التعليم عن بُعد.. أسلوب حياة
لم تكن العملية
التعليمية -في أي مرحلة تاريخية- قائمة على المدرسة وحدها، بل كانت دائماً منظومة
مركّبة يتقاسمها ثلاثة أطراف: المؤسسة التعليمية، والمتعلم، والأسرة، وحتى في أكثر
النماذج تقليدية، كان هناك دائماً ما يُعرف بـ«الجزء الإثرائي» من التعلم؛ ذلك
الجزء الذي لا يُلقّن داخل الفصل، بل يُبنى من خلال سعي الطالب، وفضوله، واجتهاده
الشخصي، والقراءة الحرة، وحل التمارين الإضافية، والبحث، والنقاش كلها كانت تمثل
العمود الخفي الذي يحدد الفروق بين طالب وآخر.
ومن هنا، فإن
التعليم عن بُعد لا يخلق فلسفة جديدة بقدر ما يكشف هذه الحقيقة القديمة، ويجعلها
أكثر وضوحاً؛ أن التعلم الحقيقي يبدأ عندما يتحمل الطالب مسؤوليته الفردية.
في ضوء ذلك، فإن
التحول إلى التعليم عن بُعد ليس انتقالاً من تعليم مكتمل إلى تعليم ناقص، بل هو
انتقال من نموذج يعتمد على الإشراف المباشر إلى نموذج يعتمد على التنظيم الذاتي، وهذا
التحول يعيد توزيع الأدوار داخل المنظومة التعليمية، ويمنح الأسرة موقعاً أكثر
مركزية، فدور الوالدين هنا لا يتمثل في الحلول محل المعلم، بل في بناء البيئة التي
تُفعّل التعلم؛ بيئة تضبط الإيقاع اليومي، وتُعلي من قيمة الالتزام، وتُرسخ لدى
الأبناء أن التعلم مسؤولية شخصية قبل أن يكون استجابة لتوجيه خارجي.
ومن الناحية
العلمية، تشير أدبيات التعلم الحديثة إلى أن ما يُعرف بـالتعلم المنظم ذاتياً (Self-Regulated Learning) يمثل أحد أهم محددات النجاح الأكاديمي في البيئات غير التقليدية،
هذا النمط من التعلم يقوم على 3 ركائز؛ قدرة الطالب على التخطيط لتعلمه، ومراقبة
تقدمه، وتقييم أدائه، وهنا يتجلى الدور التربوي للأسرة؛ إذ تصبح مهمتها الأساسية تنمية
هذه الركائز، لا إدارة التفاصيل اليومية نيابة عن الطالب، فالطالب الذي يتعلم كيف
يحدد أهدافه، وينظم وقته، ويقيّم ذاته، سيكون قادراً على التعلم في أي ظرف، سواء
كان حضورياً أو عن بُعد.
أما القلق من
الفاقد التعليمي، فهو قلق مشروع، لكنه يحتاج إلى إعادة تأطير، الفاقد لا يرتبط
بوسيط التعلم بقدر ما يرتبط بجودة التفاعل معه، الدراسات التي تناولت فترات
الانقطاع التعليمي -سواء بسبب الكوارث أو غيرها- تُظهر أن الفاقد يصبح حاداً عندما
يغيب التفاعل النشط، وعندما يُختزل التعلم في التلقي السلبي، بينما يقل هذا الفاقد
بشكل كبير عندما يُدمج التعلم بالممارسة، والتفكير، والتطبيق، وهذا يعني أن
التعليم عن بُعد يمكن أن يكون بيئة عالية الكفاءة إذا تم تصميمه ليكون تفاعلياً،
قائماً على المهام، لا مجرد بث معلومات.
وفي بناء مهارات
الأطفال تحديداً، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في غياب السيطرة على الظروف، بل في
بناء القدرة على التكيف معها، فالطفل لا يحتاج إلى بيئة مثالية بقدر ما يحتاج إلى
بيئة مستقرة نسبياً، تُشعره بالأمان، وتمنحه مساحة للمحاولة والخطأ، ويمكن للأسرة
أن تعزز هذا عبر تحويل التعلم إلى نشاط يومي طبيعي، لا حدث استثنائي، فحين يصبح
التعلم جزءاً من نمط الحياة –من خلال الحوار، والقراءة، وربط المفاهيم بالحياة
اليومية– فإنه يتحرر من قيود الوسيط، سواء كان شاشة أو فصلاً دراسياً.
أما الثقافة
العامة تجاه التعليم عن بُعد، فهي تُبنى في الغالب من خلال الخطاب المتداول داخل
الأسرة والمجتمع، وعلم النفس التربوي يؤكد أن توقعات البيئة (Expectancy Effect) تؤثر بشكل مباشر في أداء المتعلم، فإذا سادت لغة سلبية تصف هذا
النوع من التعليم بالضعف أو عدم الجدوى، فإن الطالب يتبنى هذه القناعة، وينخفض
دافعه، بينما إذا قُدمت التجربة بوصفها فرصة لاكتساب مهارات الاستقلالية والمرونة،
فإن ذلك يرفع من مستوى التفاعل والإنجاز، وهنا تصبح الأسرة صانعة للمعنى، لا مجرد
متلقية للتجربة.
وفيما يتعلق
بالقياس والتقويم، فإن التعليم عن بُعد يفرض تحوّلاً من ثقافة الاختبار إلى ثقافة
الأداء، لم يعد الهدف قياس ما يحفظه الطالب في لحظة محددة، بل كيف يوظف ما تعلمه
عبر الزمن، الأدوات الحديثة في التقييم –مثل المشاريع، والمهام التطبيقية،
والتقييم المستمر– تُعد أكثر ملاءمة لهذا النمط، لأنها تقيس الفهم العميق،
والمهارات، والقدرة على الربط، كما أن التقنيات الرقمية تتيح تتبع أنماط التعلم
لدى الطالب، ما يمنح صورة أكثر دقة وشمولية عن مستواه.
ويبقى السؤال
الجوهري: هل نريد طالباً ممتلئاً بالمعلومات أم قادراً على استخدامها؟ التحولات
المعرفية المتسارعة في هذا العصر جعلت من تراكم المعلومات هدفاً غير كافٍ، بل ربما
يكون مضللاً، القيمة الحقيقية أصبحت في القدرة على التعلم المستمر، والتكيف، وحل
المشكلات، وهذا يعيدنا إلى جوهر الفلسفة التي يجب أن تتبناها الأسرة؛ أن الهدف ليس
إنجاز المنهج، بل بناء إنسان قادر على التعلم في كل ظرف.
إن التعليم عن بُعد،
حين يُفهم بهذه الطريقة، لا يعود حلاً مؤقتاً، بل يتحول إلى أسلوب حياة؛ أسلوب
يعيد تعريف العلاقة بين الطالب والمعرفة، والأسرة والتعليم، ويؤسس لجيل لا ينتظر
الظروف المثالية ليتعلم، بل يصنع من كل ظرف فرصة للنمو.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً