الله الصمد

الله خالقنا ورازقنا ومُدبِّر أمورنا، فقد وجب له كل كمال، وتنزَّه عن كل نقص، ونحن المسلمين نُوقِن بأنَّ الله واحدٌ أحَدٌ فرْدٌ صَمَدٌ، لا نِدَّ له، ولا ولد، وهو المستحق للعبادة، والمنفرد بالسيادة، وبأنه تعالى مُتَّصِف بجميع المحامِد والكمالات، وأنه تعالى مُنزَّه عن كل نقص، وقد وصف نفسه، فقال تعالى: (اللَّهُ الصَّمَدُ) (الإخلاص: 2)، فما معنى الصمد؟

الصمد هو المقصود في الحوائج، وهو الذي يلجأ إليه الخَلْق لقضاء حوائجهم، وتخفيف مصائبهم، وتأمين مخاوفهم، وتسكين فزعهم، وتطمين قلوبهم، وتزكية أرواحهم، وتطهير نفوسهم.

وعن معنى «الصمد»، قال حبر الأُمَّة وترجمان القرآن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما: الصمد هو السيد الذي قد كمل في سُؤْدَدِه، والشريف الذي قد كمل في شرفه، والعظيم الذي قد كمل في عظمته، والحليم الذي قد كمل في حلمه، والعليم الذي قد كمل في علمه، والحكيم الذي قد كمل في حكمه، وهو الذي قد كمل في أنواع الشرف والسُّؤْدَدِ.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: الصمد هو المستغني عن كل أحد، المحتاج إليه كُلُّ أحد.

وعن مقاتل بن حيان: الصمد هو الذي لا تعتريه الآفات، والصمد هو الذي يحكم ما يريد، ويفعل ما يشاء، لا مُعقِّب لحكمه، ولا رادَّ لقضائه.

والصمد هو الدائم الباقي الذي لا يبلى، ولا يفنى، والصمد هو المفتقر إليه كُلُّ ما عداه، فالمعدوم مفتقر وجوده إليه، والموجود مفتقر في شؤونه إليه.

والصمد هو الله الذي تعرفونه، وتُقِرُّون بأنه خالق السماوات والأرض، وخالقكم، وهو واحد مُتوحِّد بالإلهية لا يُشارَك فيها، وهو الذي يصمد إليه كل مخلوق لا يستغنون عنه، وهو الغني عنهم.

لكن لماذا جاءت «الصمد» مُحلَّاة بالألف واللام، ولم تأتِ منكرةً بلفظ «صمد»؟

«أل» في لفظ «الصمد» للاستغراق؛ بمعنى أنه لا مقصود للخلق في قضاء حوائجهم إلا الله، ولا قاضي لحاجات البشر، ولا مُدبِّر لمصالحهم، ولا مقصود في الرغائب، ولا مستغاث في المصائب إلا الله.

فاللهُ هو الحقيقة الوحيدة في هذا الكون، والله هو القوة الوحيدة في هذا الكون، لا منتهى لقدرته، ولا حدود لعظمته، بلغت أسماؤه الحسنى وصفاته العُلا كمالات لا تنتهي، وتنزَّهَتْ عن كل شائبة نقص.

والله هو الصمد، وهو الذي يقصده البشر لقضاء مصالحهم، وإنفاذ رغائبهم، وتأمين خوفهم، وتسكين فزعهم؛ لأنه لا ضارَّ ولا نافعَ إلَّا اللهُ، ولا محيي ولا مميت إلا الله، ولا خالق ولا رازق إلَّا الله.

وهذا هو واقع الوجود، حتى لو أنكره بعض البشر، فالله هو المقصود الأوحد للبشر في قضاء حاجاتهم، مؤمنهم وكافرهم، في السرَّاء والضرَّاء، ليس هذا فحسب؛ بل كل المخلوقات تتجه إليه، وتطلب منه العون، طوعًا وكرهًا، بإرادتها ورغم أنفها.

قال تعالى: (هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَـذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ {22} فَلَمَّا أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم مَّتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) (يونس)، وقال تعالى: (قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَـذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ {63} قُلِ اللّهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ) (الأنعام).

وإذا كان الله هو مقصود البشر في حوائجهم، فالله تعالى أكرم الأكرمين يُحِبُّ أن يسأله عباده، ويطلبوا منه حوائجهم، ويعبدوه وحْدَه لا يشركون به شيئًا، وجاء في الحديث الشريف: «مَنْ لا يسأل اللهَ يغضب عليه» (رواه الترمذي، والبزار والبخاري في الأدب المفرد، وغيرهم).

وروى أحمد، والترمذي، وابن أبي شيبة وغيرهم، عن عبدالله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من ‌نزلت ‌به ‌فاقة فأنزلها بالناس لم تُسَدَّ فاقتُه، ومن أنزلها بالله أوشك أن يأتيه بالغنى، إما غنى آجل، وإما غنى عاجل».

وقال الشاعر:

اللهُ يَغْضَبُ إِن تَرَكْتَ سُؤَالَهُ    وَبُنَيَّ آدَمَ حِينَ يُسْأَلُ يَغْضَبُ

الرابط المختصر :

كلمات دلالية

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة