الطائفية في دار الإسلام.. الأزمة والحل من منظور تاريخي
عرف العالم
الإسلامي -منذ فترة مبكرة- التعددية الدينية والمذهبية، بالإضافة إلى التعددية
السياسية، وقد قدم نموذجًا متقدمًا في القدرة على التعايش السلمي وإدارة
الاختلافات، كان هذا النجاح مرهونًا بقوة الدولة، ومصاحبًا لكفاءة الساسة، وانفتاح
العلماء، والرسوخ الحضاري القيمي، والثراء العلمي المتسامح، وقد سمح هذا الثراء
لأهل كل مذهب ورأي بالتعبير عن رؤاهم الفكرية؛ ما أثمر نتاجًا واسعًا مزهرًا في
مقارنة الأديان، والملل والنحل، والفرق والمذاهب.
في الوقت نفسه،
اتسع الأفق السياسي للنظم السياسية ليسمح بالمعارضة السلمية، بينما وقف بحزم ضد
المعارضة المسلحة، لينحاز إلى وحدة الدولة الإسلامية، والاصطفاف الجامع في مواجهة
العدوان الخارجي، كان هذا هو السائد في عصور القوة، مع بعض الاستثناءات التي تؤكد
الأصل ولا تنفيه.
فدين يسمح للرجل
المسلم بالزواج من الكتابية المخالفة له في الدين، ويفرض عليه احترام حريتها
الدينية في المعتقد والعبادة -وهو أمر متكرر ومشاهد أمامه كل يوم- جدير بأن يؤسس
لحرية الاعتقاد المذهبي أو الفكري أو السياسي، وأصحابه ما زالوا أهل قبلة واحدة.
النموذج الإسلامي في مواجهة الطائفية
يمكننا أن نذكر
هنا حكمة معاوية وحلمه، وقدرة عبدالملك بن مروان، وابنه الوليد، بالإضافة إلى
مهارة أبي جعفر المنصور وسعة أفق هارون الرشيد، وكيف استوعبوا التناقضات، وأداروا
الاختلافات في دولة عالمية، تمتد من حدود الصين إلى مشارف باريس أو شطوط الأطلسي.
ومن الجلي أن
هذا التعدد المتعايش كان يجري في رحاب الرؤية الإسلامية الوسطية للتيار الإسلامي
العام الذي يمثل قناعات الغالبية العظمى من المسلمين من أهل السُّنة والجماعة.
وكلما اقتربت
الدولة من النموذج الإسلامي العادل توارت الطائفية، وخبت نيرانها، وكلما وجهت
الدولة طاقتها لحرب عدوها استجمع الداخل الإسلامي قواه، وتضاءلت عوامل الفرقة فيه،
فحين ولي عماد الدين زنكي، وابنه نور الدين محمود أمور الجبهة الإسلامية المقاومة
للعدوان الصليبي وأقاما منظومة العدل، ووجها قوى الأمة نحو عدوها؛ فاختفت الصراعات
الطائفية في مجتمع العراق والشام المليء بفسيفساء الملل والمذاهب، على ما بينها من
تباعد واختلاف.
وقدم صلاح الدين
الأيوبي نموذجًا فريدًا عندما حكم مصر، وقضى على الدولة الفاطمية الإسماعيلية
فيها، بعد أن طال حكمها أكثر من قرنين من الزمان (358-567هـ)، فلم يُقم لأسلافه
الإسماعيلية المجازر، ولم ينتهز الفرصة ليقتص من اضطهاد طويل مارسوه ضد أهل مصر من
السُّنَّة.
ثمار الطائفية القاتلة
لقد اختلفت
الصورة عندما حكمت الطائفية المذهبية ضيقة الأفق، فرأت في كرسي الحكم وامتلاك
أدوات القوة وسيلتها للاستبداد المنفرد وإقصاء الآخر، وترجمة لأحقاد كان لا بد من
تجاوزها، رأينا ذلك عندما استبد المعتزلة بالخلافة العباسية فأنتجوا محنة خلق
القرآن، ورأيناه حين تصارعت لدويلات
الطائفية في الشام والعراق قبيل العدوان الصليبي، فلما جاءت جحافلهم كانت الأرض قد
ضربها الوهن، فلم يستنكف الأمراء المفلسون -ديناً وقدرة- أن يستنجد بعضهم بالعدو
ضد إخوانه لقاء ظن واهن بالسلامة من بطشهم،
حدث ذلك نفسه في الأندلس، فراح صليبيو أوروبا يقضمون أرضها قطعة إثر أخرى.
وتحت أفق
المذهبية الضيقة في العراق كتبت نهاية الدولة العباسية العجوز، وراح الوزير ابن
العلقمي ينفِّس عن أحقاده على الخليفة العباسي السُّني، ويهيئ السبل أمام المغول
الوثنيين ليعصفوا بعد ذلك بالجميع؛ سُنة وشيعة.
وعندما استبد
الشاه إسماعيل الصفوي بالحكم في إيران قضى على من خالف طائفته، وزيَّنت له أحقاده
مهاجمة الدولة العثمانية السُّنية، فاضطروا إلى استدعاء جيوشهم التي كانت تفتح
أراضي أوروبا، وتدوّخ ملوكها؛ لمواجهة خطره، فتوقف المد الإسلامي العثماني في
الغرب، في حين مد الشاه الطائفي أواصر التحالف مع نصارى أوروبا وصليبييها، فأبحروا
إلى الخليج، واستباحوا أرضه ومياهه، فضلاً عن دينه وحضارته!
إن تأجج الفتن
الطائفية في مجتمعاتنا المعاصرة وثيق الصلة بالحقبة الاستعمارية حيث عمد الغرب
المستعمر إلى تشكيل عالما العربي والإسلامي، ورسم خارطته بما يضمن اشتعال الفتن
فيه، وتجزئته على أسس تضمن بقاء الطائفية، وتواصُل دعوات المظلومية، واستدعاء
الإحن والثارات التاريخية، وبقاء أنظمته الحاكمة مضطرة إلى الاستقواء به،
والافتقار إليه، معزولة عن مصادر قوتها، وولاءات شعوبها، حيث لا توجد دولة جامعة
تجمع شتاتها، ولا يوجد مشروع حضاري طامح يحميها، ويطلق عقالها وقيودها.
فالطائفية ليست
ناتجة عن الدين في ذاته، بل هي ناتج الدولة العاجزة التي رضيت أن تكون دولة وظيفية،
تخشى حمل المشروع الحضاري الجامع، وهو الكابح الحقيقي للصراعات المذهبية، والفتن
الداخلية.
سراب الحل الأوروبي
وظلت النخبة
الحاكمة المستغربة في بلادنا ترنو إلى النموذج الغربي في إنهاء الطائفية أو
إضعافها، ضمن ما تقتات عليه من نتاج الغرب، تحسبه منجاة لها، وهو شر نموذج يحتذى،
لم يستقر إلا بعد قرون من الحروب الأهلية، والفتن السياسية، والصراعات القاتلة
التي نشبت بين الكاثوليك والبروتستانت، التي لا تزال ماثلة في الذاكرة الأوروبية،
وأشدها خطرًا حرب الثلاثين عامًا (1618–1648م) التي شملت معظم أوروبا الوسطى،
وقُتل فيها ما يقارب ثلث سكان ألمانيا، ودُمّرت مدن كاملة، وانهار العمران
والاقتصاد، فكانت انتحارًا حضاريًا أنتج بعد مخاض مرير نموذج الدول القُطرية
الحالية.
وهو نموذج أنتج
حربين عالميتين، وخلّف مآسي مروعة سببها الاستعمار الغربي لدول العالم، وهو نموذج
ضحت فيه أوروبا بقيمها الدينية المحرفة، واستمسكت بالعلمانية المعادية للدين أو
المحاصرة له، فكانت عاقبة أمرها خسرًا، ونحن نرى تداعي تلك المنظومة الحضارية
البائسة التي إن أعطت للعالم تقدمًا علميًا زاهيًا، فقد أعطته خرابًا أخلاقيًا
ماحقًا، وحروبًا لا تهدأ في رقعة إلا أشعلها البغي والاستعلاء والعنصرية في بقعة
أخرى، وأكثر من دفعت أثمانها شعوب أمتنا.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً