الحركة الإسلامية في الصحافة الغربية (1 - 2)

كان منفرج الأسارير، تلوح البشاشة مشرقة في وجهه، جاءني وهو يحمل في يده عددًا من الصحف.

قلت له: خير إن شاء الله... بشِّر.

قال: صحف الغرب كلها تتحدث عن البعث الإسلامي والانتفاضة الإسلامية التي بات الجميع يحسبون لها حسابًا. إنهم يعترفون بقوتنا، ولا يخفون فزعهم منا.

قلت: شيء جميل.. ولكن يحسن أن تقرأ ما يكتبونه بذهن يقظ، وبصيرة نافذة.. فهم، يا أخي، لا يكتبون هذا ليباركوا بعثنا الإسلامي، ولا ليعترفوا بأننا على الحق، إن لهم غايات كثيرة وراء ذلك، لعلها لا تخفى عليك لو أعدت قراءة ما كتبوه بذهن يقظ، وبصيرة نافذة كما ذكرت لك.

قال: ما رأيك لو أقرأ عليك ما كتبته هذه الصحف لننظر فيه معًا؟

قلت: حسنًا تفعل يا أخي فتفضل.

قال: تقول صحيفة «الإيكونومست» في أحد أعدادها الأخيرة:

«هناك الآن مقولة قوية تقول إن الإسلام ركن أساسي لمقومات الحياة بما فيها السياسة في البلدان التي تسكن فيها أغلبية مسلمة.

وليس في هذا القول ما هو جديد، فالقوة والضغط السياسي اللذان يرافقان هذه المقولة كانا دائمًا موجودين في تركيب أي دولة إسلامية.

وما حدث في السنوات الأخيرة هو أن القوة الإسلامية قد ارتخت أو ضعفت بسبب ضعف تركيب العديد من الدول الإسلامية.

على أن الحقيقة القائلة بأن الإسلام أصبح في الربع الأخير من القرن العشرين يتمتع بقوة كبيرة تؤهله لكي يكون ركن الحياة الأساسي في تثير تساؤلًا هو:

لماذا جاءت هذه القوة الدينية الجديدة من الإسلام، ولم تأت من العقيدتين الأخريين اللتين تدين بها، كما هو الحال في الإسلام، أجناس بشرية مختلفة وهما المسيحية والبوذية. ولهذا التساؤل أجوبة عديدة هي:

الإسلام دين شاب، وهذه حقيقة نادرًا ما يتطرق الدارسون والمعلقون إلى ذكرها، فعمر الإسلام لا يتجاوز 1400 عام، بينما مضى على المسيحية حوالي ألفي عام، وعلى البوذية أكثر من ألفين وستمائة عام، والأديان لها تاريخها وعمرها، وهي ليست خارجة عن قانون القوة والزمن، ففي عام 1400 ميلادية كانت الكنيسة المسيحية أقوى القوى في أوروبا، ففي ذلك التاريخ شهدت أوروبا ظهور مفكرين بارعين من أمثال أكوايتس ودانتي دويكليف.

والبوذية فقد كانت في عام 800 ميلادية منتشرة في أمصار شاسعة في الهند وأفغانستان وآسيا الوسطى أما الإسلام الذي يمر الآن في منتصف العمر، فما زال دينًا يتزايد اتساعًا وانتشارًا وخصوصًا في المناطق شبه الصحراوية في أفريقيا، وبعض الدول الأخرى حيث تشير التقارير إلى أن اثنين من المواطنين الدنماركيين يشهران إسلامهما في كل أسبوع.

ومما يدل على قوة الإسلام أيضا، الحج الذي هو أكبر تجمع بشري متغاير الأجناس يشهده العالم في الوقت الحاضر ففي كل عام يزيد عدد من يقصدون مكة لأداء فريضة الحج بمقدار مائة ألف شخص، في حين بلغ عدد الحجاج في العام الماضي أكثر من مليون ونصف المليون نسمة، وهذا التجمع السنوي الكبير، يعبر عن ديناميكية الإسلام الحديث ويعزز وحدته».

قاطعت قراءة صاحبي وقلت: لو توقفت قليلًا هنا يا أخي وتدبرت كلام صحيفة «الإيكونومست»، فلا شك أنك ستجده كلامًا جيدًا يصف الإسلام بالقوة والشباب، وهذا كلام جميل، ولكنك تلاحظ أن الصحيفة تقول إن هذا ليس خاصًا بالإسلام، فالنصرانية حين كان عمرها 1400 عام كانت في قوة الإسلام الحالي الذي عمره 1400 عام، وهي تريد أن توحي بذلك أن الإسلام سيصيبه الهرم كما أصاب غيره من الديانات، ولعل هذا واضح في عبارتها: «الإسلام الذي يمر الآن في منتصف العمر»، وماذا تقول صحيفة «الإيكونومست» أيضًا؟

وتابع صاحبي قراءته: «الإسلام كدين، لم يتحجر أو يضيق أفقه في يوم من الأيام، ومنذ سنواته الأولى وجد الإسلام نفسه أمام تحديات سياسية وروحية وثقافية من الغرب المسيحي، وفي السنوات المائة الأخيرة كان التحدي السياسي والثقافي للإسلام على أشده ولو كان موطن الإسلام الأصلي بلدًا مثل إندونيسيا على سبيل المثال، فإن تاريخه لا بد وأن يكون مختلفًا، وأشبه ما يكون بتاريخ البوذية، لكنه نشأ وترعرع في موطن يقع على مفترق طرق بين قارات ثلاث، الأمر الذي فرض عليه أن يكون صلبًا ومتيقظًا أمام أوروبا المتنامية للدفاع عن النفس.

أما التحدي الروحي، المتمثل في المحاولات التبشيرية المسيحية، فقد تلاشى ولم يكن له الأثر الكبير، حيث أدركت الإرساليات التبشيرية أخيرًا أن الإسلام يتمتع بحصانة نادرة ضد التبشير ولم تستطع هذه الإرساليات طيلة القرن الماضي رد سوى ألفي شخص من المسلمين عن دينهم وتحويلهم إلى مسيحيين.

وعندما كانت الإرساليات والإدارات الاستعمارية الأوروبية تتهم الإسلام بالتخلف فإنها كانت فقط تتحدث عن القشور الخارجية والمنظمات الدينية والمجتمع الإسلامي والتي كانت بالفعل متخلفة.

ولكن الإيمان بالدين الإسلامي كعقيدة شعبية ظل قويًا تحت تلك القشور، وهذا هو السبب الذي حال دون استجابة المسلمين للإرساليات التبشيرية.

ولكن النقد المسيحي للإسلام دفع أيضًا رجال التحديث في العالم الإسلامي إلى إعادة النظر في بعض معتقداتهم، الأمر الذي دفعهم بالتالي إلى توجيه النقد للمجتمع الإسلامي ومؤسساته.

لقد لاقى التحدي السياسي الأوروبي للإسلام نجاحًا كبيرًا في بادئ الأمر، وقد بدأ هذا التحدي بالحروب الصليبية وانتهى بعد الحرب العالمية الأولى حين سيطرت بريطانيا وفرنسا وهولندا وروسيا على كافة أقطار العالم الإسلامي، وهذه العملية في حد ذاتها تظهر أن روح الحروب الصليبية لم تمت وخير دليل على ذلك تلك الحادثة التي وقعت عام 1920 عندما دخل القائد الفرنسي الجنرال -غورو- دمشق وكان أول شيء فعله غورو أن ذهب إلى ضريح -صلاح الدين- الواقع خارج الجامع الأموي وطرق بابه وقال: "ها قد عدنا يا صلاح الدين".

قلت: اسمح لي بمقاطعة أخرى أشير فيها إلى غمر الصحيفة بالمنظمات الدينية والمجتمع الإسلامي ووصفها لهما بالتأخر والتخلف، وثنائها على رجال التحديث الذين أعادوا النظر في بعض معتقداتهم، ثم قيامهم بتوجيه النقد إلى المجتمع الإسلامي ومؤسساته.

لكن هذا لا ينفي صدق الكلام الآخر الذي ذكرته الصحيفة، وبخاصة قولها إن روح الحروب الصليبية لم تمت، واستشهادها بكلمة الجنرال غورو عند ضريح صلاح الدين الأيوبي.

قال صاحبي: وتتابع الصحيفة كلامها قائلة: «وبعد ذلك استطاعت الحركات المناهضة للاستعمار القضاء على التحدي السياسي المباشر من جانب أوروبا للعالم الإسلامي، فيما عدا منطقة أواسط آسيا السوفيتية.. لكن الوضع يختلف بالنسبة للدول العربية الإسلامية، حيث ما زال التحدي العسكري - السياسي الغربي قائمًا من خلال قاعدة الغرب الأمامية المتقدمة "إسرائيل".

إن جزءًا كبيرًا من حيوية الإسلام الحالية وقوته يعود إلى أن هذا الدين شارك مشاركة مباشرة من خلال العلماء، ورجال الدين الذين يحملون لواءه في الكفاح ضد المستعمرين الغربيين، ففي العقدين الأولين من هذا القرن تولت الجماعات الدينية ورجال الدين قيادة الحركات الوطنية في العديد من البلدان الإسلامية مثل المغرب والجزائر وتونس وليبيا ومصر وسوريا والعراق وإندونيسيا، وعلى صعيد التحديات الغربية للإسلام يمكن القول إن التحدي الثقافي هو أكثرها خطرًا، فالإسلام يرفض المادية الغربية التي توقع المجتمع في بحور الفساد والانحلال وتورث الناس هموم المخدرات وأشكال الحضارة الغربية الأخرى من موسيقى وعري وما شابهها، ويشتد رفض الإسلام لهذه الأمور عندما يكون الحكام المحليون موالين للغرب أو منحلين أو ظالمين، وضد هؤلاء جميعًا يقف الإسلام بشدة وعقيدة ثابتة لتصحيح المسار الاجتماعي.

الإسلام يخلو من ذلك الفصل بين الله وقيصر

إن أحد الدلائل على اشتداد المد الإسلامي، يكمن في الأعداد المتزايدة من النساء والشابات صغيرات السن اللواتي بدأن بارتداء الزي الإسلامي في العديد من بلدان الشرق الأوسط غير آبهات بكل جديد، أو بكل ما تطالب به أمهاتهن اللواتي حاربن من أجل ما يسمى بحرية المرأة.

ففي مصر وسوريا والأردن، دفع العار الذي لحق بالعرب نتيجة لهزيمة حرب حزيران والفراغ الذي يعيش مجتمع الأجيال الصاعدة شبابًا وشابات للعودة إلي الإسلام وتعاليمه وفي إيران أيضًا دفعت حركات -التغريب- المتكررة المجتمع إلى فوضى عارمة، لجأ الشباب هربًا منها إلى الاحتماء بالإسلام دينًا..

ولهذه الأسباب جميعًا، أصبحت تعاليم القرآن أوامر ملزمة للمسلم العادي، يرى فيها أمرًا لا يمكن الخروج عنه، ومن بين هذه التعاليم القول بأن الإسلام عقيدة كاملة ونهج حياة كامل، وليس مجرد دين للعبادة فقط.

والإسلام يفرض سلطته على كل ما يقوم به المسلم، بما في ذلك نشاطاته السياسية والاقتصادية، فالإسلام يخلو من ذلك الفصل بين «الله وقيصر» أي بين الدين والسياسة.

ومن هنا فإن الحديث عن الدولة الإسلامية في أي بلد مسلم يعتبر في غير مقامه، لأن من المفروض حسب التعاليم القرآنية آلا يكون للمجتمع المسلم سياسة أخرى غير سياسة الدولة الإسلامية.

كما أن الحديث عن دولة علمانية، يعتبر أمرًا منافيًا للتعاليم الإسلامية، ففي تركيا حاول ذلك المصلح الاجتماعي الضحل التفكير كمال أتاتورك تحويل تركيا المسلمة إلى دولة علمانية، وها هي نتائج تلك المحاولة تسطر بحروف من دم كل يوم في صفحات التاريخ التركي.

وقد أدار الأتراك ظهورهم لعلمانية أتاتورك وحملوا دينهم معهم إلى -تحت الأرض- حيث ترعرعت جماعة الأخوة الإسلامية التركية، فما أن انحسر الضغط المعادي للإسلام في تركيا حتى اندفع الإسلام إلى السطح بكل قوته.

رفع صاحبي رأسه عن الجريدة، وطواها، ووضعها جانبًا، ثم امتدت يده إلى صحيفة أخرى وفتحها ليقرأ فيها.

قلت: هل هناك صحيفة أخرى تحدثت عن البعث الإسلامي؟

قال: نعم.. إنها صحيفة الواشنطن بوست.. تحدثت عن الحركة الإسلامية في مصر.

قلت: ما رأيك لو تركنا الحوار حول ما كتبته الواشنطن بوست إلى العدد القادم([^1])؟ 

للمزيد: 

- إثيوبيا تسعى لفصل جزء جديد من الصومال في الجنوب الغربي

- السقوط المدبَّر.. هندسة التفتيت من التقسيم إلى خرائط الدم.

- كيف تُدار «حروب الوكالة» لتدمير سيادة الدول العربية؟

- مشاريع التفتيت.. قراءة مقاصدية في واقع العالم العربي. 

أرض الصومال على وشك السقوط في المستنقع الصهيوني!   

- تفتيت الدول العربية والإسلامية.. من سايكس- بيكو.. إلى أمريكا- بيكو!

الهوامش
  • 1 نُشر بالعدد (433)، 23 ربيع الأول 1399هـ/ 20 فبراير 1979م، ص14.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة