القراءات القرآنية في الميزان النحوي.. بين سلطة السماع وصرامة القياس
وضع النحاة
الأوائل أعمدة صرح اللغة على «القياس» (الأطر العامة المطردة) و«السماع» (كلام
العرب الموثوق)، وجعلوا القرآن الكريم متربعاً على عرش «السماع»، إلا أن تشكل
المدارس النحوية وصراع المقاييس جعل بعض القراءات المتواترة تبدو في نظر النحاة خروجًا
عن القياس؛ وهو ما ولد صراعًا بين ثبوت الرواية وصحة الدراية.
فالمتتبع لمواقف
النحاة من الاستشهاد بالقراءات القرآنية يجد تبايناً واختلافاً واضحاً بين النظرية
والتطبيق؛ ففي حين نجد أن مواقفهم النظرية كلها إجلال وقبول بهذه القراءات نجد أن
مواقف كثير منهم التطبيقية تختلف عن ذلك، وهذا ما سنبينه في السطور التالية:
الموقف النظري
يلخص ابن جني
موقف النحاة النظري في قوله: «وضربا تعدى ذلك –يقصد القراءات المتواترة- فسماه أهل
زماننا شاذاً؛ أي خارجاً عن قراءة القراء السبعة المقدم ذكرها، إلا أنه مع خروجه
عنها نازع بالثقة إلى قرائه، محفوف بالروايات من أمامه وورائه، ولعله أو كثيراً
منه مساوٍ في الفصاحة للمجتمع عليه..» (المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات لابن
جني، 1/ 32)، ويؤكد هذا الأمر د. سعيد الأفغاني؛ إذ يقول: «والقراءة الشاذة التي
منع القراء قراءتها يحتج بها في اللغة والنحو؛ إذ هي –على كل حال- أقوى سنداً وأصح
نقلاً من كل ما احتج به العلماء من الكلام العربي غير القرآن» (في أصول النحو
للأستاذ سعيد الأفغاني، ص29).
ما سبق كان موقف
النحاة النظري من القراءات القرآنية المتواترة والشاذة؛ وهو ما يعني بالضرورة
تسليمهم الكامل للقراءات المتواترة من باب أولى، وهو ما نص عليه كثير منهم.
الموقف التطبيقي
إذا أتينا إلى
موقف النحاة التطبيقي؛ فسنجد أن كثيراً منهم لم يسلم من طعن أو رد لقراءة من
القراءات –وبعضها قراءات متواترة- لمخالفتها قاعدة أو قياساً لديه؛ وهو ما دفع د.
شعبان صلاح إلى أن يقول: «والذي يلفت الانتباه حقاً أنك لا تكاد تجد نحوياً تعرض
للقرآن وقراءاته بالتأليف إعراباً أو احتجاجاً دون أن يتهجم على بعض قراءات
القرآن، أو يطعن في بعضها الآخر، أو يتهم بعض القراء بعدم الدراية، وإن كانوا من
أهل الرواية، وإن اختلف التهجم والطعن والاتهام بين العنف والرفق أو الكثرة والقلة»
(موقف النحاة من القراءات حتى القرن الرابع الهجري للدكتور شعبان صلاح، ص87).
ومما يؤكد
التباين بين مواقف بعض النحاة النظرية والتطبيقية قول السيوطي: «كان قوم من النحاة
المتقدمين يعيبون على عاصم، وحمزة، وابن عامر قراءات بعيدة في العربية وينسبونهم
إلى اللحن» (الاقتراح، ص52).
وقد ميز النحاة
بين موقف البصريين والكوفيين من الاحتجاج بالقراءات؛ حيث عرف عن البصريين أنهم
وقفوا من القراءات موقفاً لا يتناسب وقدسيتها، ووقفوا من القراء موقفاً لا يتناسب
وجهدهم في حفظ ونقل هذه القراءات، وما عرف عنهم من دقة النقل وتحري الأمانة والثقة
فيه.
فكثير من
البصريين يأخذون من القراءات ما توافق مع مقاييسهم وقواعدهم التي قعدوها ووضعوها،
ولكن ما خالف قواعدهم فلم يتورعوا عن تخطئة القراءة أو ردها أو اتهام قارئها
باللحن أو الوهم أو الجهل بالعربية.
أما الكوفيون، فقد
أخذوا من القراءات جميعاً؛ لأنها في نظرهم يجب أن تشتق منها المقاييس وتستمد
الأصول، ومنهجهم هذا يعد منهجاً سليماً؛ لأنه يثري اللغة ويزيد من رصيدها ويجعلها
غنية على الدوام. (شواهد القراءات بين ابن هشام وابن عقيل، ص15، للدكتور محمد علي
سحلول).
من القراءات المختلف عليها
نشير فيما يلي
إلى آيتين من الآيات التي وردت فيها قراءات متواترة لكن ردها البصريون لمخالفتها
لمقاييسهم:
1- القراءة بجر «والأرحام»:
تعد قضية العطف
على الضمير المجرور دون إعادة حرف الجر من قضايا الخلاف الكبرى المشهورة بين
البصريين والكوفيين؛ إذ يجيز الكوفيون العطف على الضمير المخفوض دون إعادة حرف
الجر (مثل: مررت بك وأخيك)، أما البصريون فيمنعون ذلك ويوجبون إعادة حرف الجر
(فيقولون في المثال الماضي: مررت بك وبأخيك)؛ وحجتهم في ذلك أن الجار مع المجرور
بمنزلة شيء واحد، والضمير إذا كان مجروراً اتصل بالجار ولم ينفصل منه، ولهذا لا
يكون إلا متصلاً، بخلاف ضمير المرفوع والمنصوب؛ فكأنك قد عطفت الاسم على الحرف
الجار، وعطف الاسم على الحرف لا يجوز.
وقد انعكس هذا
الخلاف على موقف المدرستين من قراءة حمزة في قوله تعالى في الآية الأولى من سورة «النساء»:
(وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي
تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ) (النساء: 1)؛ حيث قرأ ابن عباس، والحسن،
ومجاهد، وقتادة، والنخعي، ويحيى بن وثاب، والأعمش، وأبو رزين، وحمزة «والأرحام»
بالكسر عطفاً على الضمير في «به»، وعليه يكون المعنى: اتقوا الله الذي تساءلون به
وبالأرحام؛ كقولهم: ناشدتك الله والرحم. (ينظر: السبعة في القراءات، ص226، والحجة
لابن خالويه، ص118).
أما الباقون
فقرأوا «الأرحام» بالنصب عطفاً على لفظ الجلالة «الله»، ويكون المعنى: اتقوا الله
واتقوا الأرحام أن تقطعوها.
ومن المفسرين
الذين نقلوا هذا الخلاف وانتصروا لرأي الكوفيين تعظيماً وتقديساً للقرآن الكريم
بقراءاته الخطيب الشربيني إذ يقول: «.. وأما حمزة فقرأه بالجر عطفًا على الضمير
المجرور، وقول البيضاوي (وهو ضعيف) -أي كما هو مذهب البصريين- ممنوع، والحق أنه
ليس بضعيف؛ فقد جوزه الكوفيون، وكيف يكون ضعيفا والقراءة به متواترة؟
فيجب أن يُضعَّف
كلام البصريين ويرجع إلى كلام رب العالمين، وتعليلهم عدم الجواز بكونه كبعض كلمة
لا يقتضي إلحاقه به في عدم جواز العطف؛ إذ حذف الشيء مع القرينة جائز»، واستشهد
لذلك بأشعار للعرب المحتج بلغتهم، (ينظر: السراج المنير، 1/ 229).
2- قراءة «زُيِّن» في «الأنعام»:
من قضايا الخلاف
بين البصريين والكوفيين التي كان لها انعكاس على موقف كل من المدرستين من بعض
القراءات القرآنية قضية الفصل بين المضاف والمضاف إليه؛ فقد ذهب البصريون إلى أنه
لا يجوز الفصل بينهما بغير الظرف والجار والمجرور؛ بل وقصروا هذا على ضرورة الشعر
فقط، بينما ذهب الكوفيون إلى جواز الفصل بينهما مطلقاً.
ومن القراءات
التي تأثرت بهذا الخلاف قراءة ابن عامر في قول الله تعالى: (وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ
مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ) (الأنعام: 137)؛
حيث قرأ بضم الزاي وكسر الياء في «زُيِّن»، ورفع لام «قتلُ»، ونصب «أولادَهم»،
وخفض «شركائِهم»، وقرأ الباقون بفتح الزاي والياء في «زين»، ونصب لام «قتل»، وجر «أولادهم»،
ورفع «شركاؤهم» (انظر: السبعة في القراءات، ص270، وإتحاف فضلاء البشر، ص275، 276).
وعلى قراءة ابن
عامر يكون المعنى أن القتل أصبح فعلاً واقعاً ومزيّناً بفعل شركائهم؛ حيث أضاف
المصدر «قتل» إلى فاعله «شركائهم» ونصب «أولادهم» على أنها مفعول به وقع عليه
القتل.
وممن علق على
هذه القضية مرجحاً رأي الكوفيين أبو حيان؛ حيث قال: «وهي مسألة مختلف في جوازها؛
فجمهور البصريين يمنعونها متقدموهم ومتأخروهم، ولا يجيزون ذلك إلا في ضرورة الشعر،
وبعض النحويين أجازها وهو الصحيح؛ لوجودها في هذه القراءة المتواترة المنسوبة إلى
العربي الصريح المحض ابن عامر، الآخذ القرآن عن عثمان بن عفان قبل أن يظهر اللحن
في لسان العرب، ولوجودها أيضًا في لسان العرب في عدة أبيات» (البحر المحيط، 4/ 657).
وهكذا نجد أن الموقف النظري والتطبيقي لدى طائفة من النحاة لا يعكس طعناً في النص بقدر ما يعكس صرامة في صيانة القواعد التي وضعوها، غير أن النص القرآني يظل هو اللغة في أسمى تجلياتها، وهو الحاكم على القاعدة لا المحكوم بها، لقد استطاع المفسرون، كالخطيب الشربيني، وأبي حيان، أن يضعوا حداً لهذا الصراع بانتصارهم للرواية المتواترة وتقديمها على أقيسة البشر، مؤكدين أن ما صحّ نقلاً وعزّ سنداً فهو العربية المحضة، وإن ضاقت عنه أفهام النحاة، ليبقى القرآن دائماً هو الأصل الذي تُستمد منه الأصول، والميزان الذي لا يميل.
اقرأ
أيضاً:
- الأثر
الخالد.. القرآن الكريم حارس العربية وسيد بلاغتها