بين الصحوة والصحوة المضادة

هناك ظاهرة غير صحية تبرز على السطح بين ظهراني هذه الأمة.. فكلما وجد للحركة الإسلامية نشاط ملموس برز نشاط مضاد، وذلك من خلال طرح آراء وأحكام من شأنها التشكيك بالنشاط الإسلامي، وهذه الظاهرة المضادة في الواقع رغم افتراض حسن النية توجد حيرة عند الجيل وتشككه بتراثه الإسلامي وبصلاحية شريعته لكل زمان ومكان، وتوقفه عن المضي قدمًا، وذلك ليس في مصلحة الأمة، وهذا يقتضي منا أن نناقش الأمر بشيء من الهدوء للوصول إلى ما نظنه أنه خير السبيل (مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ۚ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ ۚ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ۚ ذَٰلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ ۖ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ) (الأحزاب: 4).

أولًا: إن الله كتب الإحسان على كل شيء في القتل والذبح... إلخ، فمن باب أولى أن يكون هذا في النصح والنقد، وطالما أن كلمة «كل» في الحديث أضيفت إلى نكرة لذلك فهي تعم جميع الأشياء فإذا صرح الحديث بالقتل أو الذبح، فمقتضى الحال يشمل النصح والنقد، وفي الحديث «إن الله يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف وما لا يعطي على سواه» أو كما قال.

ثانيًا: إن القياس الشمولي من خلال أخطاء فردية لا يصح أن يكون في لغة التاريخ حكمًا قاطعًا يعتد به، لأن الحكم لا يقر لوم جمع بفرد، ولا أمة بنفر، ومن هنا بطل حكم القائلين بفساد العصر الأموي بخطأ يزيد أو بسقوط العصر العباسي ببعض هنات للأمراء، وصدق الله إن يقول: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۚ وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَىٰ حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۗ إِنَّمَا تُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ ۚ وَمَن تَزَكَّىٰ فَإِنَّمَا يَتَزَكَّىٰ لِنَفْسِهِ ۚ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ) (فاطر: 18)، (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ) (المدثر: 38).

ثالثًا: إن الناس بعد البعثة المحمدية قسمان، قسم يقال له أمة الدعوة وقسم يقال له أمة إجابة، فالقسم الأول يشمل كل من لم يجب داعي الله، والثاني يشمل كل من أجاب داعي الله، وعلى هذا فالأمة التي أجابت الدعوة مطالبة بدعوة أبناء نوعها في كل جيل وفي كل قبيل، فإذا قامت بواجبها، فلا يصح أن تلام أو يعاب عليها أو أن يستنكر فعلها، وصدق الله إذ يقول: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (فصلت: 33)، (قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (يوسف: 108)، (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا) (الأحزاب: 45).

رابعًا: فإذا كان واجب المسلم الدعوة إلى الله والتي تشمل كل ما جاء في دين الله من حكم وعلم وسياسة واقتصاد واجتماع... فلماذا يصر بعض الناس على اتهام الإسلاميين بالخروج عن الخط الإسلامي؟ وكأن الإسلام لا يعرف سوى الاعتكاف في المساجد والمكث في الصوامع شأنه في ذلك شأن المسيحية التي تقصر الدين على الطقوس الكنسية، ومن هنا جاءت إلى الشرق فرية «إقصاء الدين عن الحياة.. وجاءت مقولة.. الدين لله والوطن للجميع».

إن الواقع التاريخي يثبت بأحداثه التي تعتبر قاطعة وفاصلة في الحكم أن الدنيا ما نعمت يومًا إلا من خلال الدين والسياسة ومن خلال الدين والاقتصاد ومن خلال الدين والحرب.. إلخ.

سلوا التاريخ عن قتيبة الذي خرج شرقًا إلى أواسط روسيا «بطرسبورج» ترفرف رايته على تلك الربوع حكمًا وسياسة وإدارة واقتصادًا لا جلوسًا ولا مكثا في مقر خلافة المسلمين بالمدينة، وأيضًا سلوا التاريخ عن طارق وابن نصير وإخوانهم الذين خرجوا غربًا حتى وصلوا إلى جبال البرانس شمال فرنسا ترفرف راياتهم فوق تراب تلك البلاد، حكمًا، وسياسة، وإدارة، واقتصادًا.

خامسًا: وإذا كان الحال هكذا بدليل تاريخنا وواقعنا وتعاليم ديننا من كتاب وسنة.. فكيف يتسنى لبعض الكتاب أن يتهموا الإسلاميين إذا ذكَّروا أمتهم ونصحوا جيلهم بضرورة العودة إلى إسلامهم الشامل... وإلى زمان مجدهم؟

إن هذا الإنكار إن جاز أن نسمعه من بعض العوام فلا يصح أن نسمعه ممن يعول عليهم ونأمل فيهم النصح لأبناء جيلهم، لأن الجيل الصاعد لا شك أنه تربى حقبة من الزمن في أحضان الاستعمار بعيدًا كل البعد عن الأصالة التاريخية لدينه وتراثه ومجد أسلافه.

سادسًا: إن الاقتصاد في الدول الرأسمالية يأخذ منهجًا مختلفًا عنه في الدول الاشتراكية، وكل من أصحاب المنهجين يدَّعي الفضل لنفسه، وبعض الاتجاهات الاقتصادية في عالمنا الإسلامي تؤيد هذا! وبعضها تؤيد ذاك! على الرغم من مخالفة المنهجين لما أنزله الله على أمة الإسلام، ومع ذلك فليست هناك معركة «عيب» بين الكتاب العرب من أنصار الاتجاهين، اللا إسلاميين.

فإذا كان الأمر كذلك فكيف يعاب على الإسلاميين إذا ما توخوا في أسلوب اقتصادهم ما يمليه عليهم مبدؤهم الإسلامي من ضرورة نبذ الأمور الربوية في المذهب الحر، أو التحكم في الثروات الإنتاجية أو الاستهلاكية في المذهب الاشتراكي، وكيف يقال بإنهم يريدون من وراء ذلك الوصول إلى مآربهم الذاتية بتسترهم وراء الدين؟!

إن المنطق يقضي أن الإنسان إذا ما أراد نقدًا أو حكمًا على شيء فلا يصح أن يكون المعيار متعددًا والميزان متغيرًا، لقد عاب الإسلام على أهل الكتاب عندما تعددت موازينهم في الأسرى.. وفي الزنى.. والسرقة، إلخ.

فإذا كان الأمر كذلك فكيف يعاب على الإسلاميين دون غيرهم من اشتراكيين أو ليبراليين إذا ما أرادوا أن يتحروا الكسب الحلال والأكل الحلال والعيش الحلال في دينهم ودنياهم.

إن الله خاطب المرسلين كما خاطب المؤمنين بضرورة الأكل الحلال قبل العمل الصالح وقبل السلوك والأسلوب في دنيا الناس وفي معايشة الناس فقال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا ۖ إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) (المؤمنون: 51)، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) (البقرة: 172)، وفي الحديث «إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا» وفي التنزيل (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) (فاطر: 10)، (وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَىٰ صِرَاطِ الْحَمِيدِ) (الحج: 24).

سابعًا: إن الأمر الذي يجب أن نتواصى به هو:

1- أن يكون شعارنا الإحسان فيما بيننا ولا يصح للخلاف في الرأي أن يفسد للود قضية.

2- ألا يكون القياس الشمولي هو معيارنا في الأحكام على الناس والأحداث.

3- إن الدعوة إلى الله واجب على كل مسلم ومسلمة ما داموا من أمة الإجابة.

4- إن الدين ليس قاصرًا على العبادات من شعائر وطاعات، ولكن يشمل المعاملات والسياسات بكل ألوانها كالاقتصاد والاجتماع والحكم، فليست هناك خصومة ولا مغايرة بين الدين والعلم، ولا بين الدين والحكم، ولا بين الدين والسياسة، وإلا صرنا كالذين عناهم القرآن في قوله تعالى: (الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ) (الحجر: 91) يعني مقطعًا مفرقًا مقسمًا... يؤخذ بعضه ويترك الآخر.

5- إن الأخوة الإيمانية رحم المؤمنين، فلا بد أن تراعى من خلال صفاتهم في كتاب ربهم (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ۖ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ۖ سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ۚ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ ۚ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ۗ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) (الفتح: 29)، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (المائدة: 54).

6- إن الخطأ في النوع وارد ومن أجل ذلك شرع الله الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالأسلوب الذي أمر به موسى وهارون (فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ) (طه: 44)، «ابن آدم خطاء»، «ورحم الله امرأ سهلًا»، «بعثتم ميسرين»، «أنا زعيم بيت في الجنة لمن ترك الجدال وهو محق».

وفي الختام لا يسعنا إلا أن نشد على أيدي الشباب المسلم أن امضوا على الطريق، غير عابئين بشبهات وأباطيل تثار من هنا وهناك، ولكن يلزمنا على أية حال الالتزام بمنهج الدعوة إلى الله المتمثل بقوله تعالى: (ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ) (النحل: 125)، وندعو الله سبحانه: (رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ) (الأعراف: 89)(1).


 

للمزيد: 

- العنف الأسري.. هل ترضاه المرأة أم تضطر للصبر عليه؟ 

- العنف الأسري في الكويت - بين واقع الظاهرة ورادع القانون 

- مساعي تفكيك الأسرة المصرية تتزايد وسط تحذيرات من مختصين 

- مقاربة النموذج الكويتي والأردني لحماية المرأة من العنف الإلكتروني 

- قراءة في الإنجازات التشريعية لحماية المرأة في الكويت 


___________________

(1) نُشر بالعدد(668)، 23 رجب 1404هـ/ 24 أبريل 1984م، ص4.   

الرابط المختصر :

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة