يوميات متقاعد (4)
حين تصنع المبادرة أثراً.. ويهدي التدقيق إلى التكامل
في هذه السلسلة من المقالات، نستعرض بعض المواقف الحقيقية التي وقعت على أرض الواقع، بزمانها ومكانها وأشخاصها، مع الوقوف عند العبرة المستفادة منها.
الموقف الأول: حين بادر شخصٌ مجهول.. فترك أثراً لا يُنسى:
وقع هذا الموقف في
23 يناير 2025م: لديَّ صديق يسكن في حارتنا، من الأشخاص الذين لا يحبون العودة إلى
المنزل بعد صلاة الفجر؛ لا يستلقي ولا يأخذ قسطاً من الراحة، بل يبدأ يومه ونشاطه
مباشرة بعد الصلاة، وأنا في الحقيقة أشاركه هذه الصفة أحياناً، إذ لا أحب الرجوع
إلى البيت مباشرة.
في أحد الأيام،
وبعد صلاة الفجر، اقترحت عليه أن نخرج معاً في جولة؛ فوافق فوراً، أخذني في جولة
عجيبة بحق؛ فهو يسكن هذه الحارة مع عائلته منذ أكثر من خمسين سنة، ويبلغ من العمر
قرابة ثلاثين إلى خمسة وثلاثين عاماً، كان يعرف المنطقة بيتاً بيتاً، ويعرف أسماء
السكان، وتاريخ كل واحد منهم؛ من باع بيته، ومن اشترى مؤخراً، ويعرف كذلك المطاعم
والمحلات الموجودة في الحي، إذ إن الحارة تضم جزءاً تجارياً واستثمارياً من مطاعم
ومحلات ومولات.
أخذني إلى أحد
المطاعم، وقال: «ما رأيك أن نتفطر معاً هنا؟»، وذكر اسم مطعم قديم ومعروف لدى أهل
المنطقة، رغم بساطته واقتصار خدماته على سكان الحي.
دخلنا المطعم،
وكان صغيراً؛ لا يزيد عدد طاولاته على خمس أو ست طاولات، وكل طاولة تتسع لستة
أشخاص؛ أي أن العدد الأقصى للزبائن لا يتجاوز ثلاثين شخصاً في الوقت نفسه، فجلسنا إلى
طاولة، وطلبنا بعض الطلبات، منها: روب، وبيض، وفول مدمس، وفلافل، وحمص بالطحينة،
مع الخبز الإيراني، وبعد أن انتهينا، توجهنا لدفع الحساب، فإذا بصاحب المطعم يقول:
«لا، الحساب مدفوع».
استغربنا،
وقلنا: «كيف؟! ومن الذي دفع؟!»، فقال: «تفضلوا، هذا الشخص هو من دفع عنكم»، تقدمنا
لنتعرف عليه، فقال: «أنا أخوكم جراح»، فقلت له: «أخ جراح، لماذا دفعت عنا؟»، فقال:
«والله يا جماعة، كنت جالساً إلى الطاولة المجاورة، وسمعت حديثكم، فأعجبت بطريقتكم
في الحوار وأسلوبكم في النقاش».
بادروا واستغلوا الفراغ قبل الانشغال
ووجِّهوا أموالكم في الخير قبل النفاد واستثمروا صحتكم قبل الزوال
وأنا بالفعل
أعمل في الجامعة، وصديقي كذلك يعمل أو سيعمل فيها، فحديثنا بطبيعة الحال كان حواراً
فكرياً وثقافياً، وقال: إنه أحب هذا النوع من الحوار، وأحب أن يشجع الناس على أن
يكونوا قدوة في النقاش والحديث، وأضاف: «أحببت أن أبادر وأقدم لكم هذه اللفتة»، شكرناه
كثيراً، وقلنا له: «كم نحن بحاجة في هذا البلد إلى أمثالك، ممن يعجبون بالفكرة،
فيبادرون بالفعل».
وهنا أقول: أيها
الإخوة والأخوات، المبادرون في هذه الدنيا قلة؛ لا يتجاوزون واحداً أو اثنين في
المائة، وهذا يذكرنا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الناس كإبل مائة، لا
تكاد تجد فيها راحلة»؛ أي أن من كل مائة شخص، قد تجد واحداً فقط يُعتمد عليه، ويبادر،
ويحل المشكلات، ويقود الآخرين.
وأنت يا جراح من
هؤلاء، فهنيئاً لك، ونسأل الله أن يكثر من أمثالك، فشعارنا «بادر قبل أن تغادر»، والمبادرات
قليلة، فاغتنم الفرصة، ويؤكد ذلك حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «اغتنِم خمساً
قبل خمسٍ: شبابَك قبل هَرمكِ، وصحتَك قبل سقمِك، وغناك قبل فقرِك، وفراغَك قبل
شغلِك، وحياتَك قبلَ موتِكَ»، وهذا الحديث كله دعوة صريحة إلى المبادرة.
صفة المبادرة والقيادة
وقبل أن نكمل،
أود أن أذكر بحثاً أنجزه رئيس قسم علم النفس في الجامعة، تناول فيه صفات القادة
العظام عبر التاريخ، وضع مائة صفة، ورتبها حسب الأهمية، أتدرون ما الصفة التي جاءت
في المرتبة الأولى؟ إنها صفة المبادرة، وكأن البحث يقول: القائد الذي لا يملك صفة
المبادرة، ليس قائداً.
لذلك أقول: أيها
الأخ، بادر، أيتها الأخت، بادري، أيها الزوج، بادر في بيتك، أيتها الزوجة، بادري
في بيتك، وأقول للأبناء كذلك: بادروا، استغلوا أوقات الفراغ قبل الانشغال، ووجِّهوا
أموالكم في الخير قبل أن تنفد، واستثمروا صحتكم في خدمة الناس قبل أن تزول،
وبادروا وأنتم أحياء قبل أن يأتي الأجل، واغتنموا شبابكم قبل الهرم.
الموقف الثاني: لا تبدأ بحثاً قبل أن تسأل: هل سبقك أحد؟
في 26 يناير
2025م، أنهيت مشروعاً سبق أن تحدثت عنه، وهو مشروع الأفعال في القرآن الكريم، فعددها
يقارب عشرين ألف فعل، بينما عدد الآيات 6236 آية، ولو قسمنا عدد الأفعال على عدد
الآيات، لوجدنا أن متوسط الأفعال في الآية الواحدة يقارب ثلاثة أفعال، ما بين فعل
ماضٍ، ومضارع، وأمر، دون احتساب المشتقات الأخرى.
أردت التأكد من
دقة عملي، فبحثت في شبكة الإنترنت: هل سبقني أحد إلى هذا الموضوع؟ فوجدت كتاباً
بعنوان «أفعال القرآن الكريم» لمؤلفه عبدالحميد السيد، فأعجبني الكتاب؛ إذ رتب
الأفعال حسب الحروف الأبجدية، وأرجعها جميعاً إلى صيغة الماضي، وبلغ عدد صفحاته
نحو 1500 صفحة، قرأت الكتاب كاملاً للتأكد، فاكتشفت أنني أغفلت بعض الأفعال، كما
اكتشفت أن المؤلف نفسه أغفل أفعالاً أخرى توصلتُ إليها، وهكذا يتكامل العملان،
فالكمال لله وحده، ونحن بشر.
ومن هنا أوصي كل
باحث أو مؤلف: إذا عملت على كتاب أو مشروع أو بحث، فاسأل دائماً: هل سبقني أحد؟ وإن
وُجدت أعمال سابقة، فاقرأها، واستفد منها، واستكمل النقص، واذكرها ضمن مصادر عملك.
لماذا هذا البحث؟
هدفي من هذا
المشروع فهم أدوات اللغة العربية في القرآن الكريم، ولا سيما حروف الجر: من، إلى،
عن، على، في، الباء، اللام، الكاف.. وكيف استُخدمت مع الأفعال، وما الأفعال التي
تتعدى بحرف معين دون غيره، حتى لا نقع في الخطأ عند استعمالها.
إذا عملت على مشروع أو بحث فاسأل: هل
سبقني أحد؟ وإن وُجدت أعمال سابقة فاقرأها واستكمل النقص
وإليكم بعض
الأمثلة لأفعال وردت في القرآن الكريم تتعدى بحرف الجر الباء، ووضعتها بصيغة
الماضي في جمل نستعملها في حياتنا اليومية، ثم وضعت بين قوسين الكلمة التي وردت في
القرآن الكريم وجذرها الذي ورد في القواميس:
1- استعان العبد
بربه؛ «واستعينوا من عون».
2- آمن الرسول
بربه؛ «آمن من أمن».
3- كذّب المنافق
بما أنزل الله؛ «كذّب من كذب».
4- استهزأ
الكافر بربه؛ «استُهزِئ من هزأ».
5- اشترى الكافر
الضلالة بالهدى؛ «اشتروا من شري».
6- ذهب الله
ببصر المنافق؛ «ذهب من ذهب».
7- أخرج الله
بالماء ثمراً؛ «نخرج من خرج».
8- خرج الكافر
بكفره؛ «خرجوا من خرج».
9- أتى محمد
بالهدى؛ «يأتي من أتي».
10- بشّر الله
الصابرين بالجنة؛ «بشرناك من بشر».
11- استبشر
الصابرون بالجنة؛ «يستبشرون من بشر».
12- أضلّ
الشيطان أتباعه بغير علم؛ «أضلّ من ضلل».
13- هدى الله
بالقرآن خلقاً كثيراً؛ «يهدي من هدي».
14- كفر المشرك
بالله؛ «يكفرون من كفر».
15- مات الكافر
بغيضه؛ «موتوا من موت».
16- نبّأ الإمام
المصلين بأسماء الأنبياء؛ «نبّأت من نبأ».
17- أنبأ الإمام
المصلين بأسماء الأنبياء؛ «أنبأهم من نبأ».
18- تمتّع
المؤمن بنعم الله؛ «تمتّع من متع».
19- أوفى العبد
بعهده؛ «يوفون من وفي».
20- لبَس الظالم
الحق بالباطل؛ «تلبسوا من لبس».
هذا الجانب
اللغوي الدقيق مهم جداً، خاصة لمن يتعامل مع القرآن الكريم تدبراً وبحثاً وتعليماً،
وبالله التوفيق.