أمة القرآن بين وعد العزة وواقع التبعية

خلقنا الله أحرارًا، وشرّفنا بالاستخلاف، وأعزّنا بالإسلام، فرفع عنا به كلَّ قيدٍ إلا قيد العبودية له وحده، وحين أنزل إلينا كتابه في رمضان، لم يُنزل نصوصًا تُتلى فحسب، بل أنزل عهداً يربط الأرض بالسماء، ويعيد تشكيل الوعي، ويحرر القلب من الخوف والارتهان، فكلما تُلي القرآن على القلوب الحية ازدادَت إيمانًا، وانخلعت عنها أوهام الضعف، وتهاوت قيود الرهبة من الخلق، واستقرت في أعماقها حقيقة التوكل: (وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) (الأنفال: 2).

بهذا الكتاب صارت علاقتنا بكل ما على الأرض علاقةً منضبطة بالوحي؛ فلا نرى الأحداث إلا من خلال ميزانه، ولا نتحرك إلا وفق هديه، وبقدر صدقنا مع الله يمنحنا من القوة والسلطان ما يرفع شأننا ويقيم لنا وزنًا في الأرض: (وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا) (الإسراء: 80)، فالسلطان ثمرة الصدق، والنصر نتيجة الانحياز الخالص للحق.

ثمرات الإيمان الصادق

بالإيمان يتحقق الاستغناء؛ فلا فقر مع الله، ولا عوز مع خزائنه، (وَعِندَهُ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) (المنافقون: 7)، والمؤمن أغنى الناس بربه قبل أن يغتني بماله، ثم هو قويّ بإخوانه، لأن الله هو الذي يؤيد بنصره وبالمؤمنين، وهو الذي يؤلف بين القلوب، فيصنع من التآزر قوة، ومن الوحدة سلطانًا، ومن الأخوة درعًا لا يُخترق.

وبالإيمان يتحقق الأمن بمعناه العميق؛ أمن القلب قبل أمن الحدود، وأمن المصير قبل أمن الحاضر: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ) (الأنعام: 82)، فلا خوف والله معنا، ولا وهن والله ناصرنا، ولا ضياع والله حافظنا، إنما ينشأ الخوف حين ينفصل القلب عن مصدر العزة، ويطلب الأمان في غير موضعه.

 القراءة الربانية سبيل التحرر من التبعية

لقد تعلّمت أمة القرآن منذ اللحظة الأولى للوحي أن التحرر يبدأ بالقراءة: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) (العلق: 1)، فالقراءة باسم الله ليست نطقًا لفظيًّا، بل رؤية وجودية؛ أن نفسر الأحداث باسمه، ونفهم التاريخ في ضوء سُننه، ونتعامل مع الواقع بمنهج ربوبيته، له نعمة الإيجاد، وله العناية والرعاية والرشاد؛ فكيف نقرأ الحياة بعيدًا عن اسمه؟ إن كل حدث تمر به الأمة يستوجب قراءة ربانية أولًا، قبل التحليل السياسي، وقبل الحسابات المصلحية.

وحين نعود إلى مطلع الوحي: (اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ) (العلق: 2)، ندرك أن الإكرام الإلهي ليس عطاءً عشوائيًا، بل ثمرة بحثٍ وتعلّمٍ واعتبار، فالله يعد من يتفكر في سننه، ويتعلم من تجاربه، ويستعدّ لأقداره، أن يمدّه بكرامةٍ تناسب استعداده؛ فالإمداد على قدر الإعداد، والرفعة على قدر الصدق.

وهنا ينهض السؤال المؤلم: هل نحن أحرار حقًّا؟ هل حررنا القرآن، أم هجرنا منهجه؟ هل رفعنا الإيمان، أم اكتفينا بشعاراته؟ إن القرآن يخبرنا أن أول خطوة في حركة الحياة أن نستعلي بمنهجه على كل المناهج، وألا نقدّم عليه فلسفةً ولا رؤيةً بشريةً مهما زخرفت، المفاصلة الأولى ليست صدامًا مع العالم، بل وضوحًا مع الذات؛ أن نرفض كل منهج يريد استعبادنا، لأن القرآن يريدنا أحرارًا بالإكرام، وغيرُه يريدنا أتباعًا بالإهانة.

القرآن يريدنا أحرارًا ليعطينا، وغيره يريدنا عبيدًا ليأخذ ما في أيدينا، يريدنا أعزةً بالله، وهم يريدوننا متعلقين بهم، يريدنا قائمين برسالة، وهم يريدوننا مستهلكين بلا دور.

وقد سألتُ نفسي عند الخطوة الأولى: أين نحن منها؟ فأصابني دوار الحيرة، وارتفع السؤال من أعماقي: يا الله.. أين نقف في هذا المشهد؟

العالم من حولنا يقيم التكتلات، ويعلي من قيمة أفراده ضمن مشاريع كبرى متكاملة؛ هؤلاء يبنون اتحادًا أوروبيًا شديد التماسك، لا يكاد يترك فراغًا لغيره، وأولئك يصوغون أمةً أمريكية لقارة كاملة توحَّدت رغم تنوّعها الهائل وتعدد دواعي الخلاف فيها، وغيرهم يحشدون منظومات عابرة للحدود، مترامية الأطراف، تعمل بوعيٍ واستراتيجية، حتى كادت تبتلع فضاءً عربيًا واسعًا لولا لطف الله تعالى!

وفي المقابل، نقف نحن نترقب الغالب لنكون في خدمته، ننتظر من ينتصر لنعلن ولاءنا له، كأن قدرنا أن نكون تابعين لا فاعلين، ويُغرس الكيان الصهيوني في قلب منطقتنا، ويغتصب القدس، ويُعلن مشروعه دون مواربة، فلا نجد إلا المهادنة تارة، والمطاوعة تارة، والتطبيع تارة أخرى، نوالي من يواليه، ونعادي من يعاديه، وهو لم يكفّ يومًا عن التلويح بتهديدنا، والسعي لاستضعافنا، ومحاولة تغيير هويتنا وعقيدتنا.

ومع ذلك، ما زلنا واقفين في حال من اللامبالاة، منشغلين بسفاسف الأمور، متلهين بصراعات هامشية ومسابقات عبثية، وكأن ما يجري حولنا لا يعنينا، وكأن التاريخ يُكتب في مكانٍ آخر لا نكاد نراه ولا نشارك في صناعته، بينما نتنازع نحن، ونتقاطع، ونتدابر، ونستهلك طاقاتنا في صراعات جانبية، ونقف على هامش التاريخ ننتظر من يغلب لننحاز إليه، أيُّ سقوطٍ في الوعي هذا؟ وأيُّ تنازلٍ عن معنى الحرية الذي أنزله الله في كتابه؟

لقد وهب الله هذه الأمة من عناصر القوة ما لو أحسنت توظيفه لتغير وجه العالم؛ قيمًا راسخة، وعمقًا حضاريًا، وموارد بشرية ومادية هائلة، وجغرافيا تمتد عبر القارات، وروحًا دينية قادرة على البذل والتضحية، فإذا اجتمعت الكلمة، وتوحد المقصد، واستُعيدت الثقة بالذات، تحولت هذه الطاقات إلى قوة فاعلة لا طقوس شكلية.

إن اجتماع الإرادة الصادقة بين شعوب الأمة، من مشرقها إلى مغربها، كفيل بأن يبدل موازين كثيرة، ويعيد تعريف الحضور الإسلامي في العالم، لسنا أقل عددًا، ولا أضعف موارد، ولا أهون حضارة؛ إنما العلّة في تشتت الرؤية، وانفصال السياسة عن القيم، وانفصال الواقع عن القرآن.

أمة القرآن بين وعد العزة وواقع التبعية

نحن أمة حباها الله بكرامة الإيمان وعزة التوحيد ورفعة الأخلاق، بلغنا بالإيمان موطئ قدم لم تبلغه أمة، لا باستعلاء على الخلق، بل بحمل رسالة العدل والرحمة، فلماذا رضينا بالدنية؟ ولماذا اصطففنا في طوابير التبعية ننتظر من يحدد لنا أولوياتنا ويكتب لنا أدوارنا؟

إن العالم اليوم يبحث عن معنى، عن عدل، عن توازن، عن إنسانية لا تلتهمها المادية ولا تسحقها القوة العمياء، ونحن نحمل في كتابنا وشريعتنا أملًا للإنسان التائه، وشاطئ أمان للبشرية الموشكة على الغرق، فهل نستيقظ لندرك أننا لسنا عبئًا على العالم، بل طوق نجاة له؟

العودة التي نحتاجها ليست رجوعًا إلى الوراء، بل عودةً إلى الأصل لننطلق إلى الأمام، ليست حنينًا إلى الماضي، بل استلهامًا له لبناء المستقبل، إنها انتقال من التبعية إلى الريادة، ومن الاستهلاك إلى الإنتاج، ومن الخوف إلى الثقة، ومن العبودية لغير الله إلى العبودية التي تصنع السيادة.

إنها قناعة ينبغي أن تُكتب بكل اللغات وتُنطق بكل الألسنة: لسنا عبيدًا لأي قوة مهما عظمت، لأننا بالله أقوى، ولسنا أسرى لأي منهج مهما لمع، لأننا بالقرآن أعزّ وأغلى، الحرية التي منحنا الله إياها ليست شعارًا، بل مسؤولية، وليست امتيازًا، بل تكليفًا.

ويبقى السؤال معلقًا في الضمير: هل نوقن حقًّا أننا لسنا عبيدًا، فننهض على مقتضى هذا اليقين؟ أم نظل نردد الكلمات دون أن تتحول إلى مشروع حياة؟


اقرأ أيضا 

البحث عن العزة

مصادر العزة عند المسلم

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة