الصراع بين الفكرة الإسلامية والفكرة الغربية
عندما أتحدث عن
السيد أبي الحسن الندوي فإنني أتحدث عن كاتب إسلامي عظيم من طبقة العلماء القلائل
الذين جمعوا بين العرض الموضوعي العلمي الدقيق وبين المقارنة الواسعة والحل
المناسب ضمن أسلوب أدبي رصين جمع بين بلاغة الأولين وسهولة المتأخرين فهو عندما
يتحدث في كتابه (الأركان الأربعة) عن الصلاة مثلًا فهو يبدأ بادئ ذي بدء بما وراء
هذه العبادة من ضعف بشري وحاجة فطرية للارتباط ثم يتسلسل فيها للحديث عن طبيعة
البشر وصلاتهم بالله رب العالمين، حتى إذا ما عرض تلك الجوانب جميعًا بدأ في
الموازنة بين الطرح الموضوعي والإرشاد الهين السهل البعيد عن روح الغلظة والتهجم
ثم ختم موضوعه بالشواهد القرآنية والنبوية وأكد ذلك بالسيرة وتاريخ الرجال
وبالمقارنة الممتعة بين الأديان السماوية في هذا المضمار .
ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟
وهذا هو الحال
في كتابه «ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين» الذي كتبه عام 1950م فانتشر انتشارًا
فريدًا ولقي إقبالًا عجيبًا من العلماء والعامة على حد السواء حتى إن الدكتور محمد
يوسف موسى يقول عنه: «إن قراءة هذا الكتاب فرض على كل مسلم يعمل لإعادة مجد
الإسلام»
وفيه يقول
الشهيد سيد قطب: وهذا الكتاب لا يعتمد على مجرد الاستثارة الوجدانية العصبية
الدينية، بل يتخذ الحقائق الموضوعية أداته، فيعرضها على النظر والحس والعقل
والوجدان جميعًا، ويعرض الوقائع التاريخية والملابسات الحاضرة عرضًا عادلًا
مستنيرًا، ويتحاكم في القضية التي يعرضها كاملة إلى الحق والواقع والمنطق والضمير
فتبدو كلها متساندة في صفه وفي صف قضيته بلا تمحل ولا اعتساف في مقدمة أو نتيجة
وتلك مزية الكاتب.
من ذلك العرض
السريع نلاحظ أن الكاتب قد جمع بين مزايا عديدة جعلته من أقدر الباحثين المعاصرين
على معالجة الأمور الإسلامية ضمن عقلية علمية دقيقة وإيمان هادئ وهذا ما سنراه من
خلال عرضنا لكتابه الثالث: - الصراع بين الفكرة الإسلامية والفكرة الغربية
المعركة الفكرية
يرى المؤلف أن
الصراع الفكري بين الإسلام والغرب هو معركة بحد ذاته وإن هذه المعركة هي التي
ستقرر مصير العالم الإسلامي، وقد بدأ الغرب على يد -من يملكون زمام البلاد- بنشر
وزرع أفكاره ومعطياته حتى إن معالم الازدهار الفكري الغربي قد ظهر جليًا في بعض
الدول الإسلامية فبدأت الأخيرة تغير من مفاهيمها الدينية وتقاليدها القومية
وقوانينها الإسلامية مقابل أخرى غربية مخالفة في كل أصل وكل أساس وبهذا اقتربت تلك
الدول الإسلامية من الانصهار التام في بوتقة الحضارة الغربية.
وهذه المعركة
-كما يرى الكاتب– هي المعركة الحقيقية بين الصليبية والإسلام ولذا وجب على
المسلمين أن يحددوا وبكل دقة موقفهم وموقف بلادهم نحو هذه الحضارة الغازية وأي
منهج يسيرون عليه للتوفيق بين الأخذ من معطيات الحضارة الغربية والمحافظة على روح
الإسلام وذاتية الواقع الإسلامي وانطلاقًا من أهمية هذه المعركة ومدى تأثيرها على
التقدم الإسلامي بشكل أساسي مغال فقد كتب الكاتب بحثًا بعنوان: «موقف العالم
الإسلامي تجاه الحضارة الغربية» وطوره إلى هذا الكتاب الذي بين يدينا ترجمته وهو
بحث مطول منصف للمشكلة أو المعركة الحضارية وأهمية التخطيط لحلها وتلافي امتداد
سمومها إلى بقية الأقطار الإسلامية.
الطريقان!
ركز الكاتب في
فصله الأول على النقاط التالية:
1- العزلة عن
التطور المادي الأوروبي ومعطيات الحضارة الأوروبية الفتية أمر لا يقره الإسلام ولا
يأتي بخير على الأمة الإسلامية سيما وأن في الحضارة الأوروبية ما يمكن الاستفادة
منه في تطوير بلادنا وتحسين المستويات الصحية والعسكرية والتعليمية فيها.
وقد ذكر المؤلف
بالتفصيل مدى التخلف الذي كانت تعانيه الحجاز قبل ما يقارب خمسين سنة واستشهد
بكتاب الأستاذ محمد أسد "الطريق إلى مكة"، في هذا المضمار، وقد عرض كذلك
عرضًا شيقًا مؤلمًا لحقيقة الأوضاع في أفغانستان على ضوء ما ذكره الأستاذ ظفر حسن
أيبك في زيارة لها عام 1915م ومما قاله ضمن ذلك أن نسبة المتعلمين في الشعب لا
تزيد عن اثنين في المائة، وكان جل هؤلاء المتعلمين قد تلقوا ثقافتهم في المدارس
الدينية والكتاتيب، ولعل الملوك في الزمن القديم كانوا يخافون أن يتعلم أهل بلادهم
فتتفتح عيونهم ويقودهم ذلك في بعض الأحيان إلى الثورة على حكمهم المطلق المستبد،
فلم يكن يوجد في عهد الأمير حبيب الله خان (الملقب بسراج الملة والدين) إلا ثانوية
مدنية حكومية ومدرسة عربية ابتدائية، ويضيف: خرجنا نبحث في جلال أباد على الورق
الذي نكتب عليه الرسائل والظروف التي نغلفها فيها فعرفنا أنه لا يوجد في البلد
دكان يباع فيه القلم والدواة، أما الورق فيباع في دكان الجزار وأما القلم والدواة
فلا وجود لهما في السوق ثم يستعرض العلامة الندوي تطور الأحداث في أفغانستان حيث
قامت بعض الاتجاهات الحديثة للاغتراف من الحضارة الغربية، ويوازن بشيء من العجلة
بين حالة المجتمع الأفغاني -الإسلامية- في مدى ثلاثين عامًا فيقول في قصة تحرر
المرأة الأفغانية من الحجاب الشرعي: يعسر على الذين يسكنون خارج أفغانستان أن
يقدروا مدى تأثير هذا التطور-الاغتراف الغربي الغوغائي- على نساء الأفغان فبينما قد خلع العلماء الملك
أمان الله خان وحرم عرش آبائه قبل 22 عامًا لأنه سمح لعقيلته بأن تخرج سافرة، نجد
أن السفور ينتشر انتشارًا سريعًا بين نساء أفغانستان وقد بدأت النساء يخرجن سافرات
من آب -أغسطس- عام 1959 إثر منشور ملكي سمح للنساء بالسفور وطرح الحجاب.
وعلى نفس
المنوال يعرض الندوي لأحوال اليمن فيقول نقلًا عن مسئول في «روز اليوسف» المصرية
كانت ميزانية اليمن عام 1955 هي خمسة عشر مليونًا، وكان الجيش مكونًا من ستة ضباط
عسكريين و14 ضابطًا عامًا، وكانت وسيلة المواصلات هي الحيوانات.
ثم يستعرض تخوفه
من الأنانية التي فرضت على شعب اليمن الوديع حربًا ضروسًا يقتل المسلم فيها أخاه
المسلم، وذكر أن أكثر من نصف مليون نسمة قد فقدت في تلك الحروب ثم يقول إن حرب
اليمن إذا ما أدت إلى انتصار الشيوعية في هذه البقعة، فستفقد البلاد كل شيء، ويكون
الأمر كما كان في بعض الأقطار الشرقية -لا دين، لا كرامة، لا حرية، لا خبز-
وبعبارة مركزة «لا دين ولا دنيا» هذا ما نراه حقًا وبكل أسف!!
السلبية خطأ ولا شك
إذن فقد وضَّح
الأستاذ أن الموقف السلبي من معطيات الحضارة الغربية المادية أمر خاطئ وإنه لا بد
من الانتفاع من تقدم تلك الأمم وعلومها ولكن ضمن معتقدات المنطقة وما يساير دينها
وظروفها الخاصة، وقد ذكر بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم انتفع من خبرة الفارسي
في الحروب فأشار عليه بحفر الخندق على ما تعود عليه الفرس في دفاعهم وعلى هذا فلا
مانع شرعًا من الاقتباس والأخذ والانتفاع من علوم وتقدم الأمم الأخرى مهما كانت
ديانتها ومكانتها العدائية من الأمة الإسلامية ويحضرني مقابلة لهذا الرأي الشرعي
ما يقوله الأستاذ الشهيد سيد قطب صاحب الظلال حيث يرى أن المعارف تنقسم بشكل عام
إلى علوم إنسانية وعلوم مادية، أما الأول فهو خاص بالأمة يحظر عليها -إذا ما أرادت
أن يكون لها معنى حضاري- أن تتعرف للعلوم الإنسانية التابعة للأمم الأخرى-، وأما
العلوم المادية فمشاع لكل الأمم، فالطب والفلك والرياضيات والاختراعات والصناعات..
كل ذلك يدخل ضمن المجموعة الثانية من العلوم والتي لا مانع من اقتباسها أو نقلها
كبداية مرحلية في التكوين والتطوير وهذا ما أراده الندوي مما تقدم إيضاحه.
الاستسلام والانبهار
يقابل الكاتب في
فصله الثاني بين الطريقين: العزلة والاستسلام وقد أعطى رأيه في الأول ويوضح مجموعة
من الآراء القيمة في الطريق الثاني ويعطي مثلًا لتركيا التي سبقت إلى هذا التفكير
ومرت في أطوار متصارعة بين قوى القديم الشيوخ -وقوى الجديد- الذين تشربوا الحضارة الغربية ثم يفصل الفلسفات الحديثة التي دعت وعملت إلى
الاستسلام والانبهار ومنها فلسفة ضياء كوك الب 1875 التي دعت إلى سلخ تركيا من
ماضيها الإسلامي ودعا إلى اتحاد إسلامي خالصًا، وفلسفة نامق کمال 1840 الذي سبق
الب وحمل لواء القيم الإسلامية ودعا إلى اتحاد إسلامي عالمي تحت قيادة العثمانيين
الأتراك، كما ودعا إلى الموازنة بين الحفاظ على روح الإسلام وقيم المجتمع الأصيلة
وبين الاستفادة من الحضارة الغربية والعلوم الحديثة.
وقد وازن الكاتب
بين الفلسفتين ووضح السبب في تفوق الاتجاه العلماني الذي دعا إليه الأول وعزاه
لوجود الشخصية التركية القوية المساندة له والعاملة على تحقيقه في عالم الحقيقة
ألا وهي كمال أتاتورك.
كمال أتاتورك بين الخمر والجنس والحكم
«كان شديد
الغرام بالإناث يجلبه هذا الجنس كالمغناطيس، كان يتسلى بالخمر ويشغل نفسه به ويرفع
قبضته متحديًا الله هازئًا بوجوده كان يقول: ألم يطلع هؤلاء المتدينون على الطاقة
الكهربائية التي تشتغل بسرعة، إنها أقوى من كل قوة، كان مصممًا على سن القانون
لتحريم الدين في تركيا ولو احتاج ذلك إلى استخدام القوة وإلى الخدعة والتضليل كان
يكره الدين ويعبد الحضارة الغربية وقد رمى المصحف في وجه شيخ الإسلام ومنع الزي
الإسلامي والطربوش وألزم لبس القبعة الغربية اقتداء بالغرب.
«وقد أمر بشنق
أعداد هائلة من المعارضين لقراراته الثورية هذه»، هكذا قدم الندوي لحديثه عن
أتاتورك كحاكم دكتاتوري أعجب بالحضارة الغربية وحارب الإسلام وعمل على خلق دولة
تركية علمانية على أنقاضه ويقول الندوي إن تركيا بعد أتاتورك قد أصبحت طليعة حركة
التجديد والتغريب وقد نهج نهجها الكثير من الدول الإسلامية مما جعل دور أتاتورك من
أخطر الأدوار التاريخية التي أدت إلى تحطيم الكيان الإسلامي ونشر بذور العلمانية
والتحول إلى الإلحاد والتمرد على التاريخ الإسلامي وكل علاقة فيه كذلك ينتقل
العلامة إلى تفصيل الصراع بين الشرق والغرب في الهند والقيادات الدينية التي تولت
النضال ضد الإنجليز وحركة التغريب والتمييع وقابل بين حركة ندوة العلماء التي
أسسها محمد علي المونكيري وقادها الأستاذ شبلي النعماني وبين مدرسة السيد أحمد خان
الذي وضع تفكيره في إطار تقليد الحضارة الغربية والسير في ركابها ثم وازن بين
الاتجاهين الإسلامي الصرف المتمثل في حركة ندوة العلماء وبين الاتجاه الانبهاري
الغربي المتمثل في مدرسة أحمد خان والتي كان لها بعض الفضل في إيجاد المجال الفكري
الإصلاحي على الأقل.
الحركة الإسلامية في مصر وتأثيرها
يوضح الكاتب أن
مواقف الأفغاني ومحمد عبده لم تكن على مستوى المواجهة الضخمة التي تتعرض لها الأمة
وقد كان في حركة الإخوان المسلمين كبرى حركات الشرق الأوسط الدينية والسياسية أمل
كبير في تجديد القوة الإسلامية ويقول الندوي لقد ظهر عبر تاريخ هذه الحركة
المفكرون والباحثون والنوابغ ورجال الاختصاص الفني والدراسات الواسعة وهم طلائع
الانطلاقة الذاتية الحقة دون شعارات زائفة أو معتقدات مستوردة، ثم يستشهد بكتاب
الأستاذ سميث:
ويقول: إنه يريد
أن يقدم للقراء حقيقة الحركة الإسلامية على لسان شخص لا يمثلهم ولا يمت لهم بأية
صلة.
ثم يستعرض
لحركات التشكيك التي قام بها المفكرون في مصر أمثال رفاعة الطهطاوي وقاسم أمين
وأحمد لطفي السيد، وطه حسين، وسلامة موسى، وهيكل.. ويقابل بين تلك الأفكار وأفكار
الإخوان في الميزان.
يلخص الكاتب
آراءه في خاتمة رائعة فيقول إنه لا بد من عودة الإسلام ولا بأس من الاستفادة من
الغرب في مضمار العلوم والصناعة والأبحاث العلمية والفنية وبهذا يجمع المجتمع
الإسلامي بين الغاية النبيلة والوسيلة العصرية الصالحة للتقدم والنهوض، ويضرب
مثلًا لإمكانية التقدم باليابان ويقول بأن الحضارة الغربية أشرفت على الانهيار
وأذنت بالأفول والزوال وإنها لا تعيش ولا تواصل سيرها بمجرد قوتها الذاتية
وجدارتها للحياة والبقاء، بل لأنه ليست في هذا المجال -من تعاسة الحظ حضارة تحل
محلها وتسد فراقها.
إن جميع الحضارات المعاصرة لا تعدو نوعين: إما هي مقلدة جامدة وصورة باهتة للحضارة الغربية وإما هي ضعيفة هزيلة مريضة سقيمة منهزمة لا تستطيع أن تواجه هذه الحضارة أو تقف معها جنبًا إلى جنب، فإذا قامت هذه الدول الإسلامية لسد هذا الفراغ الذي سيحدث بعد نهاية هذه الحضارة وانسحابها عن مسرح القيادة رد إليه منصب قيادة الجنس البشري وتوجيه الشعوب المعاصرة مرة ثانية المنصب الذي لا يفوض إلا إلى أمة فتية قوية أبية تحمل كل عناصر البقاء والاستمرار والتقدم والازدهار وهكذا يطالب ويتنبأ الأستاذ الندوي بزوال حضارة وعودة قيادة: سنة الله (وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا) (الأحزاب: 62)([^1]).
للمزيد:
- إثيوبيا تسعى لفصل جزء جديد من الصومال في الجنوب الغربي
- السقوط المدبَّر.. هندسة التفتيت من التقسيم إلى خرائط الدم.
- كيف تُدار «حروب الوكالة» لتدمير سيادة الدول العربية؟
- مشاريع التفتيت.. قراءة مقاصدية في واقع العالم العربي.
- أرض الصومال على وشك السقوط في المستنقع الصهيوني!
- تفتيت الدول العربية والإسلامية.. من سايكس- بيكو.. إلى أمريكا- بيكو!