ارتقت .. قصة قصيرة للدكتور عبد الحميد محمد شعيب

محرر سحر البيان

19 فبراير 2026

186

كانت قصيرة.. قريبة من الأرض، لكنها كانت تعشق السماء، تحبُّ النظر إليها، تُحدِّث الشمس، تناغي النجوم، تتطلَّع إلى ما وراء الغيوم، كأنَّما عيناها منظار يرصد السماء، ويرقُب ما يدور فيها.. فاتها قِطار الزواج، فتعلَّقتْ بقِطار الآخرة، آمنت برحلة الخلاص، فلم تيأس، ولم تحزن، ولم تنشغل بالبيع والشراء، رفعتْ شعار "ما أرى الأمر إلا أعجل من ذلك" في وجوه السائلين واللائمين..

وهناك.. على أعتاب إحدى المُجيزات في القرآن وقفتْ، وأكثر هاتفها الرنين.. طال وقوفها في صفوف المُنتظرات، تريد إجازة في رواية حفص.. سرعان ما رفضتها الشيخة المُجيزة بعد فترة قليلة من قراءتها عليها؛ لأنَّها لا تصلح لحمل الأمانة، وأمام عبارة الشيخة المُجيزة "لا شفاعة في القرآن" علا صوت بكائها..

توسَّلت مرَّات ومرَّات.. ووسط دموعها الغزيرة قالت لها الشيخة المُجيزة: لأمر لا أعلمه سأمنحك فرصة أخرى.. طارت فرحًا، تمسَّكتْ بأهداب فرصة نادرة منحتها الشيخة المُجيزة في غفلة من ضميرها، أو كما تقول الشيخة المُجيزة بعد ذلك ضاحكة: خانني لساني رغمًا عنِّي..

كان هذا الحادث الاستثنائي مبعث تعجُّب الشيخة المُجيزة.. فاحتضنتها، وأشفقتْ عليها، وصبرتْ على تعليمها.. لم تكن تعرف مخارج الحروف، ولا تعطي كل حرف صفته إن تجاور المرقَّق والمُفخَّم.. ويضلُّ لسانها ضلالًا مبينًا في الثاء والذال والظاء، وتقع في كلِّ أنواع اللَّحن.. فتقول لها الشيخة: ما أتى بك إلى طريق أنت منه بعيدة؟.. فأجابت وفي عينيها بريق: أريد أن أتعلَّق بالقطار..

يا لها من إجابة طالما أبكتْ الشيخة التي عقَّبت عليها: جاءت لنعلِّمها فعلَّمتنا.. كانت الشيخة تقول لها: لصوتك غُنَّة سماويَّة تخترق القلب.. لعلَّ هذا هو سبب قبول المُجيزة لها.. ولعلَّه كان وراء منحها ساعة إضافيَّة تتَّصل عليها فيها الشيخة وقت فراغها.. لكنَّها قلَّما كانت تجيب على هاتفها..

عندما فرغت من قراءة حفص، أخذتها المُجيزة إلى شيخها ليختبرها ويشهد على الإجازة.. رجل طاعن في السنِّ، متكوِّمٌ في مقعده، يعاني من أمراض الشيخوخة، ما عاد يدري من أمر الحياة شيئًا كأهل الكهف.. عندما بدأت الطالبة التلاوة ردًّا على أسئلته، عادت إليه الحياة.. استعاد نشاطه بذاكرة حديديَّة كشاب في مُقتبل العمر وسط ذهول الحاضرين.. وبعد فترة ليست بالقليلة من أسئلته المتوالية- القاطعة لقراءتها-عن أحكام التلاوة، منحها الإجازة في قراءة حفص عن عاصم بن أبي النجود من طريق الشاطبيَّة، وخاتمًا شاهدته بقوله:

وَإِنَّ كِتَابَ اللهِ  أَوْثَقُ  شَافِعٍ   وَأَغْنَى غِنَاءً  وَاهِبًا  مُتَفَضِّلَا

وَخَيْرُ جَلِيْسٍ لَا  يُمَلُّ حَدِيْثُهُ   وَتِرْدَادُهُ   يَزْدَادُ  فِيْهِ  تَجَمُّلَا

هَنِيْئًا مَرِيْئًا  وَالِدَاكَ عَلَيْهِمَا   مَلَابِسُ أَنْوَارٍ مِنَ التَّاجِ وَالحُلَا

 تبدأ السلسلة النورانيَّة (الإجازة) باسمها وتنتهي عن أمين الرسالة وخاتم النبيِّن محمد رسول الله عن أمين الوحي جبريل عن ربِّ العالمين.. قبضتْ عليها بكلتا يديها وسط دموعها الغزيرة، ودعائها للشيخ وللمُجيزة.. وتقطع دعاءها بالنظر إلى السماء، وتهمهم بكلمات، لا أحد من الحاضرين يدري ماذا تقول.. ثمَّ توجَّهتْ بالحديث إلى شيختها في رفق وتحنان أريد قراءة نافع؟ لتجيبها المُجيزة بصوت خافت وهي تهزُّ رأسها: من يذق حلاوة القرآن سيطلب المزيد!.. لتبدأ مرحلة أخرى من حياتها مع القرآن، كانت تستعذب رواية ورش، وتُجيد تحريرها؛ ممَّا جعل الشيخة المُجيزة تمنحها ساعة إضافيَّة مرة أخرى، لكنَّها لم تتخلَّ عن عادتها عندما تتصل بها الشيخة؛ تليفونها مُغلق بدون سابق إنذار، ولا أحد يعلم عنها شيئًا.. لكن هذه المرَّة طالت غيبتها، فسألتْ عنها الشيخة المُجيزة.. هاتفتها كان هاتفها مغلقًا كالعادة.. بحثتْ عنها دون جدوى.. حاولتْ الوصول إليها.. ركبتْ السيارة وأمرتْ السائق أن يتوجه إلى بيتها.. دقت جرس الباب، لم يُجب أحد، دقته مرَّات ومرَّات وهي تنادي باسمها، عاجلها أحد الجيران: لقد رحلت من زمن.. إلى أين؟ لا أحد يعلم كان جوابه، ازداد قلقها عليها..

تركت لها رسالة عند كلِّ من يعرفها من الطالبات، أخبروا طالبتي أن تتَّصل عليَّ.. في ثاني أيام رمضان جاءها الجواب عبر الهاتف وقت صلاة العصر: "أمل" طالبتك يُصَلَّى عليها الآن صلاة الجنازة في مسجد التقوى...فتهرع الشيخة المُجيزة لعلها تدركها في المسجد، فتصلِّي عليها، وتُلقي عليها نظرة الوداع وتحيَّة الفراق.. ولكن هيهات هيهات لن يسعفها الوقت، فتدثَّرت بثيابها وصلَّت عليها صلاة الغائب.. وبعد أن فرغت من بكائها، عادت لتسأل: كيف حدث ذلك؟ ليجيبها الصوت الهادئ مرَّة أخرى عبر الهاتف: فرغت لنفسها، وأغلقت هاتفها كالعادة.. فلمَّا افتقدها أهلها في أول يوم من رمضان، ذهبوا إلى شقَّتها بعد صلاة التراويح، ولما يئسوا من إجابتها، كسروا باب الشقَّة.. وهناك.. في غرفة بعيدة.. في زاوية من زوايا البيت.. ارتقت.. في موضع سجودها، ممسكة بمصحفها، وبجوارها إجازة مغلقة لم يبدو منها إلا كلمات: عن أمين الرسالة وخاتم النبيِّن محمد رسول الله عن أمين الوحي جبريل عن ربِّ العالمين.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة