أدب اللسان في رحاب الإيمان (1)
استهلال وإجلال في ظلال النحو والعقيدة
من أهم ما اختص
الله تعالى به اللغة العربية أنه لم يجعلها مجرد وسيلة للتواصل أو أداة لنقل
التراث وإبداع الأدب والشعر؛ بل أكسبها سبحانه وتعالى قدسية استثنائية وتشريفاً
إلهياً حين اختارها وعاءً لآخر رسالاته السماوية ولساناً لخاتم كتبه.
إن نزول القرآن
الكريم بـ«لسان عربي مبين» لم يكن اختياراً عابراً؛ بل كان تكريماً لهذه اللغة
ورفعة لشأنها؛ حيث منحها الله من الخصائص اللسانية والميزات الدلالية ما جعلها
تتسع لعلوم الوحي اللامتناهية.
ورحم الله حافظ
إبراهيم القائل على لسان اللغة:
وَسِعتُ كِتابَ
اللَهِ لَفظاً وَغايَة وَما ضِقتُ عَن آيٍ بِهِ وَعِظاتِ
والله تعالى
حينما أنزل القرآن الكريم باللغة العربية تحدى به أساطين العربية الأقحاح، الذين
هم أبناء بَجدَتها، علماً وتجربة؛ فوقفوا أمامه عاجزين ولم يملكوا إلا الخضوع له؛
فمنهم من آمن به ومنهم من منعه كبره وعناده من الإيمان رغم تسليمه بفصاحة القرآن
وبيانه.
علاقة تأثير وتأثر
وفي هذا السياق،
نؤكد أن علاقة اللغة العربية وعلى رأسها علم النحو بالعلوم الأخرى –خاصة علوم
الشريعة- ليست علاقة تأثير في اتجاه واحد فقط؛ بل هي علاقة تأثير وتأثر؛ فكما أن
قواعد النحو تؤثر في فهم بعض القواعد العقدية أو الفقهية؛ فكذلك قد يكون التأثر
عكسياً؛ حيث يكون للتصور العقدي أو الفقهي أثره في توجيه القاعدة النحوية.
وكنا قد أفردنا
سلسلة عن «العلاقة بين علم النحو وعلوم الشريعة»، وكان ينبغي أن يكون هناك محور
فيها عن العلاقة بين علم النحو وعلم العقيدة، لكن نظراً لأهمية هذا العلم ولتشعب
الحديث فيه، ارتأينا أن نفرد له سلسلة خاصة به.
وإذا أردنا
تعريف علم العقيدة فهو العلم الذي يبحث في العقيدة الإسلامية وبيان ما يضادها
وينافيها وهو مستمد من الوحيين الكتاب والسُّنة، وبيان نهج أئمة الأمة من الصحابة
والتابعين في تعاملهم مع مسائل الاعتقاد.
وعلم العقيدة هو
أصل العلوم؛ لأن سلامة المرء في دينه موقوف على سلامة عقيدته.
والعقيدة
الإِسلاميَّة عند إطلاقها هي عقيدة أَهل السُّنَّة والجماعة؛ لأنَّها هي الإِسلام
الذي ارتضاه الله ديناً لعباده، وهي عقيدة القرون الثلاثة المفضَّلة من الصحابة
والتابعين وتابعيهم بإِحسان إلى يوم الدين.
وكل ما خالف
عقيدة أهل السُّنة والجماعة فهو من العقائد الباطلة، وصاحبها منحرف عن الاعتقاد
الصحيح إلى العقائد البدعية الضالة. (ينظر: مدخل إلى علوم الشريعة، ص 72، عبد
الرحمن العقل).
ونظراً لمكانة
علم العقيدة بين علوم الشريعة؛ إذ مجاله الإيمان وما ينبني عليه من تفريعات ومن
عبادات؛ فقد كان من أكثر العلوم تأثيراً في علم النحو؛ سواء من حيث نشأته أم
تقعيده بعد ذلك؛ نظراً للعلاقة الوثقى بينهما.
يقول أحد
الباحثين: «إن تأثير العقيدة الإسلامية في النحو العربي كان أسبق من غيره من
العناصر، ثم أعقبه بعد ذلك تأثير علم الكلام ثم الفلسفة، ثم المنطق، أما العقيدة
فقد ظهر أثرها في نشأة النحو العربي حين أقبل العلماء على تلمس القواعد التي
يصونون بها الكلام العربي عن اللحن خشية أن يتطرق هذا اللحن إلى القرآن الكريم،
ولكي يستعينوا بهذه القواعد على فهم القرآن والسُّنة وإفهامهما لغير العرب من
الأعاجم والموالين الداخلين حديثاً في الإسلام، وليست لهم سليقة العربية» (أثر
العقيدة وعلم الكلام في النحو العربي، ص 33، د. مصطفى عبدالعليم).
وكان من أبرز
تأثر علم النحو بعلم العقيدة بعض الاحترازات التي رعاها النحاة في توجيه بعض
الآيات القرآنية؛ بل وفي ترجيح مصطلح نحوي على آخر، كما فعلوا مثلاً في ترجيحهم
مصطلح البدل المطابق بدلاً من بدل كل من كل عند إعرابهم لفظ الجلالة في قوله تعالى:
(كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ
النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ
الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ {1} اللّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي
الأَرْضِ) (إبراهيم)؛ تأدباً مع الله تعالى، كما سيأتي الحديث عنه في الحلقة
القادمة إن شاء الله تعالى.
الفرق الكلامية والاستغلال اللغوي
مع اتساع رقعة
الدولة الإسلامية وظهور الفرق الكلامية وأهل الملل والنحل المختلفة، تحولت اللغة
العربية إلى ميدان للمواجهة؛ إذ حاول بعض أصحاب هذه المذاهب المبتدعة استغلال
مرونة اللغة العربية، وتعدد وجوهها الإعرابية، واتساع مجازاتها، للانتصار لآرائهم
العقدية؛ فكانوا يبحثون في غريب اللغة عن مخرج يوافق أهواءهم، أو يتأولون الحروف
والأدوات تأويلاً يخرجها عن سياقها المعهود عند العرب الأقحاح.
لكن الله تعالى
قيّض لهذا الدين علماء عدولاً ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل
الجاهلين كما وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم، فكان أحد أهم أسلحتهم في الذب عن
العقيدة سلاح اللغة؛ فلم يكتفِ هؤلاء العلماء برد الشبهات بالعقل والنقل فقط، بل
حصّنوا النص القرآني بسياج من التوجيهات اللغوية الصحيحة، منطلقين من إيمان عميق
بأن الله الذي تحدى العرب بفصاحته، لا يمكن أن يكون في كتابه ما يناقض التوحيد
الخالص أو يمس جلال الربوبية.
ولعل في هذا
لمحة مهمة، وهي أن الله تعالى كما جعل الإيمان بالغيب يحتاج إلى ثقة كبيرة ويقين
عظيم في الخالق سبحانه وتعالى؛ جعل بعض آيات الإيمان والعقيدة في القرآن حمالة
دلالات وتوجيهات مختلفة؛ ليكون هذا اختباراً آخر للإيمان به سبحانه؛ فالذي يؤمن
بما لم يرَه بعينه في كتاب الله المنظور وبحث عن الحقيقة بقلبه، سيطبق الأمر نفسه
مع كتاب الله المسطور، وسيجعل قلبه دليلاً لاختيار التوجيهات والدلالات التي يكتمل
بها إيمانه، وتصح بها عقيدته.
وفي هذه السلسلة،
سنقف مع بعض الاحترازات التي وقف أمامها النحاة ومعربو القرآن؛ فاختاروا لها ما
يتناسب مع العقيدة الصحيحة والتصور الإيماني السليم، خاصة ما تعلق منه بالله عز
وجل.
اقرأ أيضاً:
- «النحو».. تعريفه ودوره في فهم النص الديني
- العلاقة بين علم النحو وعلم الفقه
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً