الوجه الآخر من الحضارة الغربية

ما تزال أمريكا كمركز متقدم للحضارة الغربية تتحفنا بكل ما تفرزه هذه الحضارة من اكتشافات باهرة في مجال العلوم وظواهر منحطة في مجال الاجتماع والعلاقات الإنسانية، وهذا شيء طبيعي لأنها حضارة مادية لا تعرف من الإنسان إلا جانبه الحيواني، فهناك التمييز على أساس اللون كأبشع ما يكون وهناك التحلل الخلقي والإباحية الجنسية والعري إلخ، وأخيرًا لجوء المراهقين إلى احتراف الدعارة لكسب العيش، وانتشار هذه الظاهرة في أنحاء الولايات المتحدة لدرجة أن سلطات البوليس بدأت منذ فترة تحتفظ بإحصائيات وأرشيف خاص وبدأ المسئولون عن الشئون الاجتماعية وعلماء النفس يكتبون دراسات حتى أخذت طريقها إلى الصحافة.

ومن العجيب أنه في هذه البلاد التي بلغت فيها حرية العلاقات الجنسية درجة كبيرة توجد الآن عصابات لتجارة الرقيق الأبيض للفتيات في سن المراهقة أي بين 15 – 19 سنة.

ففي بداية الربيع الماضي وصلت إلى مدينة نيويورك مراهقتان من ولاية كانساس ومعهما شابان في سن المراهقة أيضًا والجميع هاربون من منازلهم، وهدف الأربعة كان البحث عن مأوى ثم مشاهدة المدينة والرجوع إلى ذويهم، ولكن عندما وصلوا إلى ميدان التايمز اقترب منهم شابان ودعوهما إلى حفلة في إحدى العمارات القريبة، وعندما وصلوا إلى مكان الحفلة قدم أحد الرجال الحاضرين 100 دولار للشابين وطلبوا منهما الانصراف وترك الفتاتين وعندما رفضا ذلك طردوهما بالقوة، فتوجه المراهقان إلى أقرب مركز للبوليس، وعندما وصل رجال الشرطة إلى المكان وجدوا أن الفتاتين قد تم اغتصابهما وتعذيبهما تمهيدًا لدخولهما حياة الدعارة!!

واكتشف أن هذه الشقة الفاخرة جزء من سلسلة كبيرة تديرها منظمة للتجارة في الرقيق الأبيض من المراهقات فقط.

وتقول المجلة التي أوردت هذا التحقيق أن هذه الحادثة تعكس تطورًا خطيرًا في ثقافتنا وسواء رضينا أم لم نرض فإن عدد المراهقات الهاربات من منازلهن واحترفن هذه المهنة قد بلغ 600،000 مراهقة، والأمريكيون مغرمون بالإحصائيات عن أي شيء ولذلك جاء في تقرير حديث أنه في مدينة نيويورك وحدها زادت نسبة الموقوفات من أجل الدعارة من الفتيات من 24 % إلى 74 % في العشر سنوات الماضية، حتى أنه أصبح من المناظر المألوفة لركاب القطارات والباصات الذاهبين إلى أعمالهم أن يجدوا في المحطات وجوهًا صغيرة غضة تستقبلهم في الصباح الباكر وتعرض عليهم الفاحشة !!

تفسيرات!

فماذا يدفع الفتيات في هذه السن البريئة إلى احتراف هذه المهنة القذرة؟ تضاربت الأقوال في تفسير هذه الدوافع وإن كان بعضها لمس جانبًا من الحقيقة إلا أنهم جميعًا قد فاتهم السبب الرئيسي، فمثلًا بعض النظريات تقول إنهن ينحرفن لفترة ليجمعن بعض المال لمشاهدة أوروبا!

وإن كانت تبدو من لهجة هذا التبرير محاولة التخفيف والاعتذار، ولكن عذر أقبح من الذنب وحتى لو صح ذلك فإنه لا ينطبق إلا على نسبة قليلة من 600 ألف عاهرة صغيرة.

ولكن قبل أن نناقش التبريرات والنظريات الأكثر جدية يجب أن نعرف المزيد من المعلومات عن هذه الظاهرة.

فرئيس بوليس الآداب في مدينة بوسطن يقول إن موجة الهاربات من المناطق الريفية إلى المدينة تسببت في خفض متوسط أعمار الساقطات في بوسطن إلى 20 سنة.

أما في ميامي فقد أصبح متوسط أعمار العاهرات 18 سنة بينما كان 22 سنة قبل ثلاث سنوات.

وفي مدينة شيكاغو اكتشف البوليس بأن إحدى «الوسيطات» تدير بيتًا للدعارة كل العاملات فيه من المراهقات وجدت نفسها مضطرة إلى أن تطبع كتيبًا توجيهيًا للمراهقات اللاتي يعملن في بيتها يتعلمن به كيفية معاملة الزبائن لأن غالبيتهم في سن آبائهن وحتى يمكن أن تتغلب على الفجوة الزمنية بين الجانبين.

دور المخدرات

ويتساءل المحرر عن دور المخدرات في دفع المراهقات إلى هذا الطريق ويقول إن هناك اختلافًا في الرأي بين دارسي هذه الظاهرة حول مدى تأثير استعمال المخدرات على المراهقات.

ويعلق أحد الخبراء الاجتماعيين الذين لهم خبرة طويلة في هذا الميدان بأنه مهما كان الاختلاف في الرأي فإن التجربة أثبتت سواء عاجلًا أم آجلًا أن كثيرًا منهن قد أدمن المخدرات.

ويقول الدكتور باري رامر مدير دائرة الصحة في سان فرانسیسكو أن الإحصائيات التي لديه تدل على أنه من بين الـ 500 فتاة تحت سن 23 اللاتي يعالجن من الإدمان وجد أن جميعهن تقريبًا من محترفات الدعارة المراهقات.

في غيبة قوافل هدي الإسلام طواحين المشكلات الاجتماعية تسحق الإنسان

ويقول أستاذ الاجتماع في جامعة نيويورك وهو البروفسور تشارلز وينيك في كتابه الذي ألفه عن الدعارة أن غالبية الفتيات في هذه السن لسن من المدمنات الخطيرات، حتى يحترفن الدعارة للحصول على المال لشراء المخدرات، ولكن غالبيتهن لديهن مشاعر متضاربة عن الإحساس بالذات والرغبة في إحراج آبائهن، ومن خلال الدعارة يكتسب الكثير منهن ما يسميه علماء النفس بالشخصية السلبية.

نتيجة طبيعية للانحراف الحضاري

وفي خضم الاختلاف حول المبررات والأسباب يضرب البعض على وتر حساس إذ يقولون إن الرواج الواضح مؤخرًا في احتراف المراهقات للدعارة هو نتيجة متوقعة وطبيعية للانحلال والإباحية التي غزت المجتمع وقلبت قيمه رأسًا على عقب.

أما الباحثة الاجتماعية "ريني فوهلر" من مركز الأبحاث في سان فرانسیسكو فلها رأي آخر كونته من اتصالها المباشر بالفتيات موضوع البحث «إن مجتمعنا وصل إلى مرحلة لم يعد الجنس فيها من أجل الحب أو لأداء الوظيفة الطبيعية في التكاثر، ولكنه أصبح للتسلية فقط، وهذا من شأنه أن يزيد من اللقاءات الجنسية والبحث عنها ما دام الجنس للتسلية والمتعة، ولكن كثرة الجنس تجعله بدون معنى، فماذا يعطي الجنس معنى سوى الربح والكسب بعد أن فقد الجنس واحدًا من أهم مقومات وجوده وهو الرغبة الإنسانية في التكاثر».

وعلى الرغم من أن بعض الآراء اقترب من حقيقة المبررات والدوافع وراء هذه الظاهرة إلا أنها -كما قلت في البداية- لم تمس جوهر القضية وهو لماذا تركت المراهقات الداعرات منازلهن؟ لماذا هربن؟ فلو لم يهربن لما احترفن هذه المهنة الغريبة على هذه السن الأمر الذي يجعل الحضارة الأمريكية الأولى في التاريخ المعروف التي تحترف فيها فتيات في سن السابعة عشرة والثامنة عشرة البغاء.

تفكك الأسرة

السبب في هروبهن من المنازل هو فشل طريقة الحياة الأمريكية في الحفاظ على الأسرة، فالعلاقات الأسرية المفككة وافتقاد المنزل للسلطة الآمرة فالمرأة الأمريكية رأسها برأس الرجل، والأب في طريق والأم في طريق فماذا تفعل فتاة في هذه السن وهي في حاجة إلى التوجيه والعناية.

ثم هناك عامل آخر وهو أن هؤلاء الفتيات يعشن في مجتمع وصل ذروة الإباحية كما شهدت بذلك الباحثة الاجتماعية ريني فوهلر والدعاية للجنس تحيط بهن من كل جانب في التليفزيون والسينما وفي الشارع، إلخ، فأين الخلاص؟!!

وعلاج منحرف!

والذي يدعو للغرابة بعد ذلك هو الطريقة التي تتبعها السلطات لمحاربة هذا النوع الجديد من البغاء، فكل من تضبطها دوريات البوليس تتسكع بطريقة منتظمة عند مكان معين يقبض عليها، وحتى الآن فالأمر عادي، بل ومعقول، ولكن بدلًا من أن ترسل إلى ذويها أو توضع في إصلاحية حيث يجري تأهيلها ثم توظيفها في عمل شريف كما هو متوقع، إذا بالعقوبة لا تزيد عن 10 أو 15 دولارًا وهي بالطبع غرامة تافهة إذا قورنت بدخل الواحدة منهن الذي قد يصل إلى 200 دولار في الليلة!

بعد رحلة طويلة متعبة مارسوا فيها أقصى درجات التفلت من الدين وقيمه عاد الأمريكيون -بمشاعر أسيفة وخجلى- يبحثون عن ملاذ روحي يلوذون به وري ديني يبللون به جفاف أفئدتهم، ويروون القحط النفسي الذي أضناهم طويلًا.

مشكلة انحراف 600 ألف مراهقة أمريكية + عجز عن تفسير الظاهرة + عقم في إيجاد الحلول

وتحت ضغط الحاجة يتعلق الإنسان بأي شيء يرى فيه الإنقاذ، قد يقصر هذا الشيء عن تلبية الحاجة، وقد يكون نقلة لا تزيد عن شبر واحد!! ولكن المحاولة تعبر -على أية حال-عن حاجة ملحة إلى الملاذ والإنقاذ، وهذا ما يفعله سكان بلدة «بافلو» الأمريكية.

ففي هذه البلدة تجري تجربة جديدة في مزرعة صغيرة تمثل هذه المحاولة الهادئة وسط ضجيج الحضارة الأمريكية وصخبها.

وفيما يلي ينقل «قسم الترجمة» بالمجتمع هذه التجربة الجديدة المعبرة:

يجتمع سكان المزرعة حول النار الموقدة في الهواء الطلق ويمارسون بإحساسهم بعض الحركات والاهتزازات التي تشبه الطقوس الدينية ويملؤون أرجاء المكان بأناشيد وأغان روحانية متسامية، وهذه الحركات والأناشيد التي يمارسونها تلقائيًا وبدون سابق إعداد إنما هي تعبير عن الرغبة في الخروج والابتعاد عن ذلك الإطار الذي وضعتهم فيه الحضارة الأمريكية، والحاجة الملحة في التسامي على كل ما أغرقتهم فيه تلك الحضارة من قيم وأفكار وعادات عمقت كل ما هو حيواني في الإنسان وطمست كل ما ينمي روحه ويهذبه ويتعالى بها.

ومن أجل ذلك وجدت هذه المزرعة حتى أثبتت جدوى التجربة فانتشرت في أنحاء الولايات المتحدة وبالذات في المناطق الريفية حيث يهرع إليها آلاف الشباب بحثًا عن البساطة والنقاء.

ولكن ما هو الجديد في هذه المزرعة والذي يجعلها مثل المغناطيس تجذب إليها هذه القلوب التي لم تتلوث بعد؟

فالحياة في هذه المزارع تسير على طريق «الكوميون» والمعيشة فيها مشتركة في مجموعات كبيرة بحيث يمكن أن يعيش ثمانون أو مائة شخص كعائلة واحدة حتى يتعودوا على معان وقيم تتحدى كل ما غرسه المجتمع الغريب فيهم من أنانية وجشع.

وقد أرسلت مجلة «لوك» الأمريكية التي ننقل عنها هذا التحقيق محررًا ليعيش هذه التجربة وكأنه واحد من هؤلاء الذين واتتهم الشجاعة لأن يرفضوا طريقة الحياة الغربية ويروي هذا المحرر بالإضافة إلى ملاحظاته السابقة انطباعاته عن أعضاء هذه المزارع، فهم كغيرهم من الشباب الأمريكي يرتدون السراويل الضيقة ويطلقون لحاهم وشعورهم ولكن اهتماماتهم لم تتركز على مجرد الرفض السلبي للنظام بل اختاروا الطريق الصعب وذلك بإقامة نموذج حي لطريقة الحياة التي يأملون فيها، وكدليل على اختلافهم وجديتهم يتحدث الكاتب عن بعض لقاءاته مع أفراد منهم فأحدهم يقف على رأس مائدة الطعام الجماعية ليروي صلاة يطلب فيها من الله أن يبارك في طعامهم ويشكره في نفس الوقت على أن منحهم إياه، ويقول «وإننا أيضًا نشكرك على كل ما أسبغت علينا من نعم طوال يومنا هذا».

وهذا أمر غريب عندما يقوم به واحد من جيل الروك أندرول وفي نهاية العشاء يقف واحد منهم ليلقي محاضرة عنوانها «كيف تكون روحانيًا على العشاء».

وإن كانت معاني الكسل والتواكل تقترن عادة بكلمة «کومیون» أو مزرعة جماعية إلا أنها على النقيض من ذلك في هذا النموذج لأن أساس الانضمام إلى هذه المزارع جاء طواعية وبدون قسر أو إجبار بالإضافة إلى أنه وليد إحساس بالغربة عن العالم والمجتمع الخارجي وليس وليد الحاجة المادية، فأول شيء يفعله القادم الجديد هو أن يفرغ كل ما في حقيبته من أشياء وكل ما في جيبه من نقود ثم بعد ذلك عليه أن يعمل داخل المزرعة في أي شيء يقتضيه وإن كان لا يتقن أي عمل زراعي فعليه أن يتعلم، والحياة تبدأ مبكرًا في الصباح، وعلى الرغم من أن غالبيتهم لم يألف الاستيقاظ المبكر إلا أنهم تعودوا ذلك.

بعد رحلة موحشة في البعد عن الله.. محاولة جديدة للقرب منه

ومن المشكلات التي تواجه هذه المزارع هو استغراب جيرانهم فالفلاح في أي مكان من العالم رجل محافظ يكره التغيير لأن حياته تسير على وتيرة واحدة، سنة بعد أخرى فدورات الزراعة معروفة أوقاتها من السنة ومواسم الري كذلك محددة والحصاد له أيضًا وقت معين، وبالجملة فإن فكرة التغيير لا يقبلها الفلاح بسهولة.

وفوق ذلك كله يتميز الفلاح الأمريكي بالفردية والاعتماد المفرط على نفسه، فإذا به يجد في جيرته مزرعة تدار على أساس جماعي الكل يعمل سويًا وليس لأمر ملكية تذكر سوى الأشياء الخاصة به كفرد.

وحينما سأل المحرر أحد الجيران عن رأيه قال: «إن هذه المستعمرات تمثل تحديًا، بل وسخرية من طريقة الحياة التي عرفناها وعرفتها أمريكا»

ولكن المسئول عن المزرعة له رأي آخر « إننا على إدراك تام بعقلية جيراننا ولكن مسلكنا لا يثير علينا حفيظة الفلاحين الجادين، فإننا حذرون جدًا لنواح معينة في تصرفات وسلوك الراغبين في الانضمام فمثلًا ممنوع تمامًا تدخين الماريجوانا أو تعاطي أي نوع من المخدرات أو الخمور، بالإضافة إلى أننا نعمل مثل جيراننا وربما أكثر منهم وهذا شيء يلمس وترًا حساسًا في نفسية الفلاح الأمريكي لأنه يقدر العمل والجهد إلى حد كبير، ولذلك فإن كثيرًا مما نقوم به في مزرعتنا لا يعارضه أي إنسان جاد ومستقيم فنحن نبني منازلنا بأيدينا وهذا شيء جميل ونحن نربي أطفالنا وهذا شيء جميل ونحن نصلي ونبتهل إلى الله أن ينقذنا وينقذ أمريكا والعالم وهذا أيضًا شيء جميل» .

ولكن كيف بدأت هذه الفكرة وكيف نفذت؟

بدأت مزرعة بافلو في صيف عام 1967 وأصحاب الفكرة كانوا جماعة من الهيبيز ثابوا إلى رشدهم فوجدوا أنهم لم ينجزوا شيئًا إيجابيًا يعبر عن رفضهم للمجتمع لأن ارتداء الملابس الشاذة وإسدال الشعور وتعاطي المخدرات لا يعني شيئًا ولم يوجد نموذج بديل يعطي لأمريكا صورة مجسمة عن نوع الحياة والعلاقات الاجتماعية التي يريدونها.

ولذلك كانت فكرة هذه المزرعة فأسست على شرط أن تكون مؤسسة غير قائمة على الربح وكان المحول الأول لها أحد الهيبيين الأثرياء وقد دفع 50،000 دولار ثم غادرها عندما أخذت أسرة المزرعة تخطو إلى الأمام بنجاح.

وقد أنفق هذا المال -بالإضافة إلى مساهمة باقي أعضاء المؤسسة– بطريقة حكيمة فاشتروا تراکتورات وسيارات نقل وبذورًا وأطعمة وذلك بالإضافة إلى العمل الجاد والمرهق من السادسة صباحًا حتى قرب غروب الشمس([^1]).  

للمزيد: 

- إثيوبيا تسعى لفصل جزء جديد من الصومال في الجنوب الغربي

- السقوط المدبَّر.. هندسة التفتيت من التقسيم إلى خرائط الدم.

- كيف تُدار «حروب الوكالة» لتدمير سيادة الدول العربية؟

- مشاريع التفتيت.. قراءة مقاصدية في واقع العالم العربي. 

أرض الصومال على وشك السقوط في المستنقع الصهيوني!   

- تفتيت الدول العربية والإسلامية.. من سايكس- بيكو.. إلى أمريكا- بيكو!


الهوامش
  • 1 نُشر بالعدد (68)، 20 جمادى الأولى 1391هـ/ 13 يوليو 1971م، ص22.
الرابط المختصر :

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة