الدراما والدين.. الوقوع في فخ النمطية!‏

تنطلق الدراما في جوهرها من «نظرية الانعكاس» لمؤسسها الفلسفي أفلاطون ومن بعده أرسطو، ومنظرها الاجتماعي والأب الروحي لها جيورجي لاكاش، على اعتبار أن الفن مرآة أمينة تنقل صورة المجتمع وتجسّد قيمه وصراعاته الأخلاقية في قوالب إنسانية يرى فيها وجهه بكل ما فيه من تجاعيد وملامح.

ولكن حين يتعلق الأمر بالدين والأخلاق؛ هنا يجب أن تتحول الدراما من عاكس للواقع إلى مبضع جراح لاستئصال الزيف وتعرية التناقضات.. فهل يحدث ذلك فعلياً؟

إن نظرتنا للدين في وطننا العربي تتجاوز كونه مجموعة شعائر تُقام في دور العبادة، إلى ما هو أبعد من ذلك، فهو الهوية والجذر الممتد الذي يغذي منظومتنا الأخلاقية ويشكل ملامح سلوكنا اليومي؛ ولهذا الارتباط الوثيق اجتهدت الدراما العربية محاولة اختراق المنطقة الفاصلة بين التدين الجوهري الذي يرتقي بالوجدان، والتدين الظاهري الذي يستغله البعض أحياناً كقناع اجتماعي ووسيلة لممارسة الزيف والخداع.

فنحن لا نشاهد العروض المسرحية أو المسلسلات أو الأفلام لنتعرف على ما هو الدين، فهذا الدور تحديداً منوط به علماء الدين والمؤسسات الدينية، وإنما نشاهد لنرى ونتأمل كيف يصارع الإنسان العادي ضميره في لحظة ضعف، وكيف ينتصر للحق في ساعة شدة!

المسرح.. أنا وضميري وجهًا لوجه!

إن قوة المسرح تكمن في كونه ساحة للمناظرة الفكرية التي تُحفز العقل، فعلى خشبته تتجسد الثنائيات؛ العقل والنقل، الحرية والالتزام، في تجارب تستلهم أحياناً بعض الطقوس الدينية لتمنح المشاهد لحظات من التطهير الروحي، وتعيد صياغة علاقته بالخالق وبالكون بعيداً عن القوالب الصارمة.

وما يميز المسرح أن المواجهة حية بين العرض والجمهور ولا تحتمل التجميل بالزيادة أو الحذف، فعلى خشبة المسرح، تأخذ المعالجة الأخلاقية والدينية بُعداً أكثر عمقاً وحرية؛ فقد بدأ المسرح العربي رحلته بالاتجاه نحو التاريخ والتراث لإحياء المبادئ والشخصيات البطولية، كما في كلاسيكيات أحمد شوقي، وعزيز أباظة.

لكن النقلة النوعية الحقيقية حدثت حينما جعل عبدالرحمن الشرقاوي في ثنائيته الخالدة «الحسين ثائراً» و«الحسين شهيداً»، من الدين صرخة ثورية ترفض الذل والهوان، معلياً من كلمة الحق كأسمى موقف أخلاقي يفتديه الإنسان بحياته.

كما تجرأ صلاح عبدالصبور فيما بعد في «مأساة الحلاج» باستخدام الرمز في تشريح الصراع بين الروح والسلطة وانغماس الرعية في التبعية، محولاً النظرة إلى التدين من عاديته إلى فضاء واسع للعشق الإلهي في مواجهة مادية المجتمع.

وفي المقابل، سطع المسرح الاجتماعي من خلال الكوميديا السوداء، بنجاح سعد الدين وهبة في مسرحيات، مثل «سكة السلامة»، في تعرية أساليب الانتهازية التي تتلفح بعباءة التدين لتمرير الفساد، وبنفس الدرجة من الشجاعة قام المسرح الكويتي على يد الفنان عبدالحسين عبدالرضا في أعمال مثل «باي باي لندن» أو «فرسان المناخ»، ليرصد بسخرية مريرة كيف غيرت الطفرة المادية ملامح الأخلاق الخليجية الأصيلة، واضعاً المجتمع أمام تناقضاته السلوكية الفجة.

الدراما التلفزيونية.. الصراع في البيوت

في بيوتنا العربية، كان التلفزيون بمثابة المربي، ولا نكون مبالغين حين نسميه الوالد الثاني لقدرته على التربية، وصياغة وعي الأسرة وقيمها، فإذا عدنا للوراء قليلاً، لوجدنا المسلسلات الدينية التي كانت طقساً مقدساً من طقوس شهر رمضان مثل «عصر الأئمة» و«الإمام الغزالي» و«القضاء في الإسلام» التي كانت تستدعي حلولاً أخلاقية من عمق الماضي لمشكلات الحاضر، مع التركيز على قيم مثل الزهد والعدل والرقي في حل الاختلاف الفكري.

لكن التحول الأعمق في تشريح الأخلاق كقضية ملحة، جاء على يد الرائد الكبير أسامة أنور عكاشة، ففي أعماله الاجتماعية الخالدة مثل «ليالي الحلمية» و«أرابيسك»، لم نلمحه يرفع شعار الدين بشكله الفج بتاتاً ليتحدث عن خلق من الأخلاق، ومع ذلك كانت مسلسلاته عبارة عن منظومة أخلاقية تسير بداخل النفوس في زحام الشارع والمدرسة والحارة.

وهناك أعمال واجهت التطرف بذكاء فطري في التسعينيات مثل «العائلة» و«الوتد»، لتفرق ببراعة بين التدين الشعبي البسيط المجبول على البر والرحمة، والأفكار المستوردة التي تخاصم الفن والحياة، مؤكدةً أن الأسرة المتماسكة حائط الصد الأول ضد أي فكر شاذ ملتوٍ.

والحقيقة أن المسلسلات انتقلت في السنوات الأخيرة لمرحلة إثارة التساؤلات، فاشتبكت مع ازدواجية المعايير وكثير من المسكوت عنه؛ فمسلسل مثل «تحت السيطرة» يعيد تعريف أخلاقياتنا في التعامل مع المدمن كإنسان مريض لا منبوذ، بينما اقتحم «فاتن أمل حربي» منطقة شائكة ليفرق بين الثابت الديني والاجتهاد البشري في القوانين التي قد تظلم المرأة.

وبموازاة هذا الصخب، ظهرت الموجة الروحانية من المسلسلات التي تفتش عن الجوهر، كما في «جزيرة غمام» و«الخواجة عبدالقادر»، حيث تم تقديم الدين من منظور الحب الإلهي والتسامح المطلق، بعيداً عن لغة الترهيب.

السينما.. أيهما نكون مظهري أم جوهرك؟!

السينما هي الفضاء الدرامي الأكثر أهمية الذي اشتبك بجرأة مع قضايا الدين والأخلاق، إذ انتقل من العرض المثالي إلى التشريح القاسي للمجتمع، وإذا نظرنا لكلاسيكيات الأبيض والأسود، سنرى كيف كانت الأخلاق فطرة والدين مرجعية قيمية ضمن مكونات المنظومة الأخلاقية للناس كالشهامة والقناعة والستر والرضا، وقتها كان الشيخ يمثل صوت الحكمة والضمير، كما في الفيلم المصري «الشيخ حسن»، وكذلك الفيلم الكويتي «بس يا بحر»، الذي جسّد أخلاقيات الصبر والتوكل والرضا بالقدر في مواجهة قسوة البحر وظلم الإنسان، إذ كان الإيمان الفطري هو الوقود الذي يحرك قاطرة المجتمع قبل طفرة المادة وتبدل القيم.

ومع نضوج السينما العربية، ظهر تيار الواقعية ليبدأ في تعرية النفاق الاجتماعي وتسليط الضوء على الفجوة بين التدين الظاهري والسلوك الأخلاقي، ليظل فيلم «الزوجة الثانية» الأيقونة التي فضحت كيف طوعت السلطة الفتاوى لشرعنة الظلم، ورغم ذلك فقد انتصر في النهاية للإيمان الفطري الخالص.

كما لا يمكننا أن نغفل الأعمال التي لم تكتفِ بنقد السلوك الفردي للشخصيات، بل ذهبت بعيداً لتجعل من القيم الأخلاقية ومنطلقاتها الدينية مادة للسخرية المبطنة بالكوميديا، ففي بعض المسلسلات والأفلام السينمائية الكوميدية، يتم تصوير التمسك بالمبادئ بوصفها نوعاً من الراديكالية أو الرجعية التي لا تناسب روح العصر، والإشارة لمعانٍ مثل العفاف، والأمانة، والحياء والتسامح في إطار ساخر يوحي للمشاهد بأنها سمات الشخصيات الضعيفة والساذجة التي لا تجيد لغة السوق والفهلوة، وتمجد البلطجة وتجعل من خرق القانون بطولة، بينما تستهزئ بصوت الضمير، وهي من المرجعية الأخلاقية ذاتها وليس من أشخاص بعينهم، وكأننا نتساءل عن مظهري وجوهرك!

وبقي أن نتساءل: بعد مشاهدة تتر النهاية لكل عمل درامي نتابعه، هل استطاعت الدراما تغيير سلوكيات مشاهديها، أم العكس؟ هل زرعت فيهم القلق الإيجابي الذي يستدعي التغيير، أم ضخمت لديهم أحاسيس التبلد؟ وهل يمكن أن تنصف الدراما الجديدة ما نسميه بالتدين الشعبي عبر تقديم نماذج تشبهنا في رحمتها ولطفها، لتعيد للدين المجيد وجهه السمح الراسخ في دواخلنا؟

نتمنى!



اقرأ أيضاً:

خطيب المنبر في الأعمال الفنية.. رؤية نقدية

صورة رجل الدين في الدراما والسينما العربية

الرابط المختصر :

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة