الصحفيون في غزة.. شهداء يبحثون عن الحقيقة!

د. جاسم الشمري

02 سبتمبر 2025

1096

الصحافة ليست مهنة، بل هي رسالة نبيلة تهدف لدعم الإنسان وصيانة الكوكب بما يخدم وينظم الحياة الإنسانية الآمنة المطمئنة النقية.

والصحافة الأصيلة هي التي تنقل الحقيقة دون تزوير ولا تحوير للوقائع، وهي التي تهتم بالإنسان وحقوقه، وتنقل هموم الناس وتسلط الضوء على حقوقهم وكرامتهم وإنسانيتهم.

ودور الصحافة؛ الورقية والإلكترونية، لا يمكن نكرانه، وهي الداعم الأكبر للدول والناس للحفاظ على الأمن والسلام وإفشال المؤامرات الهادفة لقلب الحقائق والإضرار بالأمن المجتمعي.

والصحافة الحرّة ينبغي أن تحمل الرأي والرأي الآخر والتحليلات المتينة القائمة على الحقائق وليس الأوهام، والمستندة إلى دقة المعلومة والحيادية في الطرح.

والصحافة الراقية يفترض أن تبتعد عن الوقوع في فَخّ «قلب الحقائق» والوقوع في مصيدة المواقف الرسمية المعادية المزيفة للوقائع والحقائق.

والصحافةالمهنية تنقل في عالمنا الحالي الصورة قبل التوصيف؛ لأن الصورة أهم وأقوى من الكلمات مهما كانت عالية وراقية؛ ولهذا، فإن الصحافة الموضوعية تنقل الأحداث بالصورة والكلمة، ولا تنقل جانباً من الحقيقة للتمويه والتضليل والخداع، وتغليف الحقائق، وهذا ما يحدث في أرض غزة المليئة بالرعب والخوف والصمود والتضحيات.

ووفقاً للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، فإن عدد شهداء الصحافة (من الصحفيين والعاملين في الإعلام) حتي يوم 31 أغسطس 2025م بلغ 247 شهيداً، غير الجرحى!

وأكبر ضحايا شهداء الصحافة في يوم واحد كان في 25 أغسطس الماضي؛ حيث أعلن الدفاع المدني بغزة مقتل 15 شخصاً بينهم 4 صحفيين وعنصر في الدفاع المدني في ضربتين «إسرائيليتين» استهدفتا مستشفى ناصر في خان يونس بجنوب القطاع.

ووصفت نقابة الصحفيين الفلسطينيين الغارتين بأنهما «جريمة اغتيال» لـ4 صحفيين، هم: محمد سلامة، مصور قناة «الجزيرة»، ومريم أبو دقة، ومعاذ أبو طه، وحسام المصري.

والمؤلم أن بعض اللقطات التي نشرتها «وكالة الأنباء الفرنسية» بعد الضربتين مباشرة وأظهرت محاولة العشرات لإجلاء الجرحى من طابق مرتفع في المبنى وقد تدلّى منه رأس وجزء من جسد شخص يبدو أنه من بين القتلى، وفي داخل المستشفى كان هناك مصابون امتلأت وجوه بعضهم بالدماء!

وفي اليوم نفسه، استشهد الصحفي حسن دوحان، إثر إصابته برصاص جيش الاحـتلال «الإسـرائيلي» داخل خيمته في منطقة المواصي بخان يونس، وهذه جرائم متعمدة مع سبق الإصرار والترصد!

وسبق لقناة «الجزيرة» أن فقدت ثُلّة من صحفييها، حيث اغتالت «إسرائيل»، في 10 أغسطس 2025م، بغارة جوّية على القطاع الصحفي الفلسطيني أنس الشريف من قناة «الجزيرة»، واستشهد في الغارة التي استهدفت خيمة إعلامية خارج مجمع الشفاء الطبي 4 صحفيين آخرين من «الجزيرة»؛ محمد قريقع، وإبراهيم زاهر، ومحمد نوفل، ومؤمن عليوة، إلى جانب اثنين آخرين.

فهل تحاول «إسرائيل» ذبح أهالي غزة بعيداً عن الإعلام؟ وهل تسعى لإسكات الكاميرات ودفن جرائمها عبر قتل المراسلين والمصورين من الفلسطينيين والأجانب الذين يضحون بأرواحهم لنقل الحقيقة للعالم؟

والملاحظ أن «إسرائيل» تتعمد استهداف المناطق المحرمة بموجب القوانين الدولية، ومنها المستشفيات ومقار وسائل الإعلام وسياراتهم، وسيارات الإسعاف ومراكز توزيع المساعدات الغذائية، وهذا يؤكد همجيتها وضربها للقوانين الإنسانية الدولية عرض الحائط!

ومَن يتابع أخبار غزة منذ ما يقرب من 700 يوم يلاحظ أن بعض الوكالات العالمية، ومنها وكالات رصينة تحاول التعمية والتضليل بما يتعلّق بالجرائم الصهيونية في غزة ضد المدنيين والصحفيين والكوادر الطبية والمتطوعين، وهذا لا يتفق مع المواثيق الصحفية العالميةوالإنسانية.

وهذه السياسات الإعلامية الشاذة دفعت المصوّرة الصحفية الكندية فاليري زينك لتقديم استقالتها من العمل مع وكالة «رويترز» للأنباء، في 26 أغسطس الماضي؛ وذلك احتجاجاً على دور الوكالة في تعزيز دعاية «إسرائيل» وتبنّي مبرراتها بقتل الصحفيين الفلسطينيين في قطاع غزة، وذلك وفقاً لتحقيق موقع «ديكلاسيفايد» (declassified) البريطاني، الذي كشف انحياز «رويترز» لـ«إسرائيل» في تغطية حرب الإبادة الجماعية المستمرة على غزة.

ومع هذه المآسي، نجد أن بعض الوكالات تتغاضى عن الواقع، وهذه المواقف تعتبر مجاملات قاتلة وضاربة لمواثيق الصحافة والإعلام وتتنافى مع الأخلاق الإنسانية،

ولا ندري هل هنالك من الصحفيين والإعلاميين والناشطين من يُساهمون في قتل أو تضييع حقوق زملائهم من العاملين في مناطق القتال من القنوات الأخرى، قبل حقوق الضحايا من المدنيين؟!

وهكذا فإن الإعلامي المحايد شهيد يمشي على أرض غزة، وكاميرته وصوته وموقفه الإنساني يوازي المقاومة الثابتة للاحتلال ومشاريعه التوسعية الهمجية.

الصحفيون في غزة يبحثون عن الحقيقة، وهم مشاريع استشهاد في أي لحظة!

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة