التحالف الإقليمي الجديد

إنّ المنطقة تشهد ولادة تحالف إستراتيجي بين دول مهمة، وهي تركيا والسعودية ومصر وباكستان؛ إذ تحولت من مرحلة التنسيق إلى التحالف؛ وهذا يعني أن تتلاقى هذه الدول في توقيت حساس ومهم، وأنها تقف على أعتاب إعادة تشكّل سياسي تتجاوز فيه مرحلة ردود الفعل إلى طور المبادرة وصناعة القرار بعيداً عن إملاءات الدول الكبرى.

وقبل مدة من الزمن، أطلق رئيس حكومة الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو تحذيراً لافتاً حين تحدث عن «تحالف سُني آخذ بالتشكل»، في إشارة لم تكن هامشية بقدر ما كانت قراءة مبكرة لتحولات تجري بعيداً عن الأنظار، ومع انعقاد اجتماع رباعي في مدينة أنطاليا التركية -وهو الثالث من نوعه- يضم كلاً من تركيا والسعودية ومصر وباكستان، اتضحت تلك الإشارة، وبدت وكأنها تتحول إلى معطى واقعي أخذ مجراه في أرض الواقع.

إن هذا الاجتماع لا يمكن عزله عن سياق أوسع يتسم بقدر كبير من الغموض الدولي، وهو ما عبّر عنه الخطاب السياسي المصاحب له، حين جرى توصيف المرحلة بأنها «زمن الأزمات الدائمة»، هذا الوصف لا يحمل طابعاً توصيفياً فحسب، بل يعكس إدراكاً متزايداً لدى القوى الإقليمية بأن النظام الدولي الحالي لم يعد قادراً على إدارة الصراعات بفعالية، بل ربما أصبح جزءاً من تعقيدها.

وفي قلب هذا المشهد، يتضح مفهوم «الملكية الإقليمية» كأحد أهم المفاتيح لفهم ما يجري، فعندما تناقش هذه الدول الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة والكيان الصهيوني من جهة، وإيران من جهة أخرى، فإنها لا تفعل ذلك بوصفها أطرافاً هامشية، بل كقوى تسعى لإعادة تعريف موقعها في معادلة الصراع، ولكي نفهم أكثر «الملكية الإقليمية» هنا تعني ببساطة أن القرار لم يعد ينبغي أن يُصاغ في عواصم بعيدة، بل داخل الجغرافيا التي تدفع ثمن هذه الصراعات.

وإن اختيار الدول الأربع جاء عن دراية وفهم لطبيعة الصراع وأهمية التوازن بين عناصر القوة المختلفة، فتركيا تمثل عقدة جيوسياسية تجمع بين الشرق والغرب، وتملك قاعدة صناعية وعسكرية متنامية، والسعودية تشكل مركز الثقل المالي والسياسي، فضلاً عن بُعدها الديني الذي يمنحها تأثيراً عابراً للحدود، أما مصر فهي العمق السكاني والإستراتيجي الذي لا يمكن تجاوزه في أي معادلة إقليمية، في حين تمثل باكستان بُعد القوة النووية بما تضيفه من وزن ردعي في حسابات التوازن.

الأهم من ذلك أن هذا الاجتماع يأتي ضمن سلسلة لقاءات بدأت في الرياض، ثم انتقلت إلى إسلام آباد، قبل أن تحط في أنطاليا، هذا التسلسل الزمني يشير إلى عملية بناء تدريجي لإطار سياسي جديد، يتشكل خطوة خطوة وبإيقاع مدروس.

وبالنظر إلى تصريحات وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، فإنها تكتسب أهمية خاصة، حين حذّر من أن «التوسعية الإسرائيلية باتت تهدد الأمن العالمي»، وانتقد في الوقت ذاته اختلال النظام الدولي، فهذه التصريحات لا يمكن قراءتها بمعزل عن الحراك الدبلوماسي الجاري، بل تبدو كجزء من تمهيد سياسي يهيئ الأرضية لتحولات قد تتجاوز حدود الخطاب إلى الفعل.

ما نشهده إذن هو محاولة لتأسيس عقل سياسي إقليمي قادر على إدارة التوازنات بعيداً عن الهيمنة الأحادية للقوى الكبرى، وهذا العقل -إن صح التعبير- يسعى إلى صياغة مقاربة جديدة للصراعات تقوم على تقليل الاعتماد على الخارج وتعزيز القدرة الذاتية على الفعل؛ بمعنى أن تتحرر من قيود القوى الكبرى.

غير أن هذا المسار لا يخلو من التحديات، إذ إن بناء محور إقليمي متماسك يتطلب أكثر من مجرد توافق سياسي مرحلي؛ إنه يحتاج إلى رؤية إستراتيجية مشتركة، وآليات مؤسسية قادرة على تحويل التفاهمات إلى سياسات عملية، كما أن التباينات بين هذه الدول -سواء في أولوياتها أو في علاقاتها الدولية- قد تشكل اختباراً حقيقياً لمدى صلابة هذا التحالف الناشئ.

إضافة إلى ذلك، فإن ردود فعل القوى الكبرى لن تكون محايدة إزاء هذا التحرك؛ لأنّ محاولة سحب ملفات المنطقة من يد اللاعبين الدوليين تعني عملياً إعادة توزيع النفوذ، وهو ما قد يفتح الباب أمام ضغوط سياسية أو حتى محاولات احتواء هذا المسار.

ومع ذلك، فإن مجرد الانتقال من موقع التلقي إلى موقع المبادرة يمثل تحولاً نوعياً في بنية التفكير السياسي الإقليمي، بمعنى أن الدول التي كانت تُدار أزماتها من الخارج بدأت اليوم تبحث عن صيغة لإدارتها من الداخل، مستندة إلى ما تملكه من موارد وإمكانات.

ويمكن القول: إن اجتماع أنطاليا يتجاوز كونه حدثاً دبلوماسياً هامشياً، ليشكل مؤشراً على بداية مرحلة جديدة في تاريخ المنطقة، وهذه المرحلة قد تشهد تبلور محور إقليمي يسعى إلى إعادة صياغة قواعد اللعبة في عالم يتجه أكثر فأكثر نحو التعددية والتنافس المفتوح.

إن هذا التحالف قد لا يكون تحالفاً مكتملاً بعد، لكنه بلا شك نواة لفكرة أكبر، وهي أن المنطقة بكل ما تحمله من تعقيدات قادرة على إنتاج حلولها بنفسها إذا ما توفرت الإرادة السياسية والرؤية المشتركة، وبين التحذيرات التي أطلقها نتنياهو والتحركات التي تجري على الأرض، تتضح ملامح مشهد جديد عنوانه الأبرز أن زمن التبعية المطلقة يفسح المجال تدريجياً لزمن الشراكة وصناعة القرار من داخل الإقليم.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة