حوار مع بروفيسور في جامعة «غرناطة»:

انصحوا المبهورين بحضارة الغرب أن يعيدوا النظر فيها!

المكان: كلية الطب -جامعة غرناطة- قاعة المحاضرات.

الزمان: أول مارس 1974.

أجرى أحد أصدقاء «المجتمع» في إسبانيا الأستاذ «رامز الأتاسي» مناقشة اتسمت بالطرافة والعمق مع «بروفسور» بارز في جامعة «غرناطة» حول قضية هامة وهي: محاولة الذوبان في حضارة مفلسة في ناحية القيم والنقاء الإنساني من قبل أناس كثيرين في العالم الإسلامي بَهَرَهم التفوق المادي للحضارة الغربية فظنوا أن هذا التفوق يعني -بالضرورة- تفوُّقًا في القيم، وسُمُو المسلك ونُبل الاهتمام، فراحوا يُقَلِّدون ويحاكون، صحيح (إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ) (ق: 37)، أما بالمفهوم الكَنسي فمرفوض لأن الكنيسة تفصل بين القلب والعقل تفاديًا من مناقشة العقل لأساطيرها وأوهامها.

د. دون لويس روخاس بايسترو، أستاذ كرسي علم النفس في كلية الطب، وأحد كبار العلماء الإسبان المشهورين في ميدان المعالجة للأمراض النفسية في معرض حديثه عن كتاب جديد أصدره أحد الكتاب الإسبان النفسانيين، ذكر د. لويس وَضْع المتعلمين الإسبان بالنسبة للتأليف والإنتاج فقال: إن الوضع أقل مما يجب أن تكون عليه بلد كإسبانيا، وأثناء مناقشته لنفسية الإسبان وشعورهم بالنقص تجاه الأوروبيين الآخرين قال: إن الإسباني يثق بكل ما يأتيه من خارج بلده، حتى أن أحد المؤرخين الإسبان «ويعيش في فرنسا» علَّل تأخُّر إسبانيا بطرد «اليسوعيين» من إسبانيا، وقال هذا المؤرخ إن في إسبانيا وجهين: وجهًا له مكانة عالية وهو ما قبل القرن التاسع عشر، ووجهًا ما بعده، وسبب مكانة إسبانيا قبل القرن التاسع عشر هو وجود العرب «ويقصد بهم المسلمون؛ لأن الإسباني عندما يقول عربي يقصد مسلمًا، وعندما يقول مسلم يعني العربي».

ثم تعرض للفساد الذي عليه المدنية الحديثة فقال: إن الإنسان الآن لا يفكر في مصيره إلا بعد أن يبلغ الخامسة والأربعين، عندها يسأل نفسه: من أنا، ولم أتيت، ولِمَ أموت؟

وقال: أنا بعد دراستي وتجاربي اعتقدت أن «فرويد» خلال حياته كلها لم يفحص أكثر من مائة مريض؛ ولذلك فإن نظرياته فيها خطأ كبير نظرًا لقصر دراسته ومعالجته النظرية.

ولمَّا وجدنا عنده نزعة للبحث عن الحقيقة، وعلامة الصراحة في القول سألته:

  • أستاذ: هل بإمكان الإنسان الوصول إلى الحقيقة بنفسه؟

- أجابني بسرعة لا، لا يمكنه.

  • لا بد أن يتلقاها من غيره إذًا؟

- أجاب: إن العقل البشري عجز عن كشف الحقائق المجردة، واستطاعته محدودة بالظواهر، أما مجال الحقيقة ومكانها فهو «القلب»(1)، وإن الإنسان لا يمكنه الوصول إلى درجة النضج الكامل إلا إذا استخدم قلبه مع عقله، وأشار إلى صدري إلى حيث القلب، ثم سألني: هل أنت عربي؟

  • قلت: نعم.

- أجاب، إنني أقرب بقلبي وروحانيتي إلى حوض البحر الأبيض المتوسط «يقصد البلاد العربية» مني إلى أوروبا، ومثلًا هولندا.

فقال له صديقي سعيد:

  • لماذا تشعر بهذا الفرق والقرب؟ هل سببه الروح والروحانية، والهوى نحو الميل الفطري مثلًا؟

- أجاب: احذروا يا عرب، يا مسلمون أن تخلطوا تصوراتكم بالتصورات الأوروبية، أنتم أهل حضارة عريقة، وهي وإن كانت لم تصل من الناحية المادية إلى مستوى حضارة البلدان الغربية، إلا أن لها مقومات لا تملكها حضارة بلداننا الأوروبية، ولذلك فإنني أشعر بالقرب منكم، إن الإنسان اليوم حاول أن يُؤَلِّه نفسه، بواسطة العلم والعقل، ولكنه وجدها أحقر وأقل مما كان يعتقد؛ فلا تتخلُّوا عن نزعاتكم المكتسبة من تصوراتكم الإسلامية، ولا تتطلعوا إلى الحضارة الغربية تطلُّع المُمَجِّد لها، المُعَظِّم لشأنها؛ إنها ستُبلى([^2]).

للمزيد: 

- إثيوبيا تسعى لفصل جزء جديد من الصومال في الجنوب الغربي

- السقوط المدبَّر.. هندسة التفتيت من التقسيم إلى خرائط الدم.

- كيف تُدار «حروب الوكالة» لتدمير سيادة الدول العربية؟

- مشاريع التفتيت.. قراءة مقاصدية في واقع العالم العربي. 

أرض الصومال على وشك السقوط في المستنقع الصهيوني!   

- تفتيت الدول العربية والإسلامية.. من سايكس- بيكو.. إلى أمريكا- بيكو!

الهوامش
  • 1 تعبير «القلب» بالمفهوم القرآني.
  • 2 نُشر بالعدد (194)، 9 ربيع أول 1394هـ/ 2 أبريل 1974م، ص15.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة