الإسراء والمعراج...دروس وعبر

د. أحمد ناجي

16 يناير 2026

98

لقد ثبتت رحلة الإسراء بقوله تعالى: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الإسراء:1)، أما المعراج فقد ثبت بقوله تعالى: (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى. عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى. عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى. إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى. مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى. لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى) (النجم الآية:13-18).

وكانت ‌رحلة ‌الإسراء في أخريات العهد المكي بعد أَن قاسى النبي صلى الله عليه وسلم من قريش ومن حولهم من العنت والإيذاء، والإعراض والكبرياء ما يهدم الأجساد، ويحطم القوى، فلهذا أكرم الله نبيه صلى الله عليه وسلم برحلة الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وبرحلة المعراج من بيت المقدس إلى ما وراء سدرة المنتهى؛ ليُفرج عنه ما أصابه، ويسبغ عليه أسمى نعمه ورحمته، ويكشف له عن بعض آياته، ترفيها له -صلى الله عليه وسلم- ومكافأة على ما ناله من أذى قومه، وشحذًا لهمته في المرحلة المقبلة للدعوة، فقد كان الإسراء والمعراج به صلى الله عليه وسلم بعد وفاة عمه أبي طالب وزوجه خديجة رضي الله عنها، حيث اشتد إيذاءُ قريش له بعد وفاتهما.

 كيف حدث الإسراء؟

جاء حديث قصة الإسراء في جميع كتب السُنَّة، وعدَّ الإمام القسطلاني في المواهب اللدنِّيَّة ستَّة وعشرين صحابيًّا وصحابيَّة رَوَوْا حديث الإسراء والمعراج، لذا فهو حديث متواتر مع نصِّ القرآن عليه في سورتي الإسراء والنجم، ومن ذلك ما روي في صحيح مسلم عن أنس بن مالك أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم قال: "أتيت بالبراق - وهو دابة أبيض طويل فوق الحمار ودون البغل يضع حافره عند منتهى طرفه - قال فركبته حتى أتيت بيت المقدس - قال - فربطته بالحلقة التي يربط به الأنبياء - قال - ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين ثم خرجت فجاءني جبريل - عليه السلام - بإناء من خمر وإناء من لبن فاخترت اللبن فقال جبريل اخترت الفطرة، ثم عرج بنا إلى السماء فاستفتح جبريل فقيل من أنت قال جبريل، قيل ومن معك قال محمد، قيل وقد بعث إليه قال قد بعث إليه، ففتح لنا فإذا أنا بآدم فرحب بي ودعا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء الثانية فاستفتح جبريل عليه السلام، فقيل من أنت قال جبريل، قيل ومن معك قال محمد، قيل وقد بعث إليه قال قد بعث إليه، ففتح لنا فإذا أنا بابني الخالة عيسى ابن مريم ويحيى بن زكريا صلوات الله عليهما فرحبا ودعوا لي بخير، ثم عرج بي إلى السماء الثالثة فاستفتح جبريل، فقيل من أنت قال جبريل، قيل ومن معك قال محمد، قيل وقد بعث إليه قال قد بعث إليه، ففتح لنا فإذا أنا بيوسف إذا هو قد أعطى شطر الحسن فرحب ودعا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء الرابعة فاستفتح جبريل قيل من هذا قال جبريل، قيل ومن معك قال محمد، قال وقد بعث إليه قال قد بعث إليه، ففتح لنا فإذا أنا بإدريس فرحب ودعا لي بخير قال الله عز وجل (ورفعناه مكانا عليا) ثم عرج بنا إلى السماء الخامسة فاستفتح جبريل، قيل من هذا قال جبريل، قيل ومن معك قال محمد، قيل وقد بعث إليه قال قد بعث إليه. ففتح لنا فإذا أنا بهارون فرحب ودعا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء السادسة فاستفتح جبريل عليه السلام، قيل من هذا قال جبريل، قيل ومن معك قال محمد، قيل وقد بعث إليه قال قد بعث إليه، ففتح لنا فإذا أنا بموسى فرحب ودعا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء السابعة فاستفتح جبريل فقيل من هذا قال جبريل، قيل ومن معك قال محمد، قيل وقد بعث إليه قال قد بعث إليه، ففتح لنا فإذا أنا بإبراهيم مسندا ظهره إلى البيت المعمور وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه ثم ذهب بي إلى السدرة المنتهى وإذا ورقها كآذان الفيلة وإذا ثمرها كالقلال - قال - فلما غشيها من أمر الله ما غشى تغيرت فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها، فأوحى الله إلى ما أوحى ففرض على خمسين صلاة في كل يوم وليلة فنزلت إلى موسى فقال ما فرض ربك على أمتك قلت خمسين صلاة، قال ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف فإن أمتك لا يطيقون ذلك فإني قد بلوت بنى إسرائيل وخبرتهم، قال فرجعت إلى ربى فقلت يا رب خفف على أمتى، فحط عنى خمسا فرجعت إلى موسى فقلت حط عنى خمسا، قال إن أمتك لا يطيقون ذلك فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، - قال - فلم أزل أرجع بين ربى تبارك وتعالى وبين موسى حتى قال يا محمد إنهن خمس صلوات كل يوم وليلة لكل صلاة عشر فذلك خمسون صلاة، ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة فإن عملها كتبت له عشرا ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب شيئا فإن عملها كتبت سيئة واحدة - قال - فنزلت حتى انتهيت إلى موسى فأخبرته فقال ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت قد رجعت إلى ربى حتى استحييت منه ".صحيح مسلم - (162).

الإسراء دروس وعبر

من أهم الدروس والعبر المستفادة من رحلة الإسراء والمعراج:  

مكانة المسجد الأقصى في الإسلام: فللمسجد الأقصى قدسية كبيرة عند المسلمين ارتبطت بعقيدتهم منذ بداية الدعوة، فهو يعتبر قبلة الأنبياء جميعاً قبل النبي صلى الله عليه وسلم وهو القبلة الأولى التي صلى إليها النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يتم تغير القبلة إلى مكة، وقد توثقت علاقة الإسلام بالمسجد الأقصى ليلة الإسراء والمعراج حيث أسرى بالنبي صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى وفيه صلى النبي إماما بالأنبياء ومنه عرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء.  

الإسلام دين الفطرة: ظهر ذلك في اختيار النبي صلى الله عليه وسلم اللبن على الخمر، وبشارة جبريل عليه السلام للنبي صلى الله عليه وسلم بقوله: هُدِيت إلى الفطرة، ففي ذلك دلالة على أن الإسلام هو الدين الذي يلبي نوازع الفطرة في توازن بين الروح والجسد، والمصالح والمفاسد، والدنيا والآخرة.

علو منزلة الصلاة في الإسلام: وذلك أن الصلاة هي الفريضة الوحيدة التي فرضت ليلة الإسراء والمعراج في السماء السابعة وبدون واسطة، فالصلاة هي معراج المسلم إلى ربه سبحانه وتعالى.

شجاعة النبي صلى الله عليه وسلم: ظهر ذلك في مواجهته صلى الله عليه وسلم للمشركين بأمر تنكره عقولهم، فلم يمنعه من الجهر به، الخوف من مواجهتهم واستهزائهم، فضرب بذلك صلى الله عليه وسلم لأمته أروع الأمثلة في وقوف الحق أمام الباطل وأهله، وإن كان هذا الحق غريبا عليهم.   

 للمزيد: 

- رحمة النبي بأمته.. أعظم صور الحنان والرأفة في الإسلام.

- العلاقة الوطيدة بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى.

- الإسراء والمعراج بين العقل والإيمان.

- رحلة ما وراء المادة.. أسرار الإعجاز البياني في «آية الإسراء».

- أبيات عن الإسراء والمعراج... من قصيدة البردة للإمام البوصيري. 

 

 

 

الرابط المختصر :

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة