إعداد الدعاة في الحضارة الإسلامية (38)
الحرص على التواصل الاجتماعي
أَوْصَى
مُحَمَّدُ بْن كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِالْعَزِيزِ، فَقَالَ لَهُ:
يَا عُمَرُ، أُوصِيكَ بِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ خَيْراً، مَنْ كَانَ مِنْهُمْ دُونَكَ
فَاجْعَلْهُ بِمَنْزِلَةِ ابْنِكَ، وَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ فَوْقَكَ فَاجْعَلْهُ
بِمَنْزِلَةِ أَبِيكَ، وَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ سِنَّكَ فَاجْعَلْهُ بِمَنْزِلَةِ
أَخِيكَ، فَبِرَّ أَبَاكَ، وَصِلْ أَخَاكَ، وَتَعَاهَدْ وَلَدَكَ فَقَالَ عُمَرُ:
جَزَاكَ اللَّهُ يَا مُحَمَّدُ بْنَ كَعْبٍ خَيْراً(1).
لم تُبنَ حضارة
الإسلام على الانطواء أو الانعزال، بل نشأت على أُسس التفاعل البنّاء بين الفرد
والجماعة، القائم على نور الوحي وهدْي النبوة، المنظّم للعلاقات، والموجّه للسلوك،
والضابط للمصالح العامة والخاصة.
ونعني بالتواصل:
التفاعل الإيجابي بين أفراد المجتمع ومؤسساته، المبني على الكلمة الطيبة،
والتعاون، والتكافل، والإرشاد، والنصح، مع الالتزام بقيم العدل والرحمة والأمانة.
مظاهر حرص الدعاة في الحضارة الإسلامية على التواصل الاجتماعي:
1- الأخوة الإيمانية وأداء حقوقها:
كان من الأسس
الأولى في بناء الحضارة الإسلامية أن آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين المؤمنين
بعد الهجرة، فكان ذلك بمثابة الرباط القوي بين أبناء المجتمع، والوسيلة الأصيلة في
التواصل بينهم.
فقد روى البخاري
عن أنسٍ قال: قَدِمَ عَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ الْمَدِينَةَ، فَآخَى
النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بَيْنَهُ وَبَيْنَ سعد بن الربيع الأنصاري، فعرض
عليه أن يناصفه أهله وماله، فقال عبدالرحمن: بارك الله لك في أهلك ومالك، دلني على
السوق.
وقد حرص الدعاة
في الحضارة الإسلامية على تلبية مطالب الأخوّة وأداء حقوقها، وهي كثيرة، منها ما
أورده ابن أبي الدنيا بقوله: إن مما يجب للأخ على أخيه؛ مودته بقلبه، وتزيينه
بلسانه، ورفده بماله، وتقويمه بأدبه، وحسن الذب والمدافعة عنه في غيبته(2).
2- إعلان المحبة في الله:
روى أبو داود
بسند حسنه الألباني عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَجُلاً كَانَ عِنْدَ
النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ
اللَّهِ، إِنِّي لَأُحِبُّ هَذَا، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:
«أَعْلَمْتَهُ؟»، قَالَ: لَا، قَالَ: «أَعْلِمْهُ»، قَالَ: فَلَحِقَهُ، فَقَالَ: إِنِّي
أُحِبُّكَ فِي اللَّهِ، فَقَالَ: أَحَبَّكَ الَّذِي أَحْبَبْتَنِي لَهُ».
وعَنِ
الْحَسَنِ، قَالَ: كَانَ عُمَرُ يَذْكُرُ الرَّجُلُ مِنْ إِخْوَانِهِ، فَيَقُولُ: يَا
طُولَهَا مِنْ لَيْلَةٍ، فَإِذَا أَصْبَحَ غَدَا عَلَيْهِ، فَإِذَا رَآهُ
اعْتَنَقَهُ(3)، وعَنْ شُعْبَةَ قَالَ: خَرَجَ عَبْدُاللَّهِ بْنُ
مَسْعُودٍ عَلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: أَنْتُمْ جَلاءُ حَزَنِي(4).
3- الحرص على سلامة الصدر وحسن الظن بالناس:
عن سعيد بن
المسيب أنه قال: وضع عمر بن الخطاب للناس ثماني عشرة كلمة من الحكمة، منها: ضع أمر
أخيك على أحسنه حتى يأتيك على ما يغلبك عليه، ولا تظن بكلمة خرجت من في امرئ
مسلم شراً وأنت تجد لها في الخير محملاً(5).
وروى البيهقي عن
جعفر بن محمد قال: إذا بلغك عن أخيك الشيء تنكره فالتمس له عذراً واحداً إلى سبعين
عذراً، فإن أصبته وإلا قل: لعل له عذراً لا أعرفه، وقال علي بن أبي طالب: من لم
يحمل أخاه على حسن النية، لم يحمده على حسن الصنعة(6)، وروى
البيهقي عن محمد بن منازل قال: المؤمن يطلب معاذير إخوانه والمنافق يطلب عثرات
إخوانه.
4- العمل على بقاء المودة:
عن الحسن، أن
عمر بن الخطاب قال: إن مما يصفي لك ود أخيك ثلاثاً: إذا لقيته أن تبدأه
بالسلام، وأن تدعوه بأحب أسمائه إليه، وأن توسع له في المجلس(7)، وقال
أيضاً: إذا رزقك الله وُد امرئ مسلم؛ فتمسك به(8)، وقيل للعتابي:
إنك تلقى الناس كلهم بالبشر! قال: دفع ضغينة بأيسر مؤونة، واكتساب إخوان بأيسر
مبذول(9)، وقال سفيان الثوري: لا تعد أخاك موعداً فتخلفه، فتستبدل
المودة بغضاً، وقال الربيع بن خثيم: الناس رجلان: مؤمن فلا تؤذه، وجاهل فلا تجاهله(10).
5- عدم الاستخفاف بالناس:
قال عبدالله بن
المبارك: حق على العاقل ألا يستخف بثلاثة: العلماء والسلاطين والإخوان؛ فإنه من استخف
بالعلماء ذهبت آخرته، ومن استخف بالسلطان ذهبت دنياه، ومن استخف بالإخوان ذهبت
مروءته(11).
6- التواصي بالتواصل الاجتماعي:
عن عكرمة، أن
عمر بن الخطاب قال: عليك بإخوان الصدق فعش في أكنافهم، فإنهم زين في الرخاء
وعدة في البلاء(12)، وقال ابن قتيبة: امش ميلاً وعد مريضاً، وامش ميلين
وأصلح بين اثنين، وامش ثلاثة أميال وزر أخاً في الله(13)، وعن
صالح بن موسى، قال: قال رجل لداود الطائي: أوصني، قال: اصحب أهل التقوى فإنهم
أيسر أهل الدنيا عليك مؤنة وأكثرهم لك معونة(14)، وقال وهب بن منبه
لابنه: يا بني، جالس الكبراء وسائل العلماء وخالل الحكماء، فإن مجالستهم غنيمة
وصحبتهم سليمة ومؤاخاتهم كريمة(15).
دوافع حرص الدعاة في الحضارة الإسلامية على التواصل الاجتماعي:
1- تحصيل خير الكنوز وأفضل الأعمال:
قيل لحكيم: أي
الكنوز خير؟ فقال: أما بعد تقوى الله فالأخ الصالح: إن أكرم أخواني عليّ من كثرت
أياديّ عنده(16)، وعن واصل مولى أبي عيينة قال: كنت مع محمد بن واسع
بمرو فأتاه عطاء بن مسلم ومعه ابنه عثمان، قال عطاء لمحمد: أي عمل في الدنيا أفضل؟
قال: صحبة الأصحاب، ومحادثة الإخوان إذا اصطحبوا على البر والتقوى، فحينئذ
يذهب الله بالخلاف من بينهم(17).
2- أداء الواجب ونشر الدعوة:
قال ابن حزم: لا
تنصح على شرط القبول، ولا تشفع على شرط الإجابة، ولا تهب على شرط الإثابة، لكن على
سبيل استعمال الفضل وتأدية ما عليك من النصيحة والشفاعة وبذل المعروف(18).
3- حسن أداء النصيحة:
ليست النصيحة
تدخّلاً في شؤون الآخرين، بل إعانة على الإصلاح والسير نحو الصراط المستقيم؛ لذا
قال الحسن: المؤمن مرآة أخيه، إن رأى فيه ما لا يعجبه سدده وقوّمه وحاطه وحفظه في
السر والعلانية(19)، وهذه النصيحة تحتاج أن تكون في صورة طيبة وهادئة
حتى تؤتي ثمارها، لذا قال الشافعي: من وعظ أخاه سراً فقد نصحه وزانه، ومن وعظه
علانية فقد فضحه وشانه(20).
4- رعاية الضعفاء وخدمة المحتاجين:
عن أبي صالح
الغفاري، أن عمر بن الخطاب كان يتعاهد عجوزاً كبيرة عمياء، في بعض حواشي المدينة
من الليل، فيستقي لها ويقوم بأمرها، فكان إذا جاء وجد غيره قد سبقه إليها،
فأصلح ما أرادت، فجاءها غير مرة كيلا يسبق إليها، فرصده عمر، فإذا هو بأبي بكر
الصديق الذي يأتيها، وهو يومئذ خليفة، فقال عمر: أنت هو لعمري(21).
اقرأ
أيضاً:
الرحمة وأثرها على التقارب الاجتماعي
_____________________
(1) مكارم
الأخلاق: الخرائطي، ص 242.
(2) الإخوان: ابن
أبي الدنيا، ص 111.
(3) تاريخ بغداد
(9/ 27).
(4) روضة
العقلاء، ص 92.
(5) رسائل ابن
حزم (1/ 309).
(6) آداب
العشرة: بدر الدين الدمشقي، ص 17.
(7) الزهد
والرقائق: ابن المبارك، ص 119.
(8) مكارم
الأخلاق: الخرائطي، ص 243.
(9) بهجة
المجالس، ص 143.
(10) آداب
الصحبة: أبو عبدالرحمن السلمي، ص 54.
(11) سير أعلام
النبلاء (13/ 46).
(12) الإخوان: ابن
أبي الدنيا، ص 84.
(13) عيون
الأخبار: ابن قتيبة (3/ 32).
(14) الإخوان: ابن
أبي الدنيا، ص 95.
(15) المجتنى: ابن
دريد الأزدي، ص 47.
(16) ربيع
الأبرار (1/ 366).
(17) تاريخ دمشق
(56/ 162).
(18) رسائل ابن
حزم (1/ 361).
(19) الإخوان: ابن
أبي الدنيا، ص 107.
(20) إحياء علوم
الدين (2/ 182).
(21) أسد الغابة في معرفة الصحابة (3/ 325).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً