مدخل جديد لبناء نظرية إسلامية للقيادة..

العلاقة بين الاستخلاف والعدل

إن الوعي بالعلاقة بين الاستخلاف والعدل يشكل نقطة انطلاق لبناء النظرية الإسلامية للقيادة؛ فالإسلام جعل العدل أساس الخلافة، وهدف الشريعة، ووظيفة الأمة الإسلامية، وبه تمكنت من جذب قلوب الشعوب إلى الإسلام، فأصبح مصدر القوة الناعمة التي استخدمتها في تغيير العالم.

فقد كان الحكام قبل الإسلام -في الإمبراطوريتين الفارسية والرومانية- يحكمون بالهوى والطغيان وغرور القوة، فأدرك الناس في الأمصار التي فتحها المسلمون أنهم أصبحوا في عالم جديد تحكمه شريعة الإسلام التي يتم تطبيقها على الحكام والمحكومين، وتحفظ حقوق الجميع، وتحمي كرامة الإنسان.

الميزان هو العدل

لذلك، يقول الله تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) (الحديد: 25).

يقول السعدي: إن الميزان هو العدل في الأقوال والأفعال، والدين الذي جاءت به الرسل، كله عدل وقسط في الأوامر والنواهي وفي معاملات الخلق، وفي الجنايات والقصاص والحدود، وقوله تعالى: (لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ)؛ أي: وذلك قيامًا بدين الله، وتحصيلًا لمصالحهم التي لا يمكن حصرها وعدها، وهذا دليل على أن الرسل متفقون في قاعدة الشرع، وهو القيام بالقسط، وإن اختلفت أنواع العدل بحسب الأزمنة والأحوال.

العدل معيار البقاء والهلاك

لقد جعل الله العدل معيار صلاح الفرد والمجتمع، وغياب العدل نذير الهلاك والفناء، يقول الله تعالى: (وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً آخَرِينَ) (الأنبياء: 11).

بهذا يربط القرآن بين الظلم وسقوط الأمم؛ أي أن زوال الحضارات ليس سببه ضعف القوة، بل انهيار العدالة؛ فحين يفقد المجتمع أو القيادة العدل، يفقد شرعية الاستخلاف، فيسقط.

لذلك، يقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (المائدة: 8).

وهذا أمر من الله سبحانه للأمة الإسلامية؛ فهي الأمة القائدة للإنسانية والمكلفة بتحقيق العدل للبشرية كلها؛ العدل الكامل الذي لا يتأثر بالقرابة أو المصلحة أو الهوى، وهي تقوم بتحقيق العدل عبادة لله، حيث يرتبط العدل بالتقوى وبالضمير الحضاري الذي يجعل الأمة في حالة وعي دائم بأن الله خبير بأعمالها.

ولقد قامت الأمة الإسلامية بوظيفة تحقيق العدل، فتحولت أحكام الشريعة ومبادئ الإسلام إلى منهج طبقته الأمة في الواقع بدون تفرقة أو تمييز، فسعدت البشرية بهذه الأحكام.

العدل في القرآن شرط قيام العمران

العدل يحمي الناس من الطغيان، ويحول دون أن تتحول القيادة إلى استبداد، وهو الذي يضبط العلاقة بين السلطة والمجتمع والإنسان، وهذا يعني أن الاستخلاف هو الوظيفة، والعدل هو منهج أدائها.

فحين يفقد المجتمع أو القيادة العدل؛ يفقد شرعية الاستخلاف، وهذا يعني أن القيادة في الإسلام وظيفة حضارية، فالعدل ليس نتيجة القيادة، بل شرط وجودها؛ لذلك يشكّل الوعي بهذه العلاقة بداية نظرية إسلامية للقيادة؛ لأن أي نظرية قيادة تحتاج إلى:

  • تصور للإنسان.
  • تصور للسلطة.
  • تصور للشرعية.
  • تصور للنجاح والفشل.

والاستخلاف في الرؤية الإسلامية تكليف بالعمارة، فلا تتحقق العمارة إلا بالعدل؛ لأن العدل الشرط الأخلاقي الذي يمنع السلطة من التحول إلى طغيان، ويمنع القوة من التحول إلى فساد، ويمنع القيادة من التحول إلى استبداد، ومن ثم فإن العدل ليس نتيجة القيادة ولكنه أساس وجودها، كما أن سقوط العدل يعني سقوط الاستخلاف، حتى وإن استمرت القوة، وعلى هذا الأساس فإن الوعي بالعلاقة بين الاستخلاف والعدل لا يمثّل عنصرًا في نظرية القيادة الإسلامية، لكنه يشكل أساس وجودها.

الماوردي: العدالة أساس الحكم

يعتبر أبو الحسن الماوردي من أهم منظري القيادة في الفكر الإسلامي؛ حيث يقوم مفهوم القيادة عنده على مجموعة من الشروط التي يجب أن تتوفر في القائد أهمها العدالة.

فالعدالة أساس القيادة وفقًا للماوردي، والحاكم أو القائد يجب أن يكون عادلًا في حكمه، وفي التعامل مع رعيته، وأن يسعى لتحقيق العدل، حيث يُعتبر العدل أساسًا للشرعية في حكم القائد، ولا يمكن أن يستمر الحكم بدونها، ويشير الماوردي إلى أهمية العدل بين الناس وتوزيع الحقوق والواجبات على الجميع بالتساوي.

لذلك، يقول الماوردي: «العدل أساس الملك، والعدل أقوى من الجيوش، وأثبت من الأسوار»، وهذه العبارة تلخص أهمية العدالة في الحكم، وتوضح كيف أن العدل يُعتبر الركيزة الأساسية التي تبنى عليها السلطة، وتضمن استقرار الدولة، ويُعتبر العدل في قيادة الأمة أساسيًا لاستمرار هذا النظام.

صفات القائد العادل عند الماوردي

يعتبر الماوردي أن العدالة معتبرة في كل ولاية، والعدالة أن يكون القائد: صادق اللهجة، ظاهر الأمانة، عفيفًا عن المحارم، متوقيًا المآثم بعيدًا عن الريب، مأمونًا في الرضا والغضب، مستعملًا المروءة في دينه ودنياه.

فإذا تكاملت فيه فهي العدالة التي تجوز بها شهادته، وتصح معها ولايته، وإن انخرم منها وصف مُنع من الشهادة والولاية، فلم يُسمع له قول، ولم ينفذ له حكم، بذلك يربط الماوردي عدالة القائد بمنظومة من السمات المتكاملة التي إن توفرت فيه أصبح عادلًا ومؤهلًا للحكم، ومن أهمها الصدق والأمانة والمروءة.

كما يقول الماوردي: الأدب أدبان؛ أدب شريعة وأدب سياسة؛ فأدب الشريعة ما أدّى الفرض، وأدب السياسة ما عمَّر الأرض، وكلاهما يرجع إلى العدل الذي به سلامة السلطان وعمارة البلدان؛ لأن من ترك الفرض فقد ظلم نفسه، ومن خرب الأرض فقد ظلم غيره.

ويضيف الماوردي: العدل الشامل يدعو إلى الألفة ويبعث على الطاعة، وتعمر به الأرض، وتنمي به الأموال، ويكثر معه النسل، ويأمن به السلطان، فليس شيء أسرع في خراب الأرض، ولا أفسد لضمائر الخلق من الجور، وإن الأمن من نتائج العدل.

العدل والازدهار الاقتصادي (رؤية ابن خلدون)

وإذا كان الماوردي يرى أن الأمن من نتائج العدل، وأن القائد الذي يريد أن يحقق أمن المجتمع يجب أن يعمل لتحقيق العدل؛ فإن ابن خلدون يرى أن الازدهار الاقتصادي من نتائج العدل، وهذه أفكار جديدة يمكن أن تسهم في بناء نظرية إسلامية للقيادة، وتفتح المجال لتطوير علوم جديدة.

ففي «المقدمة»، يربط ابن خلدون تكوين الدولة وقوة السلطة بالعدل في توزيع الموارد والعلاقات الاجتماعية، إذ يعرض علاقة متسلسلة من عناصر تكوين السيادة:

1- المال بالخراج: فالخراج هو الضرائب، والموارد، والجباية من النشاط الاقتصادي للمجتمع (فالدولة لا تنتج المال بذاتها، بل تستمده من المجتمع المنتج).

2- والخراج بالعمارة: فلا خراج بلا عمران، والعمران يعني ازدهار الزراعة ونمو التجارة وحركة الصناعة واستقرار الناس وأمنهم وثقتهم في المستقبل، فلا موارد للدولة إذا لم يكن المجتمع مزدهرًا ومنتجًا، فإذا خرب العمران بسبب الظلم أو الفقر، ينقطع الخراج تلقائيًا.

3- والعمارة بالعدل: فالعمران لا يقوم إلا في بيئة عادلة؛ حيث لا يُظلم الناس في أموالهم ولا تُغتصب حقوقهم، ولا تُرهقهم الدولة بالجباية، ولا يخاف الإنسان على جهده واستثماره، فالناس لا يعملون ولا ينتجون ولا يستثمرون إلا إذا شعروا بالأمان والإنصاف؛ فالظلم يقتل الحافز، ويهدم الثقة، ويؤدي إلى هجرة الناس أو كسلهم أو تمردهم، وهذا يفسر تخلف الكثير من الدول التي لا تقيم العدل، وتظلم الناس، فيدفعهم الخوف إلى التخلي عن بذل الجهد في إعمار الأرض.

4- والعدل بإصلاح العمّال: والعمّال هم موظفو الدولة، والولاة، والجباة، والقضاة، والإداريون، وقادة الجند والشرطة؛ أي أن العدل لا يتحقق إلا باختيار عادل للكفاءات، ومحاسبة العمال، ومنع الرشوة، ومنع الاستبداد المحلي، ومنع استغلال السلطة.

معادلة استقرار الدولة

هذا التتابع يعكس فهمًا للعدل بحيث يكون شرطًا لقيام العمران الاقتصادي والاجتماعي، وبالتالي شرطًا لاستمرارية الوحدة السياسية والسلطة، فعندما تنتظم الجماعة وتحقق العدالة داخلها، تستمر الدولة وتزدهر، أما عندما تسود النزعات الفردية أو الاستبداد، ينهار العمران.

وهذا الربط يضع العدل أساسًا لشرعية المجتمع وتثبيت السلطة، ودوام الدولة واستقرارها الاجتماعي-الاقتصادي، ويجعل العدل عاملًا محوريًا في الحفاظ على السلطة السياسية ونظام الحكم.

فإذا فسد الجهاز الإداري؛ سقط العدل مهما كانت نوايا الحاكم حسنة، وبذلك يبني ابن خلدون سلسلة تقوم على أن إصلاح الجهاز الإداري يؤدي إلى العدل الذي يؤدي إلى ازدهار العمران؛ فتزدهر الدولة اقتصاديًا، ويكثر المال؛ فتستقر الدولة، وتحقق القوة والأمن.

وهذا يوضح أن العدل شرط لبقاء العمران، وأن الإدارة أهم من القوة العسكرية في بقاء الدولة؛ فالدولة تستقر بازدهار الاقتصاد، والاقتصاد لا يزدهر إلا في بيئة عادلة، والبيئة العادلة لا تقوم إلا بإدارة نزيهة خاضعة للمساءلة.

وهذه العبارة تؤسس لقاعدة مهمة هي أن القائد ليس من يفرض النظام بالقوة، بل من يصنع بيئة العدالة التي تسمح للمجتمع أن ينتج ويزدهر ويثق في الدولة ومؤسساتها؛ وبذلك يكون القائد هو مهندس منظومة عدالة تولّد عمرانًا يولّد موارد تولّد استقرارًا.

إن بقاء الدولة يبدأ من إصلاح الإنسان داخل الجهاز الإداري، لا من جباية المال، ولا من القوة، ولا من القوانين فقط؛ فالعدل شرط لبقاء المجتمع والدولة، والدولة تسقط حين تفقد العدالة، لا حين تفقد المال؛ لأن المال أثر، والعدل سبب.

المستقبل للقيادة العادلة

ومن يرد الأدلة على صحة نتائج دراستي حول العلاقة بين الاستخلاف والعدل؛ فليراجع معي تاريخ الحضارة الإسلامية؛ فهذا التاريخ يوضح أنه عندما يسود العدل تزدهر التجارة والصناعة والزراعة، ويعم الخير، ويغتني الناس، فتزداد قوة الدول.

وفي دراسات قادمة سأوضح الأدلة على ذلك من تاريخ الحضارة الإسلامية لأبرهن على أن الإنسانية تحتاج إلى الحضارة الإسلامية لتقيم العدل، وتقدم حلولًا جديدة لمشكلة الفقر الذي يعض بأنيابه السوداء أكثر من 90% من البشر في كل أنحاء العالم، وأن القيادة العادلة يمكن أن تقود الأمة لبناء المستقبل.

الرابط المختصر :

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة