من وصايا الرسول ﷺ في الحروب (7)
النهي عن قتل غير المقاتلين
حين تشتعل نيران
الحروب وتسري الدماء في الميادين، تبرز الحاجة إلى صوت الحكمة في اقتصار القتال
على المقاتلين، فالنصر الحقيقي لا يتحقق بقتل النساء والأبناء والضعفاء، فهؤلاء
ليسوا محلاً للقتال، فلا يجوز أن يصبحوا ثمناً له.
إنها الأخلاق
الحربية في الإسلام التي تؤكد أن الخصومة والقتال لا يدخل فيها من هم خارج دائرة
الصراع، ففي صحيح مسلم عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ:
«كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا
عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ، أَوْصَاهُ.. وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا..»، وفي
رواية الطبراني: «وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا، وَلَا امْرَأَةً، وَلَا شَيْخًا
كَبِيرًا».
وعند البيهقي
عَنْ خَالِدِ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: خَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُشَيِّعًا لِأَهْلِ مُؤْتَةَ حَتَّى بَلَغَ ثَنِيَّةَ
الْوَدَاعِ، فَوَقَفَ وَوَقَفُوا حَوْلَهُ، فَقَالَ: «اغْزُوا بِاسْمِ اللهِ
فَقَاتِلُوا عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ بِالشَّامِ، وَسَتَجِدُونَ فِيهِمْ رِجَالًا
فِي الصَّوَامِعِ مُعْتَزِلِينَ مِنَ النَّاسِ فَلَا تَعَرَّضُوا لَهُمْ، وَلَا
تَقْتُلُوا امْرَأَةً، وَلَا صَغِيرًا ضَرَعًا، وَلَا كَبِيرًا فَانِيًا»، وفي
مسند أبي يعلى بسند صحيح عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا تَقْتُلُوا أَصْحَابَ الصَّوَامِعِ».
وقد نهى النبي
صلى الله عليه وسلم كل مقاتل في سبيل الله أن يقاتل الذين لا يشتركون في القتال،
وهم الأطفال والنساء وكبار السن والعباد المنعزلون في أماكن عبادتهم والعمال
والأجراء الذين لا علاقة لهم بالقتال.
لماذا نهى الإسلام عن قتل غير المقاتلين؟
في مسند أحمد
بسند صحيح عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ امْرَأَةً مَقْتُولَةً،
فَأَنْكَرَ ذَلِكَ وَنَهَى عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ»، وفي سنن
أبي داود بسند صححه الألباني عن رَبَاحِ بْنِ رَبِيعٍ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ
اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةٍ فَرَأَى النَّاسَ
مُجْتَمِعِينَ عَلَى شَيْءٍ فَبَعَثَ رَجُلًا، فَقَالَ: «انْظُرْ عَلَامَ
اجْتَمَعَ هَؤُلَاءِ؟» فَجَاءَ فَقَالَ: عَلَى امْرَأَةٍ قَتِيلٍ، فَقَالَ: «مَا
كَانَتْ هَذِهِ لِتُقَاتِلَ» قَالَ: وَعَلَى الْمُقَدِّمَةِ خَالِدُ بْنُ
الْوَلِيدِ فَبَعَثَ رَجُلًا، فَقَالَ: «قُلْ لِخَالِدٍ لَا يَقْتُلَنَّ امْرَأَةً
وَلَا عَسِيفًا»؛ يعني أجيراً.
وكان من وصايا
أبي بكر الصديق رضي الله عنه ليزيد حين أرسله قائداً على الجيش أن قال له:
وَسَتَجِدُونَ أَقْوَامًا حَبَسُوا أَنْفُسَهُمْ فِي الصَّوَامِعِ فَدَعْهُمْ
وَمَا حَبَسُوا أَنْفُسَهُمْ لَه. (الكامل في التاريخ، 2/ 250).
والسر في النهي
عن قتل الولدان والنساء والشيوخ أن هؤلاء هم رمز البراءة والضعف عن مباشرة القتال؛
لذا لا يجوز الاعتداء عليهم، فالقتال موجه إلى الذين يحملون السلاح أو يباشرون
القتال.
قال د. مصطفى
السباعي: لا شك في أن النهي عن قتل الضعفاء، أو الذين لم يشاركوا في القتال،
كالرهبان، والنساء، والشيوخ، والأطفال، أو الذين أجبروا على القتال،
كالفلاحين، والأجراء (العمال) شيء تفرد به الإسلام في تاريخ الحروب في العالم، فما
عهد قبل الإسلام ولا بعده حتى اليوم مثل هذا التشريع الفريد المليء بالرحمة والإنسانية.
فلقد كان من
المعهود والمسلَّم به عند جميع الشعوب أن الحروب تبيح للأمة المحاربة قتل جميع
فئات الشعب من أعدائها المحاربين بلا استثناء.
وفي هذا العصر
الذي أعلنت فيه حقوق الإنسان، وقامت أكبر هيئة دولية عالمية لمنع العدوان، ومساندة
الشعوب المستضعفة كما يقولون، لم يبلغ الضمير الإنساني من السمو والنبل حداً يعلن
فيه تحريم قتل تلك الفئات من الناس، وعهدنا بالحربين العالميتين الأولى والثانية
تدمير المدن فوق سكانها، واستباحة تقتيل من فيها تقتيلاً جماعياً، كما كان عهدنا
بالحروب الاستعمارية ضد ثورات الشعوب التي تطالب بحقها في الحياة والكرامة. (السيرة
النبوية- دروس وعبر، ص 141).
متى يباح قتل غير المقاتلين؟
أكد الفقهاء أن
الإسلام منع قتل من لم يقاتل من الأعداء، كالأطفال والشيوخ والنساء وغيرهم، لكن
ذلك مشروط بعدم مشاركتهم في القتال، فإذا شاركوا أو دعموا المقاتلين فقتالهم مباح،
وقد نقل ذلك ابن حزم بقوله: «وَلَا يَحِلُّ قَتْلُ نِسَائِهِمْ وَلَا قَتْلُ مَنْ
لَمْ يَبْلُغْ مِنْهُمْ، إلَّا أَنْ يُقَاتِلَ» (المحلى بالآثار، 5/ 347).
وقال ابن حبيب:
لا يجوز القصد إلى قتل المرأة إلا إن باشرت القتل أو قصدت إليه، ويدل على ما رواه
أبو داود في المراسيل عن عكرمة أن النبي صلى الله عليه وسلم مرّ بامرأة مقتولة يوم
حنين فقال: «من قتل هذه؟»، فقال رجل: أنا رسول الله غنمتها فأردفتها خلفي، فلما
رأت الهزيمة فينا أهوت إلى قائم سيفي لتقتلني فقتلتها، فلم ينكر عليه النبي صلى
الله عليه وسلم. (المجموع شرح المهذب: النووي، 19/ 273).
وفي هذا الحكم
بعدم قتل النساء والضعفاء إلا إذا اشتركوا في القتال دليل على عظمة الشريعة
الإسلامية في التوازن بين حفظ النفس ومنع العدوان.
اقرأ أيضا
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً