بين الهوية و«البرند».. هل فقدت الدراما الرمضانية روحها؟!

د. صفاء البيلي

19 فبراير 2026

208

ما زلتُ أتذكر تلك الطفلة التي كنتُها في قريتي التي تطل على النيل، أركض بين بيوتها الطينية وأزقتها الضيقة، أحمل فانوسي الصغير الذي تسكن فيه شمعة صغيرة حمراء أو بيضاء تنتظر مدفع الإفطار لأشعلها، فيرتعش ضوؤها الخافت مع صوت أنفاسي المتسارعة بانتظار موافقة أمي بالخروج لنبدأ وصلة اللعب والغناء أمام البيت «وحوي يا وحوي» وحولنا الجدات والجيران يتلقون التهاني والمباركات بالشهر الكريم ترفرف فوق رؤوسنا زينة رمضان وأغنية محمد عبدالمطلب رمضان جانا تملأ المكان.

في النهار، كانت رائحة خبيز جدتي الطازج تملأ أرجاء البيت بالمحبة وصوت تواشيح النقشبندي المنساب من الراديو يملأ روحي بسكينة لا أجد لها مثيلاً اليوم، كنا نتحلق حول شاشة التلفاز الوحيدة في صالة البيت، ننتظر ومعنا أطفال الجيران «بوجي وطمطم» بلهفة شديدة.

في تلك الليالي الأثيرة، كانت القراءة متعتنا ومعها التلفاز ملاذاً لنا في الانفتاح على الحياة البعيدة، يفتح لنا نوافذ السحر؛ ننبهر ونحن نرى الممثلين يتحركون داخل الإطار المربع، والحكايا التي تروي كثيراً من آمالنا، تضع يدها على مشكلاتنا التي كانت بسيطة وهينة.

ما زلتُ أتذكر ذلك الانبهار الذي سكننا أمام مسلسل «الشهد والدموع» (مصر، 1983م) الذي دافع عن حقوق اليتامى وانتصر لهم ورفع هامتهم، ومسلسل «ألف ليلة وليلة» (مصر، 1984م) الذي كان يأخذنا لعوالم من الخيال، إلى البحار ثم يطير بنا فوق السحاب.

ومع كل تلك الخيالات التي كانت تسكن أحلامنا الصغيرة، كان هناك طقس ثابت كل يوم لا يتغير، حينما نتربع لننصت بخشوع لخواطر الشيخ محمد متولي الشعراوي التي كانت تبث قبيل المغرب، وصوته الودود يمتزج بهدوء الشارع وصياح الديوك فوق الأسطح.

ومن بعدها نشاهد مسلسل «ليالي الحلمية» (مصر، 1987م)، الذي كان يحكي تفاصيل حياة المصريين البسطاء، كأن أسامة أنور عكاشة قد انتزع الحوارات التي كانت تخرج على ألسنة أبطاله نابعة من قلب بيوتنا فلم نشعر بالاغتراب عنها حينما طالعتنا على الشاشة.

العدل والزهد

كبرنا ونحن نرى معنى العدل والزهد من المسلسلات الدينية مثل «القضاء في الإسلام» أو مسلسل «محمد رسول الله»، وكيف يكون في كل منا جزء من الخليفة العادل عمر بن عبدالعزيز ونحن نتابع بعضاً من حياته من خلال المسلسل الذي حمل اسمه (مصر، 1994).

ورغم هذا الزخم الدرامي المحلي لم نكن نعيش في جزر منعزلة عما يقدم من دراما عربية حينئذ، إذ لم تكن حدودنا تقف عند مصر، فقد كانت الدراما العربية تأتينا عبر بروتوكولات التبادل البرامجي بين اتحاد الإذاعة والتلفزيون المصري والوزارات العربية، لتُبث عبر شاشة القناة الثانية وقنوات الأقاليم.

أتذكر جيداً كيف كانت الضحكات تخرج من القلوب مع شخصيات مسلسل «درب الزلق» (الكويت، 1977م)، وحفظنا تفاصيل «خالتي قماشة» (الكويت، 1983م)، و«رقية وسبيكة» (الكويت، 1986م)، و«على الدنيا السلام» (الكويت، 1987م)، كانت تلك الأعمال تصل إلينا فنشعر أنها تحكي عن أشياء تشبهنا، كانت تتمتع ببساطة جعلتنا نرتبط بها ونعايش أحداثها.

مع غروب الشمس، كانت أصوات الملاعق والأطباق وهمهماتنا حول الطعام تختلط بأصوات شخصيات «يوميات ونيس» (مصر، 1994م) التي كانت تعكس الكثير من مشاهد الحياة اليومية ومشكلاتها، والأسرة المصرية ونظرتها للتربية، والأخلاق، والعادات والتقاليد، لقد عاش جيلنا طفولة مبهجة، وشباباً واعياً لمست فيها الدراما القلب والروح قبل العين، فبدأنا ننتبه للدراما الشعبية لنعيش انكسار كبريائنا في «الزير سالم» (سورية، 2000م) وتدمع عيوننا في «التغريبة الفلسطينية» (سورية، 2004م).

عوالم مترجمة

اليوم، نجد أنفسنا وقد فزعنا من ذلك الحلم الجميل لنجد أنفسنا غرباء أمام شاشة تعرض القصور العالية والشقق الفارهة والسيارات الفخمة والوجوه التي جمدتها حقن الفيلر والبوتكس فضاعت ملامحها وصارت شكلاً واحداً!

تخرج علينا الممثلة بدور الفلاحة القروية الطيبة أو العاملة البسيطة بوجهها «فول ميك أب» وشعرها المنساب على كتفيها، وأظافرها المدببة المصنوعة من الهارد جيل كأنها خارجة للتو من صالون التجميل، وهو ما يضعف استقبال الجمهور بسبب عدم الصدق الفني ومجافاة الواقع، هل تتذكرون دراما الإنتاجات المشتركة، أو ما يسمونه بـ«البان آراب»؟

لقد جاءت مسلسلات مثل «ستيلتو» (2022م)، و«كريستال»  (2023م)، سرقت خصوصية المكان والزمان، فقد جسدت حيوات أناس يعيشون في عوالم غريبة عن تقاليدنا وعاداتنا، عوالم لا تشبهنا، عوالم مترجمة ليس هذا فحسب، حتى الحارة الأصيلة لم تعد موجودة، انمحت شيئاً فشيئاً لتحل محلها حياة «الكومباوندات» الفارهة في معظم الأعمال.

منها «يوتيرن» (مصر، 2022م)، حيث يغرق الأبطال في ترف مستفز، معزولين تماماً عن صراع الإنسان العادي مع رغيف الخبز أو كرامته، لقد تحول الفن إلى مجموعة من الماركات باهظة الثمن التي تعرض في «الفترينات»، ومن ثم فقدنا اللمسة الشعبية المحببة التي كانت تميز درامانا العربية عن غيرها.

ما يؤلمنا الآن هو انفراط عقد اللمة الرمضانية؛ فقد تفتتت أرواح الجميع خلف شاشات الهواتف والمنصات المختلفة، لم يعد شيء يجتمع الكل حوله، فاليوم تجلس العائلة في غرفة واحدة، بينما يسكن كل منهم جزيرته الخاصة، يلهثُ خلف مقاطع قصيرة، أو صراخٍ مفتعل صُمم فقط ليحقق مشاهداتٍ لحظية، كما في ضجيج «جعفر العمدة» (مصر، 2023م)، حيث ضياع النص الرصين، وصار النجم والمنتج هما أصحاب القرار، فغابت الخصوصية، وتوارت الحقيقة خلف فلاتر الإضاءة الباذخة فزيفت الملامح وصهرتها في قالب واحد لا يشبهنا، بل صار الجميع يشبه الجميع.

البعد الاستهلاكي

إن الأزمة اليوم ليست في آليات التصوير أو جودة الصورة فقد بلغت ذروة إبهارها، بل في ارتهان تلك التقنيات لخدمة الشكل على حساب الجوهر، فقد استبدلت الدراما الحديثة البعد الاستهلاكي بالإنساني، فغابت ملامح الإنسان البسيط الذي كان بطلاً، ليحل محله بطل مُعلب في قوالب الإعلانات، وليس معنى هذا أننا نعادي الحداثة أو التقدم التقني، لكننا نخشى أن تتحول الشاشة إلى مرآة تعكس الشكل لا الجوهر.

وبرغم هذه الانكسارات، فما زلت أتحيز لكل حكايةٍ حقيقية تحترم عقل المشاهد؛ كما في «تحت الوصاية» (مصر، 2023م)، وهو يواجه قوانين بالية عبر حكاية من حكايات البحر، وفي «خيوط المعازيب» (السعودية، 2024م) وهو يستنطق تاريخ الأحساء بجمال إنساني أعاد للجمهور بعض الأمل.

إن الدراما العربية تحتاج إلى العودة للمؤلف الأديب الذي يكتب الناس، يعبر عنهم ويصبح لسانهم الناطق، كما تحتاج إلى كسر مسلسلات الثلاثين حلقة والتمطيط الذي يخدم الإعلانات لا الدراما.

وأخيراً على صناع الدراما، أن يتوقفوا عن مطاردة «الترند» على حساب الجودة الفنية، وأن يعودوا إلى الشارع، وينصتوا لأوجاع الناس، فالكاميرا التي لا تلمس شغاف القلب لا وجود لها، والممثل الذي يخاف على ملامحه من تعبيرات الألم أو الفقر بلا مكياج لن يصدقه أحد، اقتنصوا لنا هويتنا من صالونات التجميل وأعيدوها إلى ملامحنا الصادقة.

وبقي أن نتساءل: هل ما زال بإمكان الدراما العربية أن تعيد لنا وجوهنا الحقيقية؟ وهل يعود الفن ليجمعنا حول قضيةٍ واحدة في زحام الأسواق الإلكترونية ومنصات البيع؟



اقرأ أيضاً:

لنحفظ سمعة المجتمع الكويتي في دراما رمضان

هاشتاج "أوقفوا مسلسلات رمضان الهابطة" يتصدر "تويتر"

"علماء المسلمين" يندد بـ"المسلسلات الهابطة" ويدعو لحماية القدس

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة