الإدمان الإلكتروني.. المشكلة والعلاج
تُعد التقنية
الإلكترونية من أهم ملامح هذا العصر، إذ تدخل في شتى نواحي الحياة، كالاقتصاد،
والسياسة، والحياة الاجتماعية، والتعليمية.. وغيرها.
ومن أخطارها
أنها تُضفي على حياة الإنسان بُعدًا افتراضيًا يُصوِّره ويختار فيه ما يشاء دون
قيود أو حدود؛ ما دفع الكبار والصغار إلى التكالب عليها، وترك الحياة الواقعية،
والهرب إلى تلك الحياة الافتراضية؛ ما زاد من معدل استهلاك الأفراد لها، حتى يجد
الإنسان نفسه مدمنًا لهذا العالم، ولا يستطيع تركه لبضع ساعات!
لذا سنتعرّف
فيما يلي على مظاهر هذا الإدمان، وأسبابه، وطرق علاجه.
تعريف الإدمان الإلكتروني
هو الاستخدام
المفرط للمواقع الإلكترونية؛ ما يؤثر تأثيراً سلبياً في ممارسة الفرد الطبيعية
لمهامه الحياتية، بحيث تعتريه نتيجة لذلك اضطرابات نفسية وسلوكية واجتماعية.
وقد أُجري مسح قام به باحثون في جامعة ستانفورد على عينة من الشباب، وظهر فيه أن 12.5% من العينة يعانون مشكلات مرتبطة بالاستخدام المفرط للإنترنت، ولا سيما البريد الإلكتروني، والألعاب، والإباحية، والتسوق، وقد وُصف هذا السلوك بأنه مشابه للرغبة في تناول الكحول والمخدرات.
أعراض الإدمان الإلكتروني
ورغم وضوح
التعريف، فإنه ربما يتساءل الشخص عن الأعراض التي يثبت بها إصابته أو أحد أفراد
أسرته بهذا المرض، وهي: أنه يفضل قضاء الوقت بصحبة الأجهزة الإلكترونية، ويصيبه
التوتر والضيق إذا ابتعد عن أجهزته الإلكترونية، ويديم الانعزال الاجتماعي وتقلب
المزاج، وتراجع دائرة هواياته واهتماماته تدريجيًا حتى تنحصر في أجهزته، وتحصل له
المبالغة في قيمتها والتحدث عن إنجازاته فيها وكأن حياته تستمد قيمتها من تلك
المواقع والألعاب فقط، ويرفض أي انتقاد لعلاقته بتلك الأجهزة، وقد ينكر سلوكه
تمامًا أو يتعلل بأي أسباب واهية لتبرير تلك السلوكيات، وينشغل بها عن مسؤولياته
العملية أو العلمية، ويلجأ لتناول الطعام سريعًا أمام الألعاب الإلكترونية أو تركه
تمامًا إذا عطّلته عن إكماله.
أشكال الإدمان الإلكتروني
تتعدد مظاهره
حسب حالة كل شخص ونمط حياته، ومن ذلك:
1- إدمان
الألعاب الإلكترونية: يُعاني الفرد فيه من الاستغراق في الألعاب لفترات طويلة،
بسبب تحفيز الفوز في الألعاب لإنتاج الدوبامين في المخ؛ ما يجعله يكرر اللعب
لإعادة إفراز الدوبامين، فينتهي به الأمر بقضاء ساعات طويلة دون أن يشعر.
2- إدمان جمع
المعلومات: ويُعد هذا النوع فخًا كبيرًا، لأنه يضفي على الإدمان مظهر العلم، فيجلس
المرء لساعات يجمع معلومات لا يحتاج إليها.
3- إدمان
المواقع الإباحية وغرف الدردشة: يشعر الشخص بالحماسة لتكوين علاقات اجتماعية في
غرف الدردشة، وقد يتطور الأمر إلى رغبة في مزيد من المتعة والإثارة المحرمة
وتبادلها مع الآخرين في عالمه الافتراضي.
4- إدمان وسائل
التواصل الاجتماعي: يدمن الشخص جذب الأنظار وجمع الإعجابات والتعليقات، ومتابعة
أخبار هذا وذاك، فيقضي غالبية يومه في التنقل بين تلك المنصات.
آثار الإدمان الإلكتروني على الأفراد
1- تدهور الحياة
الاجتماعية: فحينما يجلس الأفراد في المنزل أو التجمعات، تجد كل فرد منشغلًا
بشاشته الخاصة ومنعزلًا في عالمه الافتراضي؛ ما يزيد التباعد بين الأزواج والأبناء
وأفراد المجتمع.
2- تدهور الصحة
النفسية والعقلية والجسدية: كثرة الجلوس أمام الشاشات تسبب تراجع التركيز
والذاكرة، والميل للعصبية، وكذلك التشتت وفرط الحركة لدى الأطفال، كما تؤثر على
القوة الجسدية بالسلب نتيجة قلة الحركة، وجفاف العين، وضعف البصر تدريجيًا، وعلى
المستوى النفسي، تسبب القلق والتوتر والاكتئاب، وصعوبات النوم، والشعور بالوحدة.
3- تدهور القيم
الأخلاقية: كثرة المدخلات الفاسدة تجعل القلب يعتاد عليها ويألفها مع الوقت، ثم
يتطور الأمر لقبولها والانسياق وراءها لكسب مكانة في العالم الافتراضي.
طرق العلاج لهذه المشكلة
1- تزكية النفس:
تُركز التزكية على إصلاح أمراض القلوب والنفوس كحب الظهور والعجب وغيرها، وكذلك
استشعار مراقبة الله عز وجل، فيتجلى ذلك على الجوارح، فتخشى العين واليد أن تعصي
الله فينعكس ذلك على تعامله مع تلك التقنية.
2- استحضار
الغاية من الخلق: فكلما غُرست في النفس قيمتها الحقيقية التي خلقها الله لها وهي
العبادة، واستشعرت أنها محاسبة على وقتها أمام الله، كلما اجتهدت في تنظيم استخدام
التقنية وعدم إهدار الوقت هباء في المواقع والألعاب إلكترونية.
3- دور الأسرة:
فقد يلجأ الآباء لإعطاء الأبناء الأجهزة ظناً أنها تفيدهم مستقبلاً، أو لتقليل
إزعاجهم، أو لكي يكونوا مثل أقرانهم؛ لذا يجب على الآباء فهم أهمية التقنية،
والتعلم عن المدة المناسبة للأطفال وآثارها عليهم حسب مراحلهم العمرية، ومتابعة
تطور علاقة الطفل بها، وتوعيته بأخطارها وكيفية استخدامها، وأن يكون الآباء قدوة
للأبناء في ذلك.
4- دور المجتمع:
يجب أن تنظم المساجد والمدارس والجامعات والنقابات المهنية والعمالية دورات توعية بأخطار
الإفراط في استخدام التقنية، وربط ذلك بكلام واقعي، وإجراء اختبارات دورية لمعرفة
مدى ارتباط الأشخاص بها، وتحويل من يحتاج للمساعدة إلى المختصين.
5- استخدام
تطبيقات التحكم: هناك تطبيقات تساعد على مراقبة وقت استخدام المواقع، وتحديد مدة
استخدامها، وإغلاقها تلقائيًا عند تجاوز الحد المسموح، وكذلك أدوات المراقبة
الوالدية لمتابعة نشاط الأطفال في وقت الشاشات الخاص بهم.
6- إيجاد
البدائل: يضع المرء لنفسه ولأسرته بدائل ترفيهية وصحية لوقت الشاشات، مثل ممارسة
الرياضة، وقراءة الكتب بشكل جماعي أو فردي، والنقاش فيها، وألعاب ترفيهية جماعية
للأسرة، ووضع قانون واضح بعدم استخدام الهاتف في أوقات محددة، ومصاحبة أشخاص
صالحين يساعدونه على استغلال وقته فيما يحبه الله ويرضاه.
أصبحت الشاشات
والتقنية جزءاً من حياتنا لا يمكن إلغاؤه تماماً، ولكن يمكن تقنينه لتحقيق أعلى
استفادة وتقليل أضراره قدر المستطاع، فالمسلم كيّس فطن لا يترك نفسه فيضيعها ولا
يمنع عنها خير، قد يزداد به علماً وقرباً من الله، ويكون نافعاً لنفسه ولإخوانه من
المسلمين، فقط يسدد ويقارب ويخلص لله، والله لن يضيع أجر من أحسن عملًا.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً