الخائنون!

ليس من الشريعة في شيء، ولا من المروءة في خُلق، ولا من حق الجيرة في أعراف البشر، أن يُعتدى على بلدٍ آمنٍ مطمئن، خصوصًا في أيام الصيام التي تُعظَّم فيها الحرمات وتُكفُّ فيها الأيدي عن الظلم والعدوان، فالاعتداء الإيراني على دولة الكويت ليس حادثة عابرة يمكن التهوين منها أو الالتفاف حولها، بل هو غدرٌ وخيانةٌ وعدوان بكل ما تحمله هذه الكلمات من معنى، عدوانٌ روّع الآمنين، وعكّر جو الصائمين، وانتهك حرمة بلدٍ عُرف عبر تاريخه بأنه بلد الخير والعطاء، يمد يده للمحتاج، ويغيث الملهوف، ويقف مع المظلومين في كل مكان.

إن هذا الاعتداء الوحشي لا يمكن وصفه إلا بأنه جريمة مكتملة الأركان وعدوان سافر متجرد من أبسط القيم الإنسانية والأخلاقية، فأن تمتد يد الغدر إلى وطنٍ آمن، وأن تُنتهك سيادته ويُروَّع أهله بغير حق، فذلك فعل يكشف عقلية لا تحفظ عهدًا ولا تراعي جوارًا ولا تقيم وزنًا لحرمة الأوطان، وهو عدوان يضع المعتدي في موضع من بغى وتجبر وخان، ويجعل إدانته واجبًا صريحًا لا يحتمل التأويل ولا التردد.

إن الاعتداء على الكويت ليس مجرد حادث سياسي، بل اعتداء باطل على حقٍ ثابت وعلى سيادة وطنٍ له كرامته ومكانته بين الأمم، ومن هنا فإن الموقف الواجب هو موقف واضح لا لبس فيه؛ فمن لا يقف في وجه هذا العدوان ويدينه بصلابة لا تردد فيها ولا تراخٍ، فهو خائن لله ودينه ووطنه، ومن يبرر هذا العدوان أو يلتف حوله بالكلمات فهو خائن لله، وخائن للدين، وخائن للمواثيق والتشريعات، وخائن لكل نظم الدنيا وأخلاقياتها التي قامت على صيانة الأوطان وردع الظلم والعدوان.

والتاريخ شاهد لا ينسى ولا يجامل، فهو يسجل المواقف كما هي، لا كما يحب أصحابها أن تُروى، وسيبقى هذا الاعتداء صفحة سوداء في سجل من ارتكبه ومن وقف معه أو برّره، فالتاريخ لا يرحم من يقف مع الظلم، بل يضعهم جميعًا في خانة واحدة مع المعتدي، وستكون حوبة هذا الموقف وبالًا على أصحابه في الدنيا قبل الآخرة، يوم تُكشف المواقف وتظهر الحقائق.

الكويت هذا البلد المعطاء، الذي وصل خيره إلى القريب والبعيد، بل حتى إلى الشجر والحجر في مشارق الأرض ومغاربها، لا يستحق أن يُعتدى عليه بهذه الطريقة الغادرة، ولا يستحق أن يقف أحد مع من اعتدى عليه أو يبرر له، فهذا الوطن الذي بنى المساجد، وأقام المستشفيات، وأطعم الجائعين، وكفل الأيتام، وأغاث المنكوبين، إنما فعل ذلك بدافع إنساني وأخلاقي راسخ، وهذه الحرب لن تثنينا عن صناعة المعروف، ولن تغيّر من طباع شعبٍ جُبل على الخير والعطاء، فالكويت كانت وستبقى بلد الخير، وشعبها سيظل وفيًا لرسالته في الإحسان ومدّ يد العون، لأن الخير في هذه الأرض طبعٌ راسخ لا عارضٌ زائل.

وقد كشفت وسائل التواصل الاجتماعي في هذه الأيام ما كانت تخفيه بعض الصدور، فقد انكشفت مواقف جماعات وكيانات وأفراد كانت تضمر للكويت ودول الخليج ضيق أفقٍ وجهالةً وحمقًا وحقدًا وحسدًا وتشفيًا بما أنعم الله به على هذه البلاد من خيرات ونعم، حتى بدا وكأن بعضهم كان يتمنى زوالها، فظهرت كلماتهم وتعليقاتهم شاهدةً على ما كانوا يخفونه، وكأن الله أراد أن يرفع الغطاء عن تلك القلوب لتنكشف حقيقتها أمام الناس.

ولم يقف الأمر عند ذلك، بل رأينا خلطًا للحق بالباطل، وتلبيسًا لمفاهيم شرعية على تصرفات غادرة، ومحاولات لتزيين العدوان وتسويغه، في محاولة لصناعة عقلٍ جمعي يقوم على باطل موجّه ضد الكويت ودول الخليج، لكن الوعي في هذه البلاد بحمد الله مرتفع، والبصيرة حاضرة، ومثل هذا التلبيس سرعان ما ينكشف، بل سينقلب – بإذن الله – كالسحر على الساحر.

ومع ذلك، فإن الواجب في مثل هذه اللحظات ليس الانجرار خلف الفتن ولا الانشغال بمهاتراتها، بل الإنابة إلى الله، والعودة إلى القرآن، والإكثار من الدعاء، وتعزيز روح الأخوة الإيمانية التي تجمع ولا تفرق، وتقوّي الصف ولا تضعفه، فهذه أوقات يُمتحن فيها الإيمان، ويُعرف فيها الصادق من المتلون، ويكون التعاضد والتكاتف فيها فريضة شرعية قبل أن يكون خيارًا وطنيًا.

واليوم فإن الوطنية الصادقة تقتضي أن يقف الجميع صفًا واحدًا خلف القيادة، وصفًا واحدًا خلف الوطن، وأن يسخر كل إنسان منبره وما يملك من إمكانات لبيان بطلان هذا العدوان وفضح وضاعة المعتدي، وأن يكون الصوت واحدًا في الدفاع عن سيادة الكويت وكرامتها.

ونسأل الله أن يحفظ الكويت من كل سوء، وأن يديم عليها أمنها واستقرارها، وأن يرد عنها كيد المعتدين، وأن يسدد رمي أبطالنا وجندنا من المجاهدين المدافعين عن وطنهم، وأن يثبت أقدامهم، ويجمع كلمتهم، ويحفظهم بحفظه، وينصرهم بنصره.

اللهم انصرهم بنصرك، وأيدهم بتأييدك، وسدد رميهم، واحفظهم من كل سوء، واجعلهم درعًا حصينًا للكويت وأهلها.

اللهم احفظ الكويت وأميرها وشعبها، وأدم عليها الأمن والإيمان، وسائر بلاد المسلمين.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة