الزكاة.. عبادة غائبة وقوة تنموية مهدورة

د. محمد السبأ

28 يناير 2026

60

الزكاة فريضة فرضها الله تعالى، وهي الركن الثالث من أركان الإسلام، وهي عبادة مالية كما أن الصلاة عبادة بدنية، وكلاهما –كسائر العبادات- دافعها تقوى الله في قلب المسلم وطلب رضاه وجنته.

وقد قرنها الله في القرآن مع الصلاة في 82 آية، منها: قوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ) (البقرة: 43)، وقال تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (البقرة: 110)، وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) (البقرة: 277)، وغيرها من الآيات التي تبيِّن أهمية الزكاة في الإسلام.

كما ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم في العديد من الأحاديث الشريفة، منها حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أُمِرتُ أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله»(1).

والزكاة ‌هي النماء والزيادة، وهي التعبد لله بإخراج حق واجب، في مال خاص، لطائفة مخصوصة، في وقت خاص(2)، قال تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (التوبة: 103).

الزكاة فريضة إلهية وليس عملاً اختيارياً

الله سبحانه أعلم بمصالح العباد في الدنيا والآخرة، وهو أرحم بعبده المسلم من نفسه، وقد فرض عليه الزكاة لمصلحته هو في المقام الأول، ومن رحمة الله أنه أعطاك المال ثم طلب منك بعضه، سواء عن طريق الفرض كالزكاة، وذلك حتى تتطهَّر ويزيد مالك وخيْرك ويضع الله لك البركة، أو عن طريق الصدقة التي ترفع أجرك وتزيد عند الله قدرك.

ومن عجائب الإنسان أن يبخل بمالٍ أعطاه الله إياه وتفضل عليه به، ولذلك حذَّر الله فقال: (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) (آل عمران: 180).

وبعض الأغنياء قد يعجز عن دفع الزكاة لا لقلَّة ما يملك، بل لعِظَم ما يراه خارجًا من ماله، فتتنازعه نفسُهُ بين حبِّ التملُّك والخوف من النقص، ويغفل أن هذا المال لم يُنقِصه العطاء يومًا، بل زكّاه وطهّره وبارك فيه، ولو أعمل الغني عقله لأدرك أن الزكاة حقٌّ ثابت لا خسارة فيه، وضمانٌ لاستقرار المجتمع الذي يحفظ ماله قبل غيره، وما يمنعه اليوم هو وهْمُ الفقر، لا حقيقة الغنى، ولو غلب الإيمان على الشح؛ لانقلب ثِقَل الإخراج طمأنينةً ورضًا.

وقد جعل الله من صفات المنافقين قبْض اليد؛ (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (التوبة: 67)، وقال الله: (أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى {33} وَأَعْطَى قَلِيلاً وَأَكْدَى) (النجم)؛ أي أعطى قليلاً ثم انقطع عطاؤه(3)، وهو حقٌّ فرضه الله؛ (وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ {24} لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) (المعارج).

الزكاة الضائعة في واقع المجتمع المسلم

الزكاة أحد أسس الاقتصاد الإسلامي الجوهرية، وتظهر مظاهر إهمال الزكاة في الواقع المعاصر بصور عديدة، وهذه المظاهر مجتمعة تُفرغ الزكاة من دورها التعبدي والإصلاحي، وتُحوّلها من نظام عدلٍ دائم إلى ممارسة شكلية محدودة الأثر؛ ومن تلك المظاهر:

1- حصر الزكاة في رمضان فقط:

وهذا يجعل مؤديها مندفعًا بأمر عاطفي، فيخرجها من كونها فريضة مرتبطة بتحقُّق شرطيْن، هما: الحوْل والنصاب، وقد قرنها الله بالصلاة على وجه الدوام لا الموسمية، إذْ يُفرغها ذلك من مقصدها الشرعي كعبادةٍ مستمرة مُنظَّمَة تُزكّي المال والنفس وتُقيم العدالة الاجتماعية، وقد يجعل أداءها خاضعًا لمجرَّد المزاج والوقت، ولا كمال لإسلام الفرد ولا استقامة للمجتمع إلا بأداء الزكاة كما أمر الله.

2- التساهل في حساب النصاب ومقادير الزكاة:

تجد مَن قد يُخرِج أقل مما تجب فيه الزكاة، أو يتحايل لإسقاطها، وهذا حرام بالإجماع ولا تسقُط به الزكاة، قال ابنُ بطَّال: «أجمَع العُلَماءُ على أنَّ للمَرءِ قبل الحَوْلِ التصرُّفَ في مالِه؛ بالبَيعِ والهِبَةِ والذَّبح، إذا لم ينوِ الفِرارَ مِنَ الصَّدقةِ، وأجمعوا على أنَّه إذا حال الحَوْلُ أنَّه لا يحِلُّ التحيُّلُ بأن يفرِّقَ بين مُجتَمِعٍ، أو يجمَعَ بينَ مُتَفرِّقٍ»(4).

وقد توعَّد الله مانعي الزكاة بقوله: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) (التوبة: 34)، وأما مسألة معرفة النصاب والمقادير؛ فقد أصبح اليوم سهلًا مع وجود حاسبات الزكاة المضبوطة، وكذلك الجهات الرسمية والخيرية التي تهتم بالزكاة، وتوجد لديها برامج خاصة بها، ولجان شرعية للفتوى.

3- صرْف الزكاة في غير مصارفها الشرعية:

وقد يكون ذلك جهلًا بأحكامها ومصارفها، أو تساهلًا، كإعطائها للأغنياء أو توجيهها لمشاريع لا تدخل في الأصناف الثمانية، مع أن الله بيَّنها: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ) (التوبة: 60).

4- ضعْف الوعي بأثر الزكاة الاجتماعي:

فينتشر الفقر مع وجود الثروة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لم يمنَعْ قومٌ زكاةَ أموالِهم إلَّا مُنِعوا القطْرَ من السَّماءِ»(5).

5- غياب المؤسسات المنظِّمة للزكاة:

وهذا يفضي إلى تراجع فاعلية الزكاة في ترسيخ العدالة الاجتماعية، ويجعل صرفها قائمًا على اجتهادات فردية تفتقر إلى التوازن، فضلًا عمَّا يترتب على ذلك من إهدار فرص كبيرة في الحد من الفقر، وتحقيق التنمية المستدامة نتيجة غياب التخطيط والرقابة.

وعلى الرغم من وجود نماذج ناجحة في بعض الدول التي أوْلت الزكاة عناية خاصة بإنشاء مؤسسات متخصصة -كما الحال في دولة الكويت- فإن دولًا أخرى ما تزال بعيدة عن الاهتمام بهذا الجانب الحيوي.

الزكاة كوسيلة نهضة وتنمية للأمة

تُعدُّ الزكاة وسيلة تنموية فاعلة تسهم في تحريك عجلة الاقتصاد، من خلال إعادة توزيع الثروة وتحويل الفئات المحتاجة إلى طاقات منتجة، وتمثِّل ركيزةً أساسية في نهضة الأمة، بما تحققه من تكافل اجتماعي واستقرار يعزّز التنمية الشاملة.

وتأتي أهمية الزكاة من حيث شمولها لمعظم أفراد المجتمع ومن حيث أهمية المقدار الذي تمثِّله من الثروة العامة، حيث تمثِّل 2.5% من مجموع الأموال، وهي نسبة كفيلة لو نُظِّمتْ بأن تحل كثيرًا من المشكلات الاجتماعية الناتجة عن الفقر، وأن تُسهِم في الحد منه، ومن ثم كان لها تأثيرها الحيوي في إشاعة التكافل(6).

وتعطيلها أو التهاون فيها يؤثِّر سلبًا على إحدى أهم أدوات الإصلاح الاقتصادي في الإسلام؛ لأنها "تتميّز بكونها فريضةً مُلزِمة بخلاف الشرائع السابقة، ولذلك أسهم تطبيقها في العصور الإسلامية الأولى في القضاء على الفقر، حتى لم يُوجد من يأخذها، فتحقق التكافل الاجتماعي، وزال الحقد الطبقي، وعمّ الأمن والاستقرار والتعاون بين أفراد المجتمع(7).

والزكاة كمشروع إصلاحي يجب توظيفها في مشروعات إنتاجية، ودعم التعليم والتأهيل المهني، وتمكين الأسر المحتاجة من الاستقلال المالي، وبها تحقَّق الأمن الاجتماعي الذي مكَّن الحضارة الإسلامية من التوسُّع والبِناء.

الهوامش
  • 1 رواه البخاري، ومسلم.
  • 2 مختصر الفقه الإسلامي في ضوء القرآن والسُّنة.
  • 3 تفسير الطبري.
  • 4 فتح الباري.
  • 5 حلية الأولياء.
  • 6 التكافل الاجتماعي.
  • 7 دعائم التمكين.
الرابط المختصر :

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة