الذاكرة الرمضانية... قصص وحكايات عربية وإسلامية
الثاني من رمضان .. حين قُيِّدت الخيولُ ليعبرَ النصر في شقحب
تحت شمس رمضان اللاهبة من عام 702 هجرية، وفي رحاب سهل "شقحب" الرابض جنوب دمشق، كان التاريخ على موعدٍ مع فصلٍ جديد يُكتب بالدم والنور. هناك، حيث تطل جبال "غباغب" بشموخ كأنها شاهدةٌ على صراع البقاء، اصطفت جحافل المسلمين بقيادة السلطان الشاب الناصر محمد بن قلاوون، يواجهون زحف المغول العاتي بقيادة "قتلغ شاه".
خشوعٌ قُبيل العاصفة
كان يوم السبت، الثاني من شهر رمضان المعظم، والقلوبُ معلقةٌ بربِّ السماوات. في قلب الجيش، وقف السلطان الناصر ثابت الجنان، وعن يمينه الخليفة المستكفي بالله، يُحيط بهم القضاةُ والعلماء. لم تكن الصدورُ تضجُّ بصليل السيوف فحسب، بل كانت تهتز بآيات الكتاب الحكيم التي تلاها القراءُ بين الصفوف، فاستحالت العزائمُ جماراً لا تنطفئ. صرخ الناصر فيهم صرخةً هزت جنبات المرج: "يا حماة الإسلام، دافعوا عن دينكم وعن حريمكم، فالجنة تحت ظلال السيوف!".
بيعة الموت.. وثبات الجبال
وعندما أزفت الآزفة، والتحمت الصفوف كأنها البنيان المرصوص، تجلّت عظمة السلطان الناصر في موقفٍ خلّده الدهر؛ إذ أمر بجواده فقُيِّد بالسلاسل، ليعلن للكون أجمع أنه لا فرار اليوم، فإما نصرٌ تزهو به الأمة، وإما شهادةٌ تُفتح لها أبواب السماء.
احتدمت المعركة واستعرَ القتال، وغطى غبارُ المنايا عينَ الشمس. في البدء، كادت كفةُ المغول ترِجح، وسقط من كبار أمراء المسلمين شهداءُ، كالأمير حسام الدين لاجين الرومي ورفاقه، الذين بايعوا الله فصدقهم. لكنّ دماءهم لم تكن إلا وقوداً لثورةِ الجنود وفورة العزيمة في دمائهم، فثبت المسلمون ثبات الرواسي، وانقلب سير المعركةليكون في صالح الناصر قلاوون وأبطاله.
ليلُ الانكسار وفجرُ الخلاص
مع جنوح الشمس للغروب، كان وجه المعركة قد تغير تماماً. انكسرت شوكة "قتلغ شاه" وتراجعت فلولُه مهزومةً تطلب النجاة في أعالي جبل غباغب، حيث قضوا ليلتهم تحت وطأة الرعب والندم.
ومع خيوط الفجر الأولى، عمد المسلمون إلى خديعةٍ حربيةٍ بارعة؛ إذ تركوا للمغول ثغرةً في الميسرة ليوهموهم بطريقٍ للفرار. وما إن اندفع المغول فيها بقلوبٍ واجفة، حتى أطبق عليهم أسودُ جيش الناصر يقتلون ويأسرون. ساروا في أرضٍ موحلة غاصت فيها أقدامُ خيلهم، فكان الطينُ حتفهم قبل النبال.
الخاتمة: نهرُ الفرات وبوابةُ القاهرة
لم تنتهِ مأساتهم عند حدود المرج، بل لاحقتهم خيولُ الناصر إلى "القريتين"، ومن ثم إلى ضفاف الفرات. هناك، كان النهرُ هائجاً في ذروة فيضانه، فابتلع من حاول العبور، وتقطعت سبلُ البقية على شواطئه، ليقعوا في قبضة العرب الذين كانوا يترصدونهم.
عاد السلطان الناصر إلى القاهرة في موكبٍ مهيب لم تشهده المحروسة من قبل. دخلها دخول الفاتحين الأبرار، يتقدمه الأسرى وهم يحملون على أعناقهم رؤوسَ قادتهم، في مشهدٍ أعلن صراحةً أن شامَ الإسلام ومصره عصيَّانِ على الكسر، وأن مرج الصفر كان المقبرة التي وُئدت فيها أحلامُ المغول للأبد.
اقرأ أيضًا:
الأول من رمضان ... فتح مصر بقيادة عمرو بن العاص
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً