إضعاف بلا انهيار.. ملامح السياسة الأمريكية تجاه إيران

لا يمكن مقاربة سؤال سقوط النظام الإيراني بوصفه سؤالاً آنياً مرتبطاً بالاحتجاجات الداخلية أو بالتصعيد الإقليمي فقط، بل هو سؤال إستراتيجي يتصل بطبيعة التخادم الأمريكي - الصهيوني، وبالدور الوظيفي الذي تؤديه إيران في معادلة الشرق الأوسط، وبحدود ما ترغب واشنطن في تغييره أو الإبقاء عليه، فالمسألة، في جوهرها ليست ما إذا كان النظام الإيراني ضعيفاً أو قوياً، بل هل تريد الولايات المتحدة إسقاطه؟ ومتى؟ وبأي كلفة؟

حتى اللحظة لا يبدو أن هناك توافقاً أمريكياً - صهيونياً حول الهدف النهائي؛ لأن الكيان ينظر إلى النظام الإيراني بوصفه تهديداً وجودياً مباشراً، ويرى أن بقاءه مهما كان ضعيفاً، يعني استمرار الخطر المؤجل، ومن هذا المنطلق يميلون إلى خيار إسقاط النظام كحل جذري ينهي الطموح النووي ويكسر المشروع الإقليمي من جذوره.

في المقابل، تعتمد الولايات المتحدة مقاربة أكثر براغماتية وحذراً، فواشنطن لا ترى في إسقاط النظام الإيراني خياراً آمناً في المرحلة الراهنة، بل تعتبر أن إضعافه المنهجي وتحجيم قدراته وإجباره على التفاوض يحقق الأهداف الإستراتيجية بأقل قدر من الأخطار، هذا التباين لا يعكس خلافاً تكتيكياً عابراً وإنما اختلاف عميق في تصور الاستقرار والفوضى وحدود السيطرة.

في هذا الإطار، تأتي الاحتجاجات التي تشهدها إيران بوصفها جزءاً من سياق الإضعاف لا مشروع إسقاط، فهذه الاحتجاجات هي في جوهرها نتيجة مباشرة لتدهور اقتصادي حاد سببه العقوبات الغربية، ولا سيما بعد العودة إلى سياسة «الضغط الأقصى» بعد تراجع العملة، وارتفاع التضخم، وتآكل القدرة الشرائية، كلها عوامل دفعت قطاعات اجتماعية إلى الشارع، لكن هذا الحراك لا يحمل حتى الآن مقومات التهديد البنيوي للنظام.

النظام الإيراني، بخلاف كثير من الأنظمة، فهو يمتلك جهازاً أمنياً متماسكاً وخبرة طويلة في احتواء الاضطرابات، والتجارب السابقة من احتجاجات عام 2009م إلى موجات لاحقة تؤكد أن الدولة لا تزال قادرة على ضبط الداخل ومنع تحوّل الغضب الاجتماعي إلى مسار ثوري شامل، لذلك، فإن الغرب لا يتعامل مع الاحتجاجات بوصفها أداة إسقاط، بل كوسيلة ضغط إضافية لإجبار النظام على التراجع الإستراتيجي.

هذا التراجع لا يقتصر على الداخل، بل يمتد إلى المجال الإقليمي، فخلال السنوات الأخيرة، تعرض النفوذ الإيراني في لبنان واليمن وسورية والعراق إلى استنزاف متواصل، سواء عبر العقوبات أو الضغوط السياسية أو إضعاف الحلفاء، ولذا فالهدف لم يكن اقتلاع النفوذ دفعة واحدة، بل تفريغه من مضمونه الفاعل وتحويله إلى عبء اقتصادي وأمني على طهران.

السؤال الأكثر حساسية في الحسابات الأمريكية 

غير أن السؤال الأكثر حساسية في الحسابات الأمريكية يبقى: من سيحكم إيران إذا سقط النظام؟ هذا السؤال، الذي لا تجد واشنطن له جواباً مطمئناً، يمثل جوهر التحفظ الأمريكي على خيار الإسقاط، فإيران دولة مركزية، تمتلك برنامجاً نووياً وبنية عسكرية معقدة، وأي فراغ في السلطة قد يفتح الباب أمام فوضى إقليمية، أو تسرب نووي، أو صعود قوى غير منضبطة، وهي سيناريوهات ترى فيها الولايات المتحدة تهديداً مباشراً لمصالحها.

هذا القلق الأمريكي يكشف في الوقت ذاته حقيقة العلاقة مع الكيان الصهيوني، فرغم التحالف الوثيق، لا ترغب واشنطن في ترك قرار الحرب بيد «تل أبيب» وحدها، وإنما إبقاؤها تحت المظلة الأمريكية؛ بمعنى تضبط سلوكها الإستراتيجي ومنعها من الانزلاق إلى مواجهات قد تخرج عن السيطرة وتفرض على الولايات المتحدة كلفة غير محسوبة.

إلى جانب ذلك، تؤدي إيران دوراً وظيفياً مهماً في الإستراتيجية الأمريكية، من حيث تدري أو لا تدري، فالتهديد الإيراني يشكل مبرراً دائماً للوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، ولعقود التسليح، ولمعادلة «الحماية مقابل النفوذ»؛ لأنّ غياب هذا التهديد يطرح سؤالاً حساساً: من سيبرر هذا الوجود؟ ومن سيعوّض واشنطن عن الخسائر السياسية والاقتصادية المترتبة عليه؟

سيناريوهات مستقبل النظام الإيراني

من هنا، تبلورت سياسة أمريكية واضحة نسبياً: تقويض القدرات النووية والصاروخية الإيرانية دون إسقاط النظام، ليكون الهدف منع التحول النووي، وإبقاء إيران في حالة إنهاك إستراتيجي، لا قادرة على التمدد ولا منهارة بالكامل، لكن هذه السياسة تفتح الباب أمام عدة سيناريوهات لما بعد الإضعاف.

أول هذه السيناريوهات الاحتواء المُدار، حيث يبقى النظام قائماً، ولكن ضمن هامش حركة ضيق، مراقَب دولياً، ومجرد من أدوات المبادرة، وفي هذا النموذج، تتحول إيران إلى دولة مقيَّدة ووجودها يخدم توازن الردع دون تهديد مباشر، ويضمن استمرار الحاجة الإقليمية للدور الأمريكي.

السيناريو الثاني يتمثل في العودة المشروطة إلى التفاوض، وهنا قد يدفع الضغط الاقتصادي والاجتماعي النظام إلى إعادة تدوير نفسه سياسياً، عبر مرونة تكتيكية وتقديم تنازلات محسوبة مقابل رفع جزئي للعقوبات، ولا يعني ذلك تغييراً في طبيعة النظام، بل إعادة تموضع تسمح له بالبقاء مع تقليص طموحه.

أما السيناريو الثالث، فهو الانكفاء الإقليمي التدريجي، وفي هذا المسار، يؤدي الاستنزاف إلى تقليص الدعم للأذرع الخارجية، ليس بقرار سياسي معلن، بل بفعل العجز المالي وتآكل القدرة على إدارة عدة ساحات في آن واحد، والنتيجة تكون إيران أقل حضوراً، وأكثر انشغالاً بالداخل.

في المقابل، يبقى سيناريو الانفجار المؤجل قائماً، وإن لم يكن وشيكاً حتى تراكم الأزمات الاقتصادية، مع تصدعات داخل النخبة، قد يحوّل الاحتجاجات من حالة مطلبية إلى أزمة بنيوية، وخطورة هذا المسار تكمن في غياب البديل الواضح، ما يجعله مقلقاً أمريكياً، وفوضوياً إقليمياً.

أما السيناريو الأخير والأكثر خطورة، فهو الاصطدام مع الإرادة الدولية، إذا قرر النظام الرد على الإضعاف بالتصعيد النووي والبالستي، فقد تجد واشنطن نفسها مضطرة للتخلي عن سياسة الاحتواء، والاقتراب من الرؤية الصهيونية، ليس لإسقاط النظام بحد ذاته، بل لمنع تحوله إلى قوة نووية خارجة عن السيطرة.

والخلاصة، لا يبدو سقوط النظام الإيراني خياراً قريباً في الحسابات الأمريكية، وأنّ ما يجري هو إدارة طويلة للصراع، تقوم على الإضعاف لا الحسم، وعلى التحكم لا المغامرة، وإسقاط النظام سيبقى احتمالاً مؤجلاً، لا يُستدعى إلا إذا أصبحت كلفة بقائه أعلى من كلفة سقوطه، وعندها فقط قد تتغير قواعد اللعبة بالكامل.

الرابط المختصر :

كلمات دلالية

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة