بأية حال عدت يا عيد.. عيد الفطر المبارك في عصور الشعر العربي

سيد يوسف

17 مارس 2026

184

جعل الله عيد الفطر مكافأة للمؤمن على صوم رمضان.. يقول الله عز وجل في ختام الآية الخاصة بصوم رمضان: ((وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)) (البقرة من الآية 185).

وقد وجه النبي (ﷺ) إلى أهمية عيدي الفطر والأضحى كما في حديث أنس رضي الله عنه: ""قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ (ﷺ) الْمَدِينَةَ وَلَهُمْ يَوْمَانِ يَلْعَبُونَ فِيهِمَا، فَقَالَ: مَا هَذَانِ الْيَوْمَانِ؟ قَالُوا: كُنَّا نَلْعَبُ فِيهِمَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ﷺ): إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَبْدَلَكُمْ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا: يَوْمَ الأَضْحَى، وَيَوْمَ الْفِطْرِ." 

وعلى درب القرآن والسنة سار المسلمون في شأن تعظيم عيد الفطر وإعداد العدة للاحتفال به، من أداء صدقة الفطر وصلاة العيد ولبس الجديد وتبادل الزيارات وإدخال السرور على الأطفال، إلى غير ذلك من الأعمال الطيبة.. ولم يكن الشعراء بدعًا من عامة المسلمين في هذا المسلك؛ حيث سجلت كتب التاريخ وتاريخ الأدب كثيرًا مما نظمه الشعراء بمناسبة قدوم عيد الفطر.. وهو ما نطوف عليه في هذه الإطلالة..

العصر الإسلامي الأول:

لم تنعكس صورة العيد بوضوح في شعر العصر الأول؛ فقد كان عصر جهاد ودعوة ونشر للدين، وكانت المظاهر التعبيرية قليلة في مقابل الالتزام السلوكي العملي بالشعائر والعبادات.. غير أننا لا نعدم في ذلك العصر، ولا سيما مع قدوم العصر الأموي، إشارات للعيد، ربما يكون من أبكرها ما يورده أبو عبيدة في شرح نقائض جرير والفرزدق (ج 3 ص 1116) من شعر الفرزدق؛ حيث قال يشرح ولعه بزوجته ظبية بنت دلم بن الهثهاث.. وهو ما جعله يتعجل انقضاء الصوم، ويستعجل قدوم شوالٍ ليسعد بلقائها ووصالها:

أُبادِرُ شَوَّالاً بِظَبْيَةَ إِنَّنِي * أَتَتْنِي بِهَا الأَهْوَاءُ مِن كُلِّ جَانِبِ

العصر العباسي:

ذاع الاحتفاء بالعيد بين شعراء العصر العباسي.. وشارك فيه كبار شعراء ذلك العصر.. فهذا ياقوت في معجم الأدباء (ج 6 ص 2798) يذكر شعر البحتري ويورد رائعته في مدح المتوكل التي يشيد فيها بحرص الخليفة على إرضاء الله ويهنئه بالعيد.. يقول:

بِالْبِرِّ صُمْتَ وَأنتَ أَفْضَلُ صَائِمٍ * وَبِسُنَّةِ اللهِ الرَّضِيَّةِ تُفْطِرُ

فَانعَمْ بِيَوْمِ الفِطْرِ عَيْنًا إِنَّهُ * يَوْمٌ أَغَرُّ مِنَ الزَّمَانِ مُشَهَّرُ

وهذا الحريري في شرح المقامات (ج 1 ص 135) يورد قول ابن المعتز الذي يترجم سعادته بقدوم هلال شوال في صورة نصيحة يخاطب بها نفسه:

أَهْلاً بِفِطْرٍ قَدْ أَنَارَ هِلالُهُ * فَالآنَ فَاغْدُ إلى المُدَامِ وَبَكِّرِ

وَانظُرْ إِلَيْهِ كَزَوْرَقٍ مِن فِضَّةٍ * قَدْ أَثْقَلَتْهُ حُمُولَةٌ مِنْ عَنبَرِ

وقوله في قصيدة أخرى يرحب بالمعازف والمشارب ويشير إلى انقضاء رمضان.. يقول:

أَهْلاً وَسَهْلاً بِالنَّايِ وَالعُودِ * وَشْرْبِ كَأْسٍ بِكَفِّ مَقْدُودِ

قَدِ انقَضَت دَوْلَةُ الصِّيَامِ وَقَدْ * بَشَّرَ مَرْأَى الهِلالِ بِالعِيدِ

أما ابن الرومي فيشارك في الاحتفاء بالعيد في غير مناسبة.. منها تهنئته أحد ممدوحيه (التذكرة الحمدونية – ج 4 ص 171).. حيث يصوغ صورة جميلة يمدح فيها الصوم والفطر كليهما، ويجعل نسك الصوم وجود الفطر من خلق الممدوح.. يقول:

قَدْ مَضَى الصَّوْمُ صَاحِبًا مَحْمُودَا * وَأَتَى الفِطْرُ صَاحِبًا مَوْدُودَا

ذَهَبَ الصَّوْمُ وَهْوَ يَحْكِيكَ نُسْكًا * وَأَتَى الفِطْرُ وَهْوَ يَحْكِيكَ جُودَا

وأما كبير القوم المتنبي فيورد الثعالبي في يتيمة الدهر (ج 1 ص 273) تهنئته سيف الدولة بعيد الفطر بقصيدة يستهلها بأن يرد نور الصوم والفطر والأعياد وكل العصور، بل نور الشمس والقمر إلى سيف الدولة.. يقول:

الصَّوْمُ وَالْفِطْرُ وَالأَعْيَادُ وَالْعُصُرُ * مُنِيرَةٌ بِكَ حَتَّى الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ

والحق أن ارتباط المتنبي بالعيد يرجع في أصله إلى خريدته التي يخاطب فيها العيد نفسه معاتبًا، وواصفًا حاله الحزينة وغربته وبعده عن أحبابه حتى يتمنى ألا يأتي العيد.. وهي، وإن كانت قيلت في مناسبة عيد الأضحى، فإنها تبقى مناسبة لكل عيد، فقوتها إنما تنبع من وصف حاله التي لا تستطيع بهجة العيد إخراجه منها.. يقول (الديوان بشرح العُكبريّ ج 1 ص 283، 284):

عيدٌ.. بِأَيَّةِ حَالٍ عُدتَّ يَا عِيدُ * بِمَا مَضَى أَمْ لأَمْرٍ فِيكَ تَجْدِيدُ

أَمَّا الأَحِبَّةُ فَالبَيْدَاءُ دُونَهُمُ * فَلَيْتَ دُونَكَ بِيدًا دُونَهَا بِيدُ

ومن طريف كلام الشعراء العباسيين عن عيد الفطر ما يورده ابن ظافر الأزدي في غرائب التنبيهات على عجائب التشبيهات (ص 16) من شعر السريّ الرفاء الموصلي يستعيد فيها أيام الفطر بعد الصيام، ويتذكر سابقيه من المبدعين، ثم يصف معركة تخيلية بين جيوش الفطر وشهر الصيام:

ألا عُدْ لِي بِبَاطِيَةٍ وَكَاسِ * وَرُعْ هَمِّي بِإبْرِيقٍ وَطَاسِ

وَذَكِّرْنِي بِشِعْرِ أَبِي نُوَاسٍ * عَلَى رَوْضٍ كَشِعْرِ أَبِي فِرَاسِ

وَقَد سَلَّتْ جُيُوشُ الفِطْرِ فِيهِ * عَلَى شَهْرِ الصَّيَامِ سُيُوفَ بَاسِ

وَلاحَ لَنَا الهِلالُ كَشَطْرِ طَوْقٍ * عَلَى لَبَّاتِ زَرْقَاءِ اللِّبَاسِ

العصران الأندلسي والفاطمي:

واصل شعراء الأندلس والمغرب مسيرة نظرائهم في المشرق في الاحتفاء بالعيد.. فنجد ابن ظافر الأزدي في الغرائب أيضًا (ص 15) يورد لأبي عبد الله بن الحداد وصفًا رائعًا لهلال شوال وقد بدا كالعرجون في وسط السماء، وكأنه يؤذن برسمته الدقيقة بانقضاء رمضان:

وَبَدَا هِلالُ الفِطْرِ فِيهَا سَائِرًا * وَسطَ السَّمَاءِ كَأَنَّهُ العُرجُونُ

فَكَأنَّ (بَانَ الصَّوْمُ) خُطَّ بِجَوِّهِ * خَطًّا دَقِيقًا بَانَ مِنْهُ النُّونُ

وغير بعيد عن  هذا المعنى يورد الأزدي أبياتًا للشاعر الفاطمي ظافر الحداد يرحب فيها بهلال العيد الذي أعاد إليه حال اللهو والطرب بعد أيام الصيام.. ويشبهه حين يلوح في الأفق الغربي وقت الشفق بحرف النون المكتوب على لوح من الذهب.. يقول:

لَمَّا تَجَلَّى هِلالُ العِيدِ عَادَ بِمَا * قَدْ كُنتُ آنَسُ مِن لَهْوٍ وَمِن طَرَبِ

يَلُوحُ فِي الأُفُقِ الغَرْبِيِّ مِن شَفَقٍ * كَالنُّونِ خُطَّتْ عَلَى لَوْحٍ مِنَ الذَّهَبِ 

ويشارك الموصليّ أبو زكريا الضرير شعراء الأندلس والمغرب الاحتفاء بالعيد والتهنئة به (قلائد الجمان لابن الشعار – ج 7 ص 208)، حيث يمدح نور الدين أرسلان شاه صاحب الموصل بقصيدة فيها قوله:

تَهَنَّ بِعِيدِ الفِطْرِ مَا نَاحَ طَائِرٌ * عَلَى فَنَنٍ يَشْدُو بِطِيبِ التَّرَنُّمِ

وَلا زِلْتَ فِى عِزٍّ مُقِيمٍ وَنِعْمَةٍ * مَدَى الدَّهْرِ مَا لاحَتْ طَوَالِعُ أَنجُمِ

ولا يفوت ابن زيدون المشاركة في الاحتفال بالعيد؛ ففي مدحية للوليد بن جهور (ديوانه– ص 453 وما بعدها) يعدد صفاته الطيبة ويهنئه بالعيد الذي صار به سببًا في أن صفاء جو الليل والنهار وبشرى له بطول العمر.. يقول:

هَنِيئًا لَكَ العِيدُ الَّذِي بِكَ أَصْبَحَتْ * تَرُوقُ الضُّحَا مِنْهُ وَتَندَى الأَصَائِلُ

تَلَقَّاكَ بِالبُشْرَى وَحَيَّاكَ بِالْمُنَى * فَبْشْرَاكَ أَلْفٌ بَعْدَ عَامِكَ قَابِلُ

ويعبر المعتمد بن عباد الإشبيلي عن أحزانه وقت العيد، حيث تدخل بناته عليه وهو أسير في أغمات بالمغرب، فيتذكر ما كان وكنَّ فيه من رغد العيش.. يقول (انظر تاريخ الإسلام للذهبي – ج 33 ص 271):

فِيمَا مَضَى كُنتَ بِالأَعْيَادِ مَسْرُورا * فَسَاءَكَ العِيدُ فِي أَغْمَاتَ مَأْسُورا

تَرَى بَنَاتِكَ فِي الأَطْمَارِ جَائِعَةً * يَغْزِلْنَ لِلنَّاسِ لا يَمْلِكْنَ قِطْميرَا

بَرَزْنَ نَحْوَكَ لِلتَّسْلِيمِ خَاشِعَةً * أَبْصَارُهُنَّ حَسِيرَاتٍ مَكَاسِيرَا

مَن بَاتَ بَعدَكَ فِي مُلْكٍ يُسَرُّ بِهِ * فَإنَّمَا بَاتَ بِالأَحْلامِ مَسْرُورَا

ويورد المقري (أزهار الرياض في أخبار القاضي عياض – ج 3 ص 108) أبياتًا لابن السيد البطليوسي من قصيدة يصف فيها فرسًا للظافر عبد الرحمن بن عبيد الله بن ذي النون، منها بيت يشبه فيه غرته بهلال الفطر حين تجتهد الأعين لرؤيته وهو يلوح في الأفق.. يقول:

كَأَنَّ هِلالَ الفِطْرِ لاحَ بِوَجْهِهِ * فَأَعْيُنُنَا شَوْقًا إِلَيْهِ تَمِيلُ

العصور المتأخرة:

لم تختلف العصور المتأخرة في الحديث عن العيد عن سابقاتها.. فهذا ابن نباتة (ديوانه ص 186) يذكر العيد في غير موضع.. فهو يشبه هلاله في يد ممدوحه بتشبيهات غاية في الجمال فيقول:

كَأَنَّ شَكْلَ هِلالِ العِيدِ فِي يَدِهِ * قَوْسٌ عَلَى مُهَجِ الأَضْدَادِ مَوْتُورُ

أَوْ مِخْلَبٌ مَدَّهُ نَسْرُ السَّمَاءِ لَهُمْ * فَكُلُّ طَائِرِ قَلْبٍ مِنْهُ مَذْعُورُ

وفي موضع آخر يجعل ممدوحه نفسه عيدًا يأتي معه وبه العيد.. ويذكر له ما قام به من تفطير الصائمين من المسلمين وما يقوم به من طعن في أكباد الأعداء.. يقول:

العيدُ أنتَ وَهَذَا عِيدُنَا الثَّانِي * مَا لِلْهَنَا عَن قُلُوبِ الْخَلْقِ مِن ثَانِي

فَاهْنَأْ بِهِ وَبِأَلْفٍ مِثْلِهِ أُمَمًا * وَأَنتُمَا فِي بُرُوجِ السَّعْدِ إِلْفَانِ

مُفَطِّرًا فِيهِ أَكْبَادَ العِدَاةِ كَمَا * فَطَّرْتَ أَفْوَاهَ أَحْبَابٍ بِإِحْسَانِ

أما البهاء زهير فإنه ينهج نهج الشكوى في وقت العيد، حيث يتذكر بعد أحبته وقلة ما في يده مما يمكن أن يستقبل العيد.. يقول:

قَدْ أَتَى العِيدُ وَمَا عِن   *  دِي لَهُ مَا يَقْتَضِيهِ

غَابَ عَنْ عَيْنَيَّ فِيهِ * كُلُّ شَيْءٍ أَشْتَهِيهِ

لَيْتَ شِعْرِ كَيْفَ أَنتُم * أَيُّهَا الأَحْبَابُ فِيهِ

وكعادته في كل المناسبات والأحداث.. يدلي أمير الشعراء بدلوه في ذكر العيد عبر مدحية يربط فيها ممدوحه بالعيد على نهج السابقين، ولكنه هذه المرة يجعل العيد نفسه هو من يحتفي بالممدوح ويهلل ويكبر في ذراه ويزف إليه تهنئة الناس، بل إن العيد يتحول إلى منادٍ يبشر الناس بالخير والنعمة التي يقدمها هذا الممدوح الكريم.. يقول شوقي:

العِيدُ هَلَّلَ فِي ذُرَاكَ وَكَبَّرَا * وَسَعَى إِلَيْكَ يَزُفُّ تَهْنِئَةَ الْوَرَى

وَافَى بِعِزِّكَ يَا عَزِيزُ مُهَنِّئًا * بِدَوَامِ نِعْمَتِكَ العِبَادَ مُبَشِّرَا

نَظَمَ المُنَى لَكَ كَالقِلادَةِ بَعْدَمَا * نَشَرَ السُّعُودَ حِيَالَ عَرْشِكَ جَوْهَرَا

وختامًا لهذه الجولة بين رياض الشعر العربي المحتفية بعيد الفطر نورد أبياتًا رائعة للشاعر الأندلسي أبي إسحاق الإلبيري (ديوانه – ص 67) يبين فيها المعنى الحقيقي للعيد، ويحذر من الاغترار بالعمل ويحث على التواضع وحسن الخلق.. يقول:

مَا عِيدُك الفَخْمُ إِلا يَوْمَ يُغْفَرُ لَكْ * لا أَن تَجُرَّ بِهِ مُستَكبِرًا حُلَلَكْ

كَم مِن جَدِيدِ ثِيَابٍ دِينُهُ خَلَقٌ * تكَادُ تَلْعَنُهُ الأقْطَارُ حَيْثُ سَلَكْ

وَكَم مُرَقَّعِ أَطْمَارٍ جَدِيدِ تُقًى * بَكَتْ عَلَيْهِ السَّمَا وَالأَرْضُ حِينَ هَلَكْ

اقرأ أيضًا:

النُّورُ فِي لَيْلِ الْحَيَاةِ... ليلة القدر في عصور الشعر العربي 

بدر عليه ظلة من غمام... جولة رمضانية في حدائق الشعر العربي



الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة