...

حقيقة التظاهرات ضد المسلمين في اليابان

د. أسامة منصور

19 أبريل 2026

218

شهدت محافظة كاناجاوا جنوب العاصمة طوكيو، الأسبوع الماضي، مظاهرة مناهضة للإسلام، حمل المتظاهرون فيها لافتات تندد ببناء مسجد بمدينة فوجيساوا وتطالب بغلق محال «الطعام الحلال»، ومواجهة ما أسموه التمدد الإسلامي.

ورغم قلة عدد المشاركين في التظاهرة، فإن ثمة من يوقد عليها النار، بغرض تضخيمها وتوسيع دائرة الاتجاه المناهض للإسلام في اليابان.

في هذا الصدد، تقول ريم أحمد، وهي أكاديمية مصرية تعيش في اليابان: الشخص الذي نظم المظاهرة هو كاواي يوسكيه (Kawai Yusuke)، وهو عضو في مجلس مدينة تودا في سايتاما، وقد اشتهر في الآونة الأخيرة بالدعوة إلى طرد الأجانب (فهو يلعب على إثارة مشاعر الوطنية)، وهدفه ظاهريًا التأثير على السلطات لرفض مشاريع بناء المساجد ومنع الدفن؛ لأن المتعارف عليه في اليابان حرق الموتى، وهو يسعى بمختلف الطرق إلى الترويج لأفكاره السياسية ليكتسب قاعدة شعبية أكبر.

وأضافت: اللافت أن هذه الأخبار غير منشورة في وسائل الإعلام اليابانية الكبرى، إذ لم تذكرها الصحف أو المواقع الإخبارية الرئيسة في اليابان، وهي منتشرة فقط عبر وسائل التواصل الاجتماعي مثل منصة «إكس» أو «فيسبوك» أو «يوتيوب»، سواء من خلال حساب الشخص المذكور نفسه أو من خلال مؤيديه ومعارضيه، وقد تظهر كذلك في مدونات شخصية أو مواقع صغيرة مهتمة بالشأن السياسي.

وأشارت إلى أن المحزن في الأمر أن أخبار هذه التظاهرة بدأت تنتشر عبر منصات إعلامية عربية، وكأن هناك آلاف اليابانيين خرجوا ضد الإسلام، لكن الجدير بالذكر أن المظاهرة لم تكن تابعة لجهة رسمية كبيرة، بل كانت مبادرة قادها كاواي بنفسه مع بعض المؤيدين له ولم تكن المظاهرة كبيرة الحجم كما قد يبدو، فمعظم من كانوا حول كاواي كانوا من الشرطة لحمايته، وهذا مؤشر على وجود معارضة له من بعض اليابانيين.

ففي المظاهرة نفسها، كان يسبُّه عدد من اليابانيين ومنهم من اقترب منه للاحتكاك به؛ ما يبرز حجم الرفض الشعبي له، كما كان هناك في المقابل يابانيون يحملون لافتات تدعو إلى التعايش والتسامح والاعتراف بالثقافات المختلفة.

وأكدت أن هذا الأمر وإن كان لا يزال محدودًا بقيادة بعض أعضاء المجتمعات المحلية مثل كاواي يوسكيه، وليس موقفًا رسميًا من الدولة اليابانية، ولا حتى تيارًا شعبيًا واسعًا، فإن تأثيره يزداد، خاصة بين أولئك الذين يتابعون مواقع التواصل الاجتماعي، فتأخذهم الحمية ويشاركون ولو بالتعليقات السلبية، فيزيدون من سرعة انتشار مثل هذه الأخبار.

واختتمت ريم كلامها قائلة: لمعالجة مثل هذه الظواهر، فإن الأمر يحتاج للتحرك على 3 مستويات؛ دبلوماسياً من خلال التواصل الرسمي مع الحكومة اليابانية لضمان الحرية الدينية للمسلمين وأحقيتهم في بناء دور العبادة وفق القانون الياباني.

ودينياً من خلال المؤسسات الإسلامية في اليابان التي خفت صوتها وغاب دورها في الآونة الأخيرة، وهي المنوطة بتولي أمور الدفاع عن الإسلام، ثم أخيراً يأتي دور الفرد المسلم في اليابان الذي عليه أن يقدم مثالاً نموذجياً في أخلاقه وإخلاصه وحسن تعامله مع غيره من غير المسلمين.

وفي هذا الصدد، قال د. باسم عبدالله، رئيس المركز الإسلامي في هيروشيما: الجميع هنا يعرف أن مثل هذه التظاهرات قليلة العدد والمؤيدين، ولا تعبر عن وجهة النظر الرسمية، كما أنها لا تمثل اتجاهاً عاماً لدى اليابانيين، لكنها تلعب على ورقة شديدة الخطورة؛ وهي الإعلام، وقد استطاعت كسب بعض التأييد من خلال بث منشورتها، والترويج لها.

وأضاف: علينا نحن كمسلمين نعيش في اليابان أن نواجهها بنفس سلاحها، بأن يكون لنا نشاط إعلامي واضح ومؤثر، نستطيع من خلاله دحض هذه الافتراءات، وكشف الصورة الصحيحة للإسلام، وإظهار النماذج الفاعلة والناجحة من المسلمين في المجتمع الياباني.

وأكد عبدالله أن المعركة الإعلامية شديدة الخطورة، وأننا إذا خسرنا هذه المعركة، فسيتبعها خسارات أخرى؛ ما قد يؤدي بدوره إلى تآكل مساحة الحرية الدينية شيئاً فشيئاً.

وشدد على أهمية دور المؤسسات إسلامية في اليابان؛ حيث قال: إننا مقصرون كثيراً في توضيح صورة الإسلام الحقيقية للمجتمع الياباني، كما أن جهودنا مشتتة وتحتاج للم شملها، وتوحيد نشاطاتها؛ وعليه أرى أنه أصبح من الضرورة بمكان وجود مجلس حكماء للمسلمين في اليابان، يتولى إدارة شؤون المسلمين ومواجهة ما قد يطرأ من مستجدات في المستقبل.

من جانبها، قالت ميا هوريتشي، وهي أكاديمية يابانية مهتمة بالعلاقات الدولية: هناك الكثير من الكلام على الإنترنت بأن اليابان ترفض وجود الأجانب أو ستغلق أبوابها في وجههم، لكن في الواقع الأمر غير ذلك، اليابان لا ترفض الأجانب، ولا يزال الناس يأتون إلى هنا للعمل والدراسة والعيش كل يوم، وما زالت الشركات توظف الأجانب، والعديد من الناس يجددون إقاماتهم بسهولة ودون مشكلات.

وأردفت: ما تغير هو أن اليابان أصبحت أكثر تنظيماً وصرامة في التحقق من الأوراق والاستقرار، وطالما أنك كأجنبي تلتزم بالقوانين وتؤدي عملك بإخلاص وتسدد الضرائب للحكومة، فليست هناك أي مشكلة، صحيح أن الأوضاع الاقتصادية قد ألقت بظلالها على اليابانيين أنفسهم، وبدأ البعض منهم يستمع للأصوات المناهضة للأجانب، إلا أنه على المستوى الرسمي لم تصرح الحكومة بمثل هذا، ولا أشعر أن قد تشير إليه في المستقبل القريب.

واختتمت هوريتشي كلامها قائلة: كانت اليابان دائمًا مكانًا يمكن أن تلتقي فيه الثقافات المختلفة، نعيش فيها مع بعضنا بدفء ومودة، ويحترم كل منا الآخر، وآمل أن تظل هكذا.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة