الصدمات النفسية في ظل الحروب وعلاجها

رقية محمد

15 أبريل 2026

96

يُعد الحفاظ على الصحة النفسية تحدياً خطيراً في ظل عالم يموج بالحروب وما يتبعها من ابتلاءات، حيث تترك آلامها الجسدية والنفسية على من بداخلها، وكذلك من هو خارجها كأثر لمشاهدتها على شاشات القنوات الإخبارية، وهنا يبرز أهمية الفقه بالصدمات النفسية وأثرها على حياة الفرد والمجتمع، وبيان عناية الإسلام بحفظ الجانب النفسي وتقويته لمواجهة ذلك التحدي.

وهذا المقال يبحث كيف ينظر الإسلام إلى الصدمات النفسية الناجمة عن الحروب، وما العلاج الذي يقدمه في ضوء أحكام الشريعة ومقاصدها.

مفهوم الصدمة النفسية وعلاقتها بالحروب

تُعرف الجمعية الأمريكية لعلم النفس (APA) مفهوم الصدمة النفسية: «استجابة انفعالية لحدث مروع، أو كارثة طبيعية، وقد تستمر هذه الاستجابة لفترة طويلة بعد وقوع الحدث لدرجة أن يكون لها أثر سلبي طويل المدى على اتجاهات الشخص وسلوكه وجوانب أدائه الأخرى»(1)، ويمكن توضيح علاقة التلازم بين الإصابة بالصدمة النفسية والحروب من خلال دراسة علمية محكمة ذُكر فيها أن الأفراد المعرضين للنزاعات المسلحة -خاصة الأطفال والنساء- أكثر عرضة بثلاثة أضعاف للإصابة باضطراب مــا بعــد الصدمة (PTSD) أو اضطرابات القلق أو الاكتئاب الشديد(2).

تأثير الصدمات النفسية

يتوهم البعض أن الآثار الجسدية للحروب تكمن في الإصابات المباشرة التي يستطيعون عدها وإحصاءها ويغفلون الإصابات الجسدية غير المباشرة الناتجة عن الصدمة النفسية للحرب، وتختلف الاستجابة الجسدية لتلك الصدمات من شخص لآخر، ولكنها تشمل: التلعثم، وصعوبات في الذاكرة، والصداع وضيق التنفس المفاجئ، والشلل المؤقت، والتشتت، وفرط الحركة، وآلام المعدة، والإرهاق، وضعف الأداء البدني، وفقدان الشهية، والتبول اللاإرادي عند الأطفال، والهلع والقفز عند سماع أصوات عالية.

وكل هذا بخلاف الآثار النفسية المباشرة للصدمات التي تتمثل في: الشعور بالقلق، والاكتئاب، والرغبة في الانعزال، وفرط الاستثارة، والعصبية، والأرق، وتغيرات سلبية في المزاج والتفكير، والهروب من كل ما يذكر بالصدمة(3).

وقاية الإسلام الاستباقية من الصدمات النفسية

لم يترك الإسلام نفوس المؤمنين به فريسة للصدمات، بل بنى لهم جداراً نفسياً متيناً ضدها؛ ما يجعلهم أكثر صلابة ومرونة أمام الابتلاءات، ويتجلى إعداده لهم قبل أن تقع الحروب وتنفجر الصدمات من خلال الآتي:

1- الإيمان وقوة النفس:

الإيمان ليس مجرد شعور، بل هو غرس في القلب تتجلى آثاره على الجوارح، فكلما قوي ذلك الغرس قويت الجوارح في مواجهة الصدمات، يقول الله تعالى: (قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) (البقرة: 249)، فبين أن هذه الطمأنينة الربانية أقوى مضاد للآثار النفسية التي تسببها الحروب، وأنها هي سبب البصيرة والصبر واليقين في وعد الله.

2- التهيئة النفسية من سير السابقين:

فقد قص الوحى على المسلمين قصص السابقين وما فيها من حروب وتضحيات، فقصصه وآياته ترسخ في النفوس أن الطريق إلى الحق مليء بالابتلاءات الجسدية والنفسية القاسية، قال الله عز وجل: (وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرين)  (البقرة: 155)، فهذا البيان لأنواع الابتلاءات المختلفة من الشعور بالخوف والجوع ونقص الأموال والثمرات وفقدان الأحباب؛ هو بمثابة تبصير للمؤمن، فلا تدمره صدمة المفاجأة، لأنه يتعامل مع واقع سبق وأن استعد له.

3- القوة المادية كداعم نفسي:

ربما ينظر البعض للأمر الإلهي: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ) (الأنفال: 60) أنه استعداد مادي فحسب، ولا يدركون ما فيه من الحماية النفسية للمسلم، فمؤكد أن الاستعداد البدني والقدرات المادية يصحبها تخيل لماهية المواجهة، وهذا يقلل من الشعور بالخوف عند حدوثها، وينمي الجرأة وعدم التخاذل وحسن التفكير وصواب القرار، فيكون أقل استجابة للصدمات.

4- الوعي بحقيقة الصراع:

وهو العدة طويلة المدى، وقد أنار الوحي وعي المسلمين بالتصورات المركزية، ومنها دوام الصراع بين الحق والباطل منذ لحظة الخلق وصراع الإنسان الأول آدم عليه السلام مع الشيطان وحتى قيام الساعة، قال الله عز وجل: (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا ۚ إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ) (فاطر: 6)، فهذا التصور يُجهز نفسية المسلم على المدى الطويل، فلا يُغر بأوقات الهدوء، ولا ييأس بطول مدة الصراع، ولا يفاجأ عند حدوث بعض تمثلاته، بل سيتعامل مع ذلك بنفسية من هو محمل بإرث قديم سبقه فيه الكثيرون، وسيراها على حقيقتها كجزء من الصراع الأبدي بين بني آدم عليه السلام والشيطان وجنده.

قواعد الإسعاف النفسي الإيمانية بعد وقوع المصيبة

من ضمن إعدادات الوحي للمسلمين أنه أعطاهم طرق الوقاية النفسية قبل الصدمات، وكذلك علمهم طرق الإسعاف النفسي بعد وقوعها، وهي كثيرة يتواتر ذكرها في نصوص الوحي، ومنها:

1- الصبر عند الصدمة الأولى:

وجه الله عباده للتصرف الأمثل عند وقع المصيبة في قوله تعالى: (الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) (البقرة: 156)، وهذا الاحتساب عند وقوع المصيبة يذكره بأن لا شيء دائماً في الدنيا، وأنه حينما يعود إلى الله سيجد ثواب ذلك المصاب، فتقوى بذلك عزيمته، ولا يجزع، وتلك العناية الإسلامية باللحظات الأولى للصدمة سبقت الأبحاث العلمية الحديثة بآلاف السنين التي نصت على أن «أول لحظات الصدمة هي الأكثر حسماً في مسار التعافي»(4).

2- الدعاء والنهي عن الجزع:

عندما تقع المصيبة ربما يشعر الإنسان بالعجز الشديد وقلة الحيلة، أو يظن أنه قد حُرم خيرًا لن يرزق مثله، ولذا أتى التوجيه بالصبر مقرونًا بالوعد في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَا مِن مُسلِمٍ تُصيبُه مُصيبةٌ، فيَقولُ ما أمَرَه اللهُ: (إنَّا للَّهِ وإنَّا إليه راجِعونَ) (البقرة: 156)، اللهمَّ أْجُرني في مُصيبَتي، وأخلِفْ لي خَيرًا مِنها، إلَّا أخلَفَ اللهُ له خَيرًا مِنها» (صحيح مسلم، 918)، فهذا الدعاء يصبره عن مصيبته بالوعد بالثواب، ويزرع فيه الأمل في أن الله سيخلف عليه، فيحميه ذلك من توغل الحزن وسيطرته على نفسه وقلبه.

3- الاحتواء الاجتماعي:

إن المسلمين إخوة، ومن حقوق الأخوّة عند وقوع المصيبة الرحمة بالمصاب والتلطف به، وتوصيته بالصبر، عملاً بقول الله تعالى: (وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ) (البلد: 17)، وكذلك مد يد العون له ومواساته بكل مستطاع، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «واللهُ في عونِ العبدِ ما كان العبدُ في عونِ أخيه» (صحيح مسلم، 2699)، فهذا الاحتواء المجتمعي يمد المصاب بقوة نفسية ويساعده على التماسك وتجاوز مصابه بشكل أفضل.

4- التسليم بالقضاء والقدر:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما يُصيبُ المُسلِمَ مِن نَصَبٍ ولا وصَبٍ، ولا هَمٍّ ولا حُزنٍ، ولا أذًى ولا غَمٍّ، حتَّى الشَّوكةِ يُشاكُها، إلَّا كَفَّرَ اللهُ بها مِن خَطاياه» (صحيح البخاري (5642) واللفظ له، ومسلم (2573))، فقد سبق الإسلام الطب النفسي الحديث في استخدام المعرفة كعلاج سلوكي، فقد أعاد الإسلام تعريف المصيبة في نظر المسلم، فهي سبب رفعة الدرجات وتكفير الخطيئات، والابتلاء هو قدر الأنبياء والصالحين، وهذا مما يمد المسلم بقوة نفسية وطاقة لتحمل تلك المقادير.

إن الإسلام أعد المسلمين نفسياً بطريقة فريدة لا توجد في أي نظام آخر، لذا؛ فالمسلم المحتمي بالوحي قوي نفسياً وقادر على الصمود في وجه أقسى الصدمات ومنها الحروب، فلا يصيبه ما يصيب غيره من جزع وقنوط.



الهوامش
  • 1 American Psychological Association (APA) (2025). Trauma. APA Topics.
  • 2 .Carpiniello, Bernardo. "The Mental Health Costs of Armed Conflicts—A Review of Systematic Reviews Conducted on Refugees, Asylum-Seekers and People Living in War Zones." International Journal of Environmental Research and Public Health, Vol. 20, No. 4, 2023, p. 8.
  • 3 يراجع: Maria Arini Lopez, “Scars Unseen, Enduring The War of Effects On Children’s Mental Health”, 16 February 2024.
  • 4 Olff et al., "The impact of trauma and how to intervene," European Journal of Psychotraumatology, 2025; وSheba Medical Center, "The Golden Hour and Its Relevance in PTSD," 2023.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة