التعليم المرن (المنزلي).. حماية نفسية للطفل
قبل أن أتحدث عن
التنمر المدرسي الذي خصصت له مقالة مستقلة، لا بد أن أذكّر بأنني تناولت سابقاً
أهمية التعليم المرن (المنزلي)، سواء على مستوى الأسرة أو الطفل أو حتى المنظومة التعليمية
المتمثلة بالدولة.
وأركز هنا على
الطفل تحديداً، ومدى حاجة كثير من الأسر والأبناء إلى خيار التعليم المرن الذي تطبقه منذ سنوات دول متقدمة عديدة، خاصة في المرحلة الابتدائية؛
وهي الفترة العمرية التي تتشكل فيها شخصية الطفل الذهنية والنفسية، ويبدأ فيها
بالاحتكاك ببيئات خارج نطاق أسرته.
تحديات التعليم التقليدي
مع التطور
الرقمي المذهل الذي نعيشه اليوم، وهو نعمة منّ الله بها على هذا الجيل، أصبحت
البيئة المدرسية التقليدية لا تخلو من أخطار نفسية واجتماعية جسيمة، فكثير من
الأطفال يتعرضون للتنمر أو التحرش اللفظي والجسدي أو الإهانات، لا سيما في البيئات
ذات الطابع القبلي أو النسبي أو الصهري في بعض المناطق.
فحين لا يمتلك
الطفل سنداً عائلياً قوياً في المدرسة كما يحدث للأسر الصغيرة أو الوافدة أو
البعيدة عن مناطقها الأصلية، يصبح أكثر عرضة للاستضعاف والاعتداء، ومع تكرار تلك
الممارسات، تتحطم نفسيته، وينكسر، وتُزرَع فيه مشاعر الخوف والجبن والعقد التي قد
تلازمه حتى يكبر.
تجربة واقعية
أذكر أنني سألت
أحد زملائي الأمريكيين (وهو من قدامى محاربي حرب فيتنام) عن سبب تعليم أحفاده في
المنزل منذ سنوات (Home
Schooling) فأجاب: في
البيت نُعنى بهم أكثر، يشاركون في تربية الحيوانات والدواجن، والطبخ، والزراعة،
وخدمة المنزل.
فقلت له: وأيضاً
حماية من التنمر؟ قال: نعم، هذا أحد أهم الأسباب.
المدرسة ليست الطريق الوحيد
لا شك أن
المدرسة تؤدي دوراً مهماً في تنمية بعض المهارات الاجتماعية والعلمية، لكن الواقع
اليوم أثبت أن الطفل في العصر الرقمي قادر على أن يتعلم في أي مكان دون تحديد سواء
بالمنزل أو غيره، ويحصّل أضعاف أضعاف ما يتلقاه في المدرسة التقليدية، فضلاً عن
اكتسابه مهارات حياتية مباشرة في بيئته الأسرية.
فالطفل اليوم
يواجه تدفقاً هائلاً من المعلومات، حتى بات عقله أشبه بكبير سن يُرهقه الزهايمر من
فرط الضغط الذهني، هنا يبرز التعليم المرن كخيار رحيم يحمي الطفل من ذلك العبء
ويوازن بين المعرفة والمهارات العملية.
حماية الطفل مسؤولية المجتمع
يبقى الهدف
الأسمى هو حماية الطفل نفسياً واجتماعياً، ومن هنا يكتسب التعليم المرن قيمته، فهو
يتيح للأسرة أن تختار ما يناسب ظروفها، ويحمي أبناءها من أجواء قد تكون مدمرة لهم.
يؤلمني أن أرى
أطفالاً يُضربون أو يُهانون في مدارسهم، ثم يعيشون خوفاً دائماً من الذهاب إليها،
لم يُخلق التعليم ليكون باباً للإذلال، بل وسيلة للارتقاء، واليوم ومع توافر
البدائل الرقمية أصبح من الضروري إعادة النظر في منظومة التعليم المرن، واعتماده
كخيار واقعي وحديث ينسجم مع متطلبات العصر ويحمي أبناءنا.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً