الحرية في الإسلام.. رؤية قرآنية
إن التأمل في
مفهوم الحرية من منظور الوحي القرآني يفتح آفاقاً شديدة الثراء لمعنى الحرية كقيمة
أخلاقية عليا في الإسلام، وعلى الرغم من الاتهامات المُعلبة التي رسخها المستشرقون
منذ عقود بأن الإسلام دين استبدادي بطبعه، فإن القرآن الكريم كمنهج إلهي شامل قدم
رؤية متفردة في فهم الحرية وتطبيقاتها في المجالات الفردية الخاصة والاجتماعية
العامة، تلك الرؤية التي لم تحظ بقدرٍ كافٍ من الاهتمام نتيجة التركيز على
الفرعيات المنضوية تحت ذلك المفهوم، مع إغفال الفهم الكلي الشامل لفكرة التحرر في
الإسلام.
والإسلام في
جوهره دعوة للتحرر جاءت للبشر كافة تطالبهم بالخروج من ضيق الخضوع للشرك إلى سعة
العبودية لله وحده، وهي دعوة متفردة في رسالتها التحررية بعدما آل إليه أتباع
الأديان السابقة إلى المآل الذي أصبح فيه الدين قيداً يكبل الأفراد بتحريفه إلى
دعوات للشرك وإطلاق يد رجال الدين في ممارسة سلطات واسعة على التابعين لهم.
الإنسان ككائن مُكرّم
والحرية في
الرؤية الإسلامية ليست منحة من السلطة السياسية، ولا دعوة فكرية فلسفية ثورية تبحث
عن المُناداة بحقوق بعض الأفراد في دولة أو نطاق جغرافي مع تجاهل لكافة البشر، بل
هي سمة لصيقة بالإنسان الذي استخلفه الله في الأرض كائناً مُكرماً ومسؤولاً عن
الكون بأسره؛ (وَلَقَدْ
كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم
مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا
تَفْضِيلًا) (الإسراء: 70).
ومن ثم، فإن هذا
الإنسان في المنظور الإسلامي حر بالتعريف وبالنشأة وبالفطرة، ودونما اعتبار لدينه
أو عرقه أو لونه، فكل البشر مكرمون والنفس البشرية ذات قدسية وحرمة جديرة
بالاحترام والتقدير والحماية.
أما الاستخلاف
في الأرض فهو حرية أطلق الله بها يد البشر في إدارة حيواتهم الدنيوية كيفما شاؤوا،
وسخر لهم كل ما في الكون لخدمتهم، هذه الحرية تضمنت مستويين؛ الأول: الحرية
الكونية التي يستوي فيها المؤمن والكافر طالما التزموا بالأسباب المادية وسُنن
الكون، والثاني: الحرية الشرعية التي يلتزم فيها الإنسان المؤمن بالإضافة لسنن
الكون بالضوابط الشرعية ممثلة في الحلال والحرام.
التوحيد ودعوة التحرر
هذا التكريم
الإلهي للإنسان باستخلافه في الأرض أميناً عليها ومُعمراً لها، قد تساوى فيه جميع
البشر، وقد تطلب هذا التكريم أن تكون الحرية لصيقة بالإنسان إذ بهذه الحرية مناط
التكليف وعليها الحساب بالثواب والعقاب، فإذا ما أدى هذا الكائن مهمته وحمل أمانته
على مراد الله باختياره الحر استحق الثواب، وإذا أفسد في الأرض وتخلى عن دوره الذي
به يتزكى ويترقى استلزم إنزال العقاب.
وقد جاءت دعوة
التوحيد كمظلة انضوى تحتها الأنبياء كافة حيث أراد الله للبشر ألا يخضعوا لأي
سلطان قاصر يقيد حريتهم التي خلقهم الله عليها، فأرسل رُسله لتبصرة الخلق بأنهم
مكرمون ومستخلفون على الأرض لا يحتاجون في ذلك إلى خضوع لعبادة غير الله كالشمس أو
القمر أو مخلوقات أدنى منهم رتبة.
فالله سبحانه قد
عامل بني آدم بعدله ورحمته ولم يؤاخذهم بجهلهم وشططهم الذي دفعهم مراراً نحو الشرك
والضلال، بل عفا عنهم وكلف بشراً منهم بتوعيتهم إلى عبادة الله وحده لحماية حريتهم
من أن تنالها أسباب الشرك التي تكبل إرادتهم، فهم أحرار في التواصل المباشر مع الله
بلا وسطاء، وهم أحرار في إطلاق العنان لعقولهم للتفكر في الكون، وهم أحرار في
الاجتهاد الذي يُغلب المصلحة العامة، وهم أحرار في تزكية أنفسهم عن صغائر الشهوات
التي تجعلهم في مراتب المخلوقات الأدنى.
بهذا المعنى لا
تبدو الحرية في القرآن حقاً سلبياً يطالب به الإنسان فحسب، بل هي أمانة يحمل
تبعتها؛ فبقدر ما يكون حراً يكون مسؤولاً عن اختياره.
مجالات التحرر في القرآن
وقد تفرعت عن
تلك الدعوة العامة والشاملة للتحرر عبر التوحيد، عدداً من الفضاءات التي نادى فيها
الوحي الإلهي بتحرير الإنسان من القيود التي تكبله، ومن تلك الفضاءات:
1- حرية
الاعتقاد: تحت مبدأ عام رسخه القرآن الكريم بعنوان: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) (البقرة: 256)، جاءت
دعوة الإسلام خالية من القهر والإجبار، وآمنت بحرية الإنسان في الاعتقاد واختيار
طريقه في مسألة الإيمان: (فَمَن
شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) (الكهف: 29)، وهذه النظرة
التحررية الإسلامية مثلت جوهر تقدمية الإسلام وعظمته، إذ نص القرآن الكريم في غير
موضع على رفض الإيمان المكره الذي لا ينبع من اقتناع، فالإيمان يجب أن ينبع من
إرادة حرة؛ لأن العقل مناط التكليف؛ أي أنه لا تكليف بثواب أو عقاب لمن لا يستطيع
تحكيم عقله في الاختيار.
2- التحرر من
التبعية: رفض القرآن مبدأ التقليد والتبعية العمياء للسابقين باعتباره أمراً
مذموماً وخاصة في شأن الدين، فكل ما هو موروث يجب أن يخضع لسلطان العقل وحرية
الاختيار.
فنجد القرآن في
غير موضع قد انتقد نهج الكفار في التذرع باتباع الآباء والسلف تبعية عمياء سالبين
أنفسهم مما كرمهم به الله من حرية الفكر والاعتقاد، فقال تعالى: (بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا
آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ) (الزخرف: 22)،
وقال تعالى: (وَإِذَا قِيلَ
لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَىٰ مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا
حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۚ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا
يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ) (المائدة: 104).
3- التحرر من
الشهوات: مثَّل العقل المزية الإلهية والمنحة الربانية التي كرم بها الله البشر عن
سائر المخلوقات، فكانت الحرية في منظور الإسلام التحرر من الشهوات الحيوانية
والغرائز المادية التي تدني الإنسان إلى رتبة أقل وتجرده من كمالاته التي بها
تتحقق سعادته، فجاء الوحي القرآني حاضاً على التحرر من الشهوة كطريق لحرية الإرادة
وتزكية النفس، وشحذ العقل من أوهام اللذة اللحظية والمتع الزائلة، فتلك منافع
زائلة بينما الإنسان كمخلوق خالد يحق له أن يتحرى سعادته الباقية.
فقال تعالى: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ
الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ
الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ۗ
ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ) (آل
عمران: 14)، وروي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تعِس
عبدُ الدينارِ، تعِس عبدُ الدرهمِ»، فتعلق القلب بالملذات الدنيوية جاءت في
المنظور الإسلامي بمثابة رق وعبودية تقيد حرية الإنسان وتجرده من كرامته وإنسانيته
التي خلقه الله عليها، وفي استغنائه عنها واتباعه للتوحيد تحرراً يحقق الشفاء في
القلب ويطلق قدرة الإنسان على التفكر والاختيار.
هذه الحريات
الواردة في الهدي القرآني تضمنت عدداً من المبادئ الأساسية لا يمكن فهم الحرية في
الإسلام بدونها، منها:
1- أن الإنسان
مركز للكون لا كبديل عن الأخلاق أو الدين أو الإله، بل كخليفة يحمل أمانة عظيمة،
تلك الأمانة هي مناط التكريم، وهي عبادة الله وتعمير الكون على مُراده، فإذا تخلى
الإنسان عن ذلك الدور ووضع غرائزه وأهواءه محل كرامته وحريته استعبد نفسه واستحق
الخسران.
وفي ذلك أشار
القرآن إلى من اتبع هواه بأنه في مرتبة البهائم: (أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ
يَعْقِلُونَ ۚ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ ۖ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا) (الفرقان:
44)، (أَفَرَأَيْتَ
مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى
سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ
بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ) (الجاثية: 23).
2- أن تكريم
الإنسان مناطه العقل وهو ما يميز الإنسان عن المخلوقات الأدنى درجة، وهذا العقل لا
يتحقق له التحرر الكامل إلا بتزكية النفس عن المعاصي والذنوب التي ترتبط جميعاً
بتعطيل العقل لمصلحة الشهوات والشرور، فنبه الوحي القرآني على مآل الشهوات من
إفساد للإنسان: (وَاللَّهُ
يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ
أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا) (النساء: 27).
3- أن الحرية في
جوهرها تعني قيمة إيجابية تتعلق بإرادة الإنسان في إشاعة الخير وتحري الإحسان،
فالحرية ليست مساحة سلبية تمنح للفرد بمجرد تعطيل القيود الأخلاقية عنه، بل هي
حافز ودافع للفعل والحركة في المجتمع لتنزيل إرادة الله في الأرض وتحرير البشر من
العبودية لغير الله.
4- أن الشريعة
الإلهية حصن التحرر وركنه الشديد، فإذا تخلى الإنسان عما وضعه الله من قوانين
وضوابط تحميه من الزلل وتحافظ على كرامته الإنسانية، فقد هوى بنفسه من مكانته
المكرمة كخليفة يحمل أمانة الكون إلى تابع للشهوات وخاضع للملذات والأهواء.
من هنا،
فالإسلام وضع منظوراً للتحرر يختلف جذرياً عما يسود يومنا هذا من مفهوم قاصر
للحرية يعتمد على تحرير الشهوة لا الإنسان، وتمييز أقلية من البشر عن غيرهم
باستحقاقات الحرية ليستعبدوا بتلك الحرية ملايين البشر من شركائهم في الإنسانية،
فانفصلت بذلك الحرية عن الإنسانية وأصبحت أداة تُمنح لأقلية مختارة تتخذ شعارات
كاذبة روجت للحرية بأنها شبق الاستهلاك لا تحرر الزهد، وانطلاق الانفلات لا انعتاق
التزكية.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً