المشهد الفنزويلي وانكشاف النفوذ الإيراني
لم يكن اعتقال رئيس فنزويلا مادورو حدثًا منفصلًا ولا تطورًا أمنيًا عابرًا يمكن إدراجه في خانة النزاعات الثنائية التقليدية، بل شكّل لحظة سياسية كاشفة أعادت تعريف معنى النفوذ، وحدود التحالف وسقف الحماية في النظام الدولي.
وعندما أقدمت
الولايات المتحدة بأمر رئيسها دونالد ترمب على اعتقال رئيس دولة ذات سيادة، تُعدّ
من أوثق حلفاء طهران خارج الشرق الأوسط، فذلك لم يكن يستهدف شخصًا بعينه، بقدر ما
كان تفكيكًا منهجيًا لمشروع نفوذ كامل بُني على مدى سنوات واستنزف موارد هائلة،
وانكشف في لحظة واحدة.
فنزويلا في
العقل الإستراتيجي الإيراني تعد صديقاً سياسياً وشريكاً اقتصادياً، بل هي حجر
زاوية في مشروع التمدد العابر للقارات، ومن هنا أرادت طهران أن تثبت قدرتها على
اختراق الحديقة الخلفية للولايات المتحدة، لتقول: إن الصراع لم يعد محصورًا في
الشرق الأوسط، ولهذا السبب، استثمرت إيران في هذا التحالف سياسيًا وأمنيًا
واقتصاديًا، ونسجت شبكة مصالح متداخلة، وكان الاقتصاد الموازي أحد أعمدتها
الأساسية.
ولم يكن تهريب
الذهب من فنزويلا إلى إيران تفصيلًا ثانويًا، بل كان شريانًا ماليًا حيويًا في زمن
العقوبات، فطهران التي ضُيّق عليها في النظام المالي العالمي، وجدت في الذهب
الفنزويلي وسيلة لتعويض الاختناق، وتمويل أذرعها الإقليمية، ودعم شبكات النفوذ من
العراق إلى لبنان واليمن، بهذا المعنى، لم يكن التحالف سياسيًا فقط، بل كان
نموذجًا متكاملًا للالتفاف على العقوبات، يجمع بين الطاقة والذهب والنقل وشبكات
التهريب العابرة للحدود.
الرسالة ليس لفنزويلا وحدها بل إلى إيران مباشرة
وحين أقدمت
إدارة ترمب على اعتقال الرئيس الفنزويلي، كانت تضرب هذا النموذج في قلبه، ولهذا لم
تكن الرسالة موجهة إلى فنزويلا وحدها، بل إلى طهران مباشرة؛ الاقتصاد الموازي لم
يعد خارج الاستهداف، والتحالفات التي تقوم على تهريب الموارد وتحدي النظام الدولي
لن تحظى بحصانة سياسية، وهكذا تحولت فنزويلا من ورقة ضغط إيرانية إلى عبء إستراتيجي.
الأثر الأخطر
للحدث لم يكن في سقوط حليف بعيد جغرافيًا، بل في كسر فكرة «الحليف المحصَّن»، فقد
بنت إيران نفوذها على فرضية أن قربها من أي طرف يمنحه حماية تلقائية، وأن المساس
به يعني مواجهة أوسع، ولكن اعتقال رئيس دولة حليفة، دون أن تمتلك طهران قدرة
حقيقية على الرد، وكشف أن هذه الحصانة كانت وهمًا، وأن النفوذ غير المعترف به
دوليًا لا يصمد أمام أدوات الضغط الذكية.
ومن فنزويلا
انتقلت ارتدادات الصدمة سريعًا إلى الشرق الأوسط، وبصورة خاصة إلى العراق، فالعراق
ليس ساحة هامشية في المشروع الإيراني، بل هو قلبه النابض وعمقه الإستراتيجي الأهم،
فلم يُقرأ الحدث بوصفه تطورًا بعيدًا، بل كإنذار مباشر، والنخب السياسية العراقية
حتى تلك التي ارتبطت طويلًا بطهران، يطرح عليها سؤال مهم: إذا كان رئيس دولة بعيدة
ذات سيادة ومدعومة إيرانيًا يمكن اعتقاله بهذه السهولة، فما الذي يضمن حماية الحلفاء
في بيئات أكثر هشاشة وتعقيدًا؟
من خيار حماية إلى مخاطرة مفتوحة
هذا السؤال أصاب
صميم مفهوم العمق الإستراتيجي، فالانتماء إلى المحور الإيراني، الذي قُدِّم لسنوات
بوصفه مظلة أمان، بدأ يُنظر إليه كعبء سياسي وقانوني، والنفوذ الذي كان يُسوَّق
كرصيد بات يُقرأ كملف قابل للاستخدام الدولي عند الحاجة، وهكذا تحوّل الارتباط من
خيار حماية إلى مخاطرة مفتوحة، وبدأت حسابات إعادة التموضع تظهر، ولو بصمت.
لكن الارتدادات
لم تتوقف عند العراق، ولذا «حزب الله» في لبنان كان من أكثر الأطراف التي قرأت
الحدث بقلق بالغ، فالحزب الذي بنى قوته على معادلة الردع والحصانة السياسية، وجد
نفسه أمام سابقة خطيرة؛ فالولايات المتحدة لم تعد تكتفي بالعقوبات أو التصنيفات،
بل باتت مستعدة لكسر رمزية الحلفاء الكبار حين تتقاطع ملفاتهم مع الأمن القومي
الأمريكي، والخطر هنا لا يكمن في مواجهة عسكرية مباشرة، بل في مسار تفكيك تدريجي
للشرعية السياسية، وربط الحزب بشبكات الاقتصاد الموازي، وتجفيف الموارد المالية،
تمامًا كما جرى في الحالة الفنزويلية.
أما في اليمن،
فقد كان المشهد أكثر وضوحًا، فالجماعة الحوثية التي استخدمتها إيران كورقة ضغط
إقليمي، تحولت مع مرور الوقت إلى عبء متعدد الأبعاد؛ لأنّ الحرب الطويلة، والكلفة
الإنسانية، والتصنيف الدولي، جعلت من الساحة اليمنية ملف إدانة دائماً، لا ورقة
تفاوض، ومع سقوط النموذج الفنزويلي، بات واضحًا أن الاستثمار في ساحات تعتمد على
السلاح والتهريب دون أفق سياسي معترف به، لا يراكم نفوذًا مستدامًا، بل يفتح
مسارات استنزاف إضافية.
فشل رهان تراكم النفوذ
إستراتيجيًا؛
كشف اعتقال رئيس فنزويلا فشل رهان إيراني طويل الأمد على فكرة تراكم النفوذ بوصفه
ضمانة بحد ذاته، فقد افترضت طهران أن تعدد الأذرع، من أمريكا اللاتينية إلى الشرق
الأوسط، سيُربك الخصوم ويفرض واقعًا يصعب تفكيكه، لكن التحول في المزاج الأمريكي،
والانتقال من سياسة الاحتواء والمساومات إلى سياسة التفكيك والمحاسبة، قلب
المعادلة، وكل ذراع تحول إلى نقطة ضعف إضافية، وكل شبكة تهريب إلى مسار قابل للكشف
والاستهداف.
داخليًا؛ ترك
الحدث تصدعًا صامتًا داخل منظومة الحكم في طهران، فهناك جناح بنى شرعيته على
التمدد الخارجي، واعتبره صمام أمان للنظام، وجناح آخر بات يرى أن هذا التمدد
استنزف الاقتصاد وعمّق العزلة وربط مصير البلاد بمغامرات خارجية عالية الكلفة؛
ولذا، اعتقال حليف بحجم رئيس فنزويلا منح التيار الثاني حجة قوية لإعادة فتح
النقاش حول جدوى المشروع الإقليمي برمته.
المفارقة
القاسية أن المشروع الذي صُوِّر لسنوات على أنه ذروة القوة، انكشف في لحظة مفصلية
بوصفه شبكة انكشاف لا شبكة أمان، فمن الذهب المهرَّب في أمريكا اللاتينية، إلى
السلاح المنتشر في الشرق الأوسط، إلى الأذرع السياسية والعسكرية، تبيّن أن النفوذ
حين لا تحميه الشرعية الدولية، ولا يسنده اقتصاد شفاف وقوة ذكية، يتحول من رهان إستراتيجي
إلى عبء ثقيل.
وعند استشراف
المستقبل يبدو أن المنطقة مقبلة على نمط مختلف من إدارة الصراع مع إيران، نمط لا
يقوم على المواجهة المباشرة ولا على الحروب المفتوحة، بل على تفكيك بطيء ومنهجي
لمصادر النفوذ، وستُستهدف الشبكات المالية والاقتصاد الموازي وستُفتح ملفات
التهريب، وتُعاد قراءة التحالفات القديمة بوصفها عبئًا قانونيًا لا مكسبًا سياسيًا.
اختبار صعب
وستواجه الأذرع
الإقليمية لطهران من العراق إلى لبنان واليمن اختبارًا صعبًا في القدرة على
التكيّف؛ إما التحول إلى فاعلين سياسيين ضمن قواعد الشرعية الدولية، أو البقاء
كأدوات صدام مكلفة تُستنزف تدريجيًا.
أما طهران نفسها،
فستجد أن خيار إعادة التموضع لم يعد ترفًا سياسيًا، بل ضرورة وجودية في عالم لم
يعد يقيس القوة بمدى الانتشار، بل بقدرة الدولة على حماية مصالحها دون أن تتحول
إلى عبء على حلفائها أو على نفسها.
وهكذا قد لا
تكون الضربة التالية عسكرية ولا حتى سياسية صاخبة، بل خطوة قانونية جديدة، أو
ملفًا ماليًا آخر، يُكمل ما بدأ في فنزويلا، ما يؤكد أن زمن النفوذ غير المحمي
يقترب من نهايته.
في المحصلة،
فإنّ اعتقال رئيس فنزويلا ليس حدثًا منفصلًا، بل لحظة تأسيسية لنهاية مرحلة كاملة
في السياسة الإقليمية الإيرانية التي بُنيت على وهْم أن الانتشار يصنع القوة، وأن
كثرة الحلفاء تعني بالضرورة مزيدًا من الأمان، وما جرى أثبت العكس تمامًا؛ النفوذ
غير المحمي قد يكون الطريق الأقصر إلى الانكشاف، وأن سقوط الحليف البعيد قد يكون
مقدمة لاهتزاز الأذرع القريبة، في عالم باتت فيه الشرعية والاقتصاد والقانون أدوات
حسم لا تقل أثرًا عن السلاح.