلة صغيرة يمكن الاستئناس بها - أو الرجوع إليها إن شئت - مرارًا وتكرارًا، ومع كل جيل جديد من التكنولوجيا نضيف إليها ونصحح مسارها.

إننا إذا تعاوننا في بناء هذا المستقبل، ستكون العربية لغة إبداع وعلم وثقافة في عصر الذكاء الاصطناعي، وليست مجرد لغة تقليد وماض.

الرابط المختصر :

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة