بأي حال يأتي «اليوم العالمي للتسامح»؟

د. مجدي سعيد

16 نوفمبر 2025

606

في 16 نوفمبر من كل عام، يتم الاحتفال عالمياً بـ«اليوم العالمي للتسامح»؛ وهو اليوم الذي كانت قد دعت له منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (يونسكو) منذ عام 1995م، وذلك من أجل رفع الوعي العام بأخطار التعصب وعدم التسامح، ولتحقيق تلك الغاية تقام سنوياً حول هذا التاريخ العديد من المؤتمرات والمهرجانات، وكما يشير موقع «يونسكو»، فإن التسامح يعني احترام وقبول وتقدير التنوع الغني للثقافات وأشكال التعبير المختلفة عنها.

وقبل هذا الإعلان بـنحو 14 قرناً، أعلنها النبي صلى الله عليه وسلم صريحة على جبل عرفات يوم حجة الوداع في السنة العاشرة للهجرة النبوية الشريفة عندما قال صلى الله عليه وسلم: «يَا أَيُّها النَّاسُ، أَلا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَباكُمْ وَاحِدٌ، أَلا لا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ على عَجَمِيٍّ، وَلا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا أَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، ولا أَسْوَدَ على أَحْمَرَ، إِلَّا بِالتَّقْوَى، أَبَلَّغْتُ؟».

وفي الحادثة التي سبَّ فيها أبو ذر، بلالاً، فقال له: يا ابن السوداء! فقرّعه النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: «إنك امرؤ فيك جاهلية»؛ دلالة على أن كل أشكال التعصب المبنية على الاختلاف في اللون أو اللغة أو أشكال الثقافة المختلفة لون من ألوان الجاهلية.

وفي السُّنة والسيرة النبوية الشريفة الكثير مما يؤكد هذا المعنى، ولكن هل تخلص العالم منذ إعلان «يونسكو» من العصبيات؟ وهل زاد الوعي بأخطارها؟ وهل عبرت سياسات حكومات العالم الذي أعلن عن هذا اليوم العالمي للتسامح عن التسامح حقاً؟ وهل اهتدينا كأمة مسلمة بهدي نبينا في نبذ هذا الشكل من أشكال «الجاهلية»، كما وصفها النبي صلى الله عليه وسلم؟ الإجابة بكل تأكيد لا.

فعلى مدار قرون طويلة، عانى الملايين من ويلات العبودية والعنصرية المقيتة، ومن ويلات شعور المركزية الأوروبية التي دفعت بلدان أوروبا المختلفة إلى احتلال قارات وبلاد العالم الجديد، وإبادة شعوبها الأصلية، فضلاً عن احتلال واستعباد شعوب جنوب العالم الفقير، بدوافع عنصرية ترى في الجنس الأوروبي الأبيض جنساً متفوقاً، يحق له استعباد ونهب ثروات شعوب العالم الملون لأنهم أقل تحضراً منه.

وما زال العالم يعرف تجليات مختلفة للعنصرية والتعصب العرقي والثقافي والديني، وللتو، عرفنا أحد تجليات وامتدادات تلك العنصرية بل والبلورة التي تركزت فيها متمثلة في حرب الإبادة التي عاشها الشعب الفلسطيني منذ أكثر من ربع قرن، وما زال، وما زالت حكومات العالم الغربي تدعم هذا التجلي الأعظم للعنصرية.

وعلى أرض بلادنا العربية والإسلامية، في أرض السودان الحبيب، نشهد تجلياً للتعصب والعنصرية تمارسه على الأرض عصابات مأجورة قتلاً وتدميراً واغتصاباً ضد المدنيين.

التعصب والتنمر

وإذا نحينا الحروب جانباً وجدنا أن بلاد العالم، شرقه وغربه، شماله وجنوبه، تختلط فيه الأعراق، وتختلف فيه اللغات، والثقافات، فلا يخلو بلد من هذا التنوع الثري، فمن آياته سبحانه اختلاف ألسنتنا وألواننا، وإذا نحينا سياسات الحكومات التي تتغذى بعضها على إذكاء النعرات، فإننا نجد أن الكثير من الشعوب تتغذى هي الأخرى على التعصب، وعلى التنمر والسخرية من الآخر المختلف!

وكي تتغلب المجتمعات على التعصب، فإن عليها القيام بوضع الكثير من البرامج التي تمزج بين التعليم والحوار المجتمعي المفتوح والعمل الجماعي، الذي يشمل الدعوة إلى سياسات شاملة، ويدعم ضحايا التمييز، ويواجه التحيز في الحياة اليومية، وتتضمن الإستراتيجيات الرئيسة تعزيز الاحترام المتبادل بين مختلف الفئات، ومعالجة الأسباب الجذرية للتمييز، ووضع برامج تعزز التفاهم وتبرز بل وتحتفي بالتنوع.

ففي مجال التعليم والتوعية، علينا أن ننفذ برامج تعليمية تبدأ من مرحلة الطفولة المبكرة لتعزيز التعايش ورفع مستوى الوعي بشأن التحيز، وفهم آليات التعصب، وكيف يؤدي إلى التمييز والقمع، ويساعد في ذلك تنظيم فعاليات مثل عروض الأفلام، وجلسات السرد القصصي، وغيرها من التبادلات الثقافية لكسر الصور النمطية وإظهار الحقائق المختلفة.

أما على المستوى الاجتماعي الأوسع من المؤسسات والعملية التعليمية، يمكن علاج التعصب وتعميق التسامح والتعايش عبر تشجيع النقاش والحوار البناء والمحترم على جميع المستويات المحلية والوطنية والدولية، بين مختلف الجماعات الثقافية والاجتماعية والدينية، وعبر مناقشة أسباب التمييز والتعصب داخل المجتمعات ووضع إستراتيجيات لمواجهتها، وعبر العمل على كل ما يدعم الاحترام المتبادل والتسامح.

وعلى مستوى السياسات، فلا بد من دعم ضحايا التمييز، ومنع خطاب الكراهية والتحريض واتخاذ إجراءات قانونية لإنفاذ الحق ومنع التنمر والوقوف في وجه التعصب والكراهية المبنية على الاختلاف والتنوع.

التربية السليمة

وفي العموم، فإننا في مجتمعاتنا الشرقية بحاجة إلى إعادة تربية وتهذيب نفوسنا ونفوس أبنائنا عبر الخطاب والممارسة الدينية والأهلية التي تعود بنا إلى أساسيات وجوهر قيمنا الدينية التي ابتعدنا عنها كثيراً، كما أن علينا تعزيز الاحتفاء بتنوعنا الثقافي، واستثماره فيما يعود بالنفع على جميع مكونات مجتمعاتنا، وذلك قبل أن نلجأ إلى القوانين والعقوبات.

وفي مصر، على سبيل المثال، هناك عدد من الجهود والمبادرات التي تعمل على معرفة الذات الحضارية المصرية بجميع طبقاتها الثقافية والجغرافية والتاريخية، وذلك للتعرف على تجليات تلك الثقافات المتراكبة، من ذلك مثلاً ما يقوم به الباحث أسامة غزالي من جهود للمسح الثقافي لمصر، وإخراج نتائج هذه المسوح في شكل منتجات ثقافية يمكن متابعتها على موقعه: التراث المصري https://egyptheritageatlas.net/.

ومن ذلك مثلاً ما تحدث عنه الشيف ورائد الأعمال المصري مصطفى الرفاعي من استكشاف وإحياء التنوعات الواسعة في المطبخ المصري عبر جغرافية وتاريخ مصر وإعادة تقديمها للناس بشكل جذاب؛ مما تحدث عنه في هذه الحلقة: https://www.youtube.com/watch?v=n47-GhZIIGI.

وفي المغرب، مثلاً، هناك بعض البرامج التي تعزز التعارف بين مكونات الشعب المغربي ممثلة في برنامج «أمودو» https://www.youtube.com/@amouddoutv، وبرنامج العاديون https://www.youtube.com/@laadiyoune، اللذان يطوفان بأرجاء المغربي، قراه وجباله، ومجتمعاته النائية ويقدمها للمشاهد المغربي والعربي.

ومما لا شك فيه أن زيادة حجم واتساع عمل أمثال تلك الجهود والمبادرات في جميع بلادنا العربية والإسلامية من شأنه أن يساعد في النشر الهادئ والمحبب للتسامح كونه لا يتحدث عن الأمر من جانبه السلبي/ التعصب، ولكنه يزينه في شكله الإيجابي/ التنوع الثقافي الثري، ونظن أن لهذا أثره القوي في ترسيخ قيمة التسامح عملياً قبل أن يكون قولياً.

الرابط المختصر :

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة