الصلاة.. بين «أرحنا بها» و«أرحنا منها»!
بين «أرحنا بها»
و«أرحنا منها» مسافة كبيرة وبون شاسع ربما هو أبعد مما بين الثرى والثريا، والفجوة
تضيق وتتسع والمسافة تبعد وتقترب بقدر فهمنا للصلاة؛ صلة واتصالاً، محبة وطاعة،
مسارعة واستجابة.
فإذا كان الحب
هو الدافع؛ حب الله وطاعته، حب اللقاء به والدخول إلى ساحة قربه وميدان طاعته.
كانت الصلاة
فسحة رائعة ومحطة للراحة، وقفة للتأمل، دقائقها غالية، وثوانيها ثمينة ترتفع بنا
إلى مدارج العلا وتسقينا من كوثر الحب ونهر الفضل الرباني شراباً عذباً وسلسبيلاً
متدفقاً.
أصحاب الإرسال
القوي والموجات عالية الجودة الذين عرفوا وفهموا، تدبروا وتأملوا، اشتاقوا وأحبوا،
أحباب الرحمن من أصفيائه وأوليائه وقبل ذلك رسله وأنبيائه، كان لهم تفاعل إيجابي
وتواصل قوي مع الصلاة أداء وإقامة، خشوعاً وطمأنينة، عاشوا بها وأحيوا بها قلوبهم
وقلوب من حولهم، أدخلوهم إلى رحابها الواسعة وولجوا بهم إلى بساتينها الفواح، لقد
أسعدتهم ديناً ودنياً وطيبت ذكرهم في العالمين ورفعتهم إلى عليين.
ها هو إبراهيم
الخليل الأواه المنيب يدعو ربه وقد ترك الحبيبة والحبيب في واد غير ذي زرع قائلاً:
(رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن
ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا
لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ
وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) (إبراهيم: 37).
ربط بين الرزق
والصلاة، بين الاتصال بالخالق والتواصل مع الخلق، بين الإيمان والأمن، بين محبتنا
لله ومحبة عباد الله لنا، وهل القلوب إلا بيده سبحانه وتعالى.
لقد واجه
إبراهيم جبروت النمرود وضلال قومه وتمردهم على الحق، واجهه بقوة الحق الذي استمده
بعمق تواصله مع ربه حتى صار خليل الرحمن، ولأنه تنعم بتلك الصلة المميزة فلا غرو
أن تكون دعوته لربه أن ينعم بهذا القرب ذريته من بعده، استمع إليه وقد رفع أكف
الضراعة إلى مولاه قائلاً: (رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِن
ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاء) (إبراهيم: 40).
ومنَّ الله عليه
بذرية مباركة، أحسنت ارتباطها بمولاها وسارت على درب أبيها الخليل، القرآن يحدثنا
عن ابنه الذبيح إسماعيل عليه السلام فيقول عنه: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ
إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً) (مريم: 54)، القرب وعمق الفهم للصلاة انعكس سلوكاً طيباً وطاعة
مطلقة عند إسماعيل عليه السلام، فما كان إلا مستسلماً لأمر الذبح وهو يجيب أباه: (قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ
سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ) (الصافات: 102).
يستمر أنبياء
الله في رحلتهم المباركة في معارج الكمال علوا وارتقاء، الكليم وهو على جبل الطور
يبغي أن يقتبس جذوة من النار يصطلي بها وأهله فإذا بالبشرى تأتيه وإذا بمولاه
يكلمه تكليماً: (فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي يَا مُوسَى {11}
إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى
{12} وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى {13} إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ
لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي {14} إِنَّ
السَّاعَةَ ءاَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى
{15} فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لاَ يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ
فَتَرْدَى) (طه)، يا لروعة الاتصال! ويا لعظمة الوصية! الصلاة تذكرة وذكر وذكرى، والذكرى
تنفع المؤمنين.
والذكر والتذكر
يخرجنا من دائرة الغفلة وينقي قلوبنا ويفتح لها أبواباً للتلقي ويجعلنا من
المبصرين: (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ
طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ) (الأعراف: 201)، ولأن الله أراد أن يخرج قوم موسى من غفلتهم وينقلهم من
تيه الجهل والكبر إلى نور الحق ورحاب العلم لذا فقد وجه دعوته إلى الكليم وأخيه أن
السبيل لعلاج هؤلاء المعاندين المتعنتين هو إقامة الصلاة؛ (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَن
تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً
وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) (يونس: 87).
وهل إيمان بلا
صلاة إلا ادعاء! وهل صلاة بلا خشوع وتدبر، بلا إقامة لأركانها وتحقيق لشروطها إلا
ضرب من الطقوس الظاهرية التي لا روح فيها ولا ثمرة لها! استمع إلى القرآن وهو
يحدثك عن بعض ممن يحرفون الصلاة عن حقيقتها ويلبسون على الناس بها: (وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ
إِلاَّ مُكَاء وَتَصْدِيَةً فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ) (الأنفال: 35)، هؤلاء الذين تلاعبوا بالصلاة وجعلوها لعباً ولهواً،
وحرفوها عن مقاصدها واشتروا بها ثمناً قليلاً، هؤلاء كم لاقى أنبياء الله من
تعنتهم ومكابرتهم عن قبول الحق، وأمثال هؤلاء لا يزال بعضهم بيننا حتى لو ادعوا الانتساب
إلى أمة الصلاة فيها هي الركن الثاني إيماناً وإسلاماً.
إلى محراب زكريا
ننطلق، فإذا الملائكة تناديه مبشرة إياه بيحيى وهو الذي دعاء ربه قائلاً: (رَبِّ لَا تَذَرۡنِي فَرۡدٗا وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلۡوَٰرِثِينَ)
(الأنبياء: 89)،
فما حال زكريا عليه السلام عندما جاءته البشرى، القرآن يصف لنا حاله: (فَنَادَتۡهُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ
وَهُوَ قَآئِمٞ يُصَلِّي فِي ٱلۡمِحۡرَابِ
أَنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحۡيَىٰ مُصَدِّقَۢا بِكَلِمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ
وَسَيِّدٗا وَحَصُورٗا وَنَبِيّٗا مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ)
(آل عمران: 39)،
حضور وتقوى، صلاة وبشرى.
البشرى امتددت
من قبل إلى امرأة عمران، ونعم الآل آل عمران، يكفيهم أن الله اصطفاهم: (إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰٓ ءَادَمَ
وَنُوحٗا وَءَالَ إِبۡرَٰهِيمَ وَءَالَ عِمۡرَٰنَ
عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ) (آل عمران: 33)، لقد جاءتها البشرى بمريم، النبت الطيب المبارك، وبعد
حين يأتي موعد مميز لمريم عليها السلام: (وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ
اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ {42} يَا
مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ) (آل عمران)؛ قنوت وركوع وسجود يعطي مريم قوة وثقة ويزيدها توكلاً
ويقيناً ويجعلها أهلاً لأن تكون أماً للمسيح عليه السلام، رسول الله وكلمته.
ولما أتت به
قومها تحمله نطق الوليد في المهد ردا على أولئك الذين شككوا أو احتاروا في مجيئه
إلى الدنيا دون أب، فماذا كانت كلماته: (قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ
وَجَعَلَنِي نَبِيّاً {30} وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي
بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً {31} وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ
يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً) (مريم)، إنه عبد الله، والله هو الذي وصاه بالصلاة والزكاة،
وهل يشقى من ينقي نفسه ويزكيها بطيب اللقاء بالرحمن وبذل المعروف لعباده؟!
أما مع حبيب
الخلق وإمام الرسل صلى الله عليه وسلم فإن للصلاة ذوقاً خاصاً وطعماً مميزاً، لقد
كانت مرفأ سكينته وموطن راحته، إنها كما وصفها قرة عينيه، وهل تقر العين إلا بما
تحب! وهل تأنس النفس إلا بلقاء من تحب!
لقد أقامها حق
إقامتها، وعلمنا كيفية أدائها وعرفنا عمق أسرارها، قال لنا: «صلوا كما رأيتموني
أصلي»، وقد رأيناه يطمئن فيها ويحسن أداءها، رأيناه عبر وصف صحابته لها خاشعاً
يطيل ركوعها ويكثر الدعاء في سجودها، كلما حزبه أمر فزع إليها وهرع إلى ملكوتها،
ينادي مؤذنه بلالاً رضي الله عنه أن «أرحنا بها يا بلال»، ويرد على عائشة عندما
رأته يطيل فيها حتى تورمت قدماه: «أفلا أكون عبداً شكوراً».
من انتمى إلى
مدرسة محمد حقاً يدرك عظمة الصلاة ويسير على خطى نبيه والأنبياء من قبله في القيام
بها والمسارعة إليها.
اليوم ما حالنا
مع الصلاة؟ هل نحن إليها مسرعون أم عنها ساهون؟ هل نحن فيها من الخاشعين أم من
الغافلين؟ لو رأى النبي صلى الله عليه وسلم صلاتنا، هل سيسر لحالنا معها أم سيقول
لنا: «صلوا فإنكم لم تصلوا»؟
عندما نسمع
النداء هل نستجب بخفقات قلوبنا ونبضات مشاعرنا لنقبل إليها وننال الفلاح ليتحقق
فينا قوله تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ {1}
الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ) (المؤمنون)، أم أننا ضيعنا وخنا «حي على الصلاة»، فلا صلاح ولا
فلاح؟!
هل نرتاح بها أم
أننا نأتيها كسالى لنرتاح منها؟ هل أنصفناها أم ظلمناها وظلمنا أنفسنا؟ فكانت
النتيجة بعد عن الله وهوان على خلقه.
الصلاة من أحسن
إليها أحسنت إليه، ووجد أثرها في حياته سعادة وهناء، روحاً وريحاناً، ومن ذاق روعة
رحيقها صار نوراً يمشي على الأرض، فاللهم اجعلها قرة أعيننا وواحة عشقنا، اللهم
اجعلنا ممن يسارع إليها ويرتاح بها ولا تجعلنا من الذين عنها غافلون وفيها ساهون.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً