فلسفة الصوم (4)

أثر الصيام في كسر المألوفات

مما نسب للعلامة ابن خلدون أنه قال: «العادة إذا استحكمت صارت طبعاً»(1)، وهذا أمر مشاهد لا ريب فيه، فإنها متى تمكنت من شخص صار يفعلها دون تفكير ولا مراجعة لأنها صارت سجية عنده.

ونحن على مدار العام نفعل ونترك ما نشاء، فقد نأكل بطريقة عشوائية دون نظام ولا ضابط، فنأكل في الوقت الذي نشتهي فيه الطعام ونترك حينما نشاء، بل إن هناك أموراً صارت بالنسبة لنا عادات ثابتة وراسخة تكاد لا تتغير، وتكاد أن تتحكم فينا، فالعادات حين تتكرر بلا ضابط تتحول من وسائل إلى قيود، تُقيد صاحبها وتجعله يسير حسبما تريد هي لا هو، وهنا مَكمن الخطر، أن يُصبح الإنسان أسِيراً لعاداته ومألوفاته، والنفس تألف ما تعودت عليه، وتميل إليه، لأنه أصبح عندها سهلاً ميسوراً، كما قال الشاعر:

والنفسُ كالطفلِ إن تُهملهُ شَبَّ على    حُبِّ الرَّضـاعِ وإنْ تَفْطِمْهُ يَنْفَطِم

فاصرفْ هَـواها وحـاذرْ أنْ تُـوَلِّيَـهُ        إنَّ الهَوَى ما تولَّى يُصْمِ أوْ يَصِمِ

الإنسان أسير ما يُكرره

هذه ليست مجرد حكمة فحسب، بل هي قاعدة نفسية أثبتها علم النفس الحديث: «أن ما يفعله الإنسان كل يوم لمدة من الزمن مع التكرار يتراكم حتى يتحول إلى جزء من هويته وطبعه وسجيته»، فالتكرار والاستمرارية لفترة من الزمن تُغير الإنسان وتغير توجهاته، فالإنسان حينما يقوم بعمل شيء ما -ولو كان بسيطاً- لمدة زمنية لا تزيد على الثلاثين يوماً ويكرره يصبح عادة، وإذا استمر على تلك العادة تصبح سلوكاً راسخاً، وإذا كرر هذا السلوك يَصِير طبعاً، وإذا تفاعل وتناغم مع هذا الطبع وكرره يصير هذا الأمر سَجِيَّة لدى الإنسان، وإذا وصلنا إلى هذا الحد فيصعب التعديل، ولكنه ليس مستحيلاً.

حين يتحول السلوك إلى صفة وسجية

إن قراءة واعية لهذا الحديث النبوي الشريف تجعلك تعِي ما مدى خطورة العادات السلبية خاصة إذا تحكمت من الإنسان وصارت له طبعاً، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ؛ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ؛ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا»(2).

فهذا الحديث فيه إشارة إلى خطورة تكرار الفعل السلبي للعبد والمداومة عليه (يتحرى)، فمع تكرار الفعل يتحول إلى صفة ملازمة، وإذا تشبع بهذه الصفة تصبح سِمة ثابته وسجية فيه من حيث يشعر أو لا يشعر، فالصِّدق في البداية يكون قراراً وقِيمة، ولكنه بعد التحري والمداومة والملازمة يتحول إلى عادة راسخة لا تتغير، حتى يُكتب صاحبها بها عند الله من الصادقين، وكذلك ينتشر خبره وسط الأهل والأقارب والجيران أنه من الصادقين، وكذلك الكذب أيضاً في البداية يكون زلة لسان وسقطة، ومع الملازمة والتكرار يتحول إلى نمط حياة، ثم يتغلب النمط وينمو حتى يصير طبعاً وسجية، نعوذ بالله من الخذلان.

فلا بد للإنسان أن ينظر نظرة دقيقة لما يقوم بعمله يومياً من سلوكيات، ويتبين أمرها هل هي صواب أم خطأ! لأن العلاج في بداية المرض دائماً يكون سهلاً ميسوراً، أما إذا تَمَكَّنَ منه المرض وزاد عن حدِّه فيصعب حينها علاجه؛ وإن لم يكن مستحيلاً.

يقول د. آرت ماركمان، أستاذ علم النفس بجامعة تكساس: «عندما تريد التوقف عن عادة ما فقد يكون من الصعب التخلص منها خصوصاً أنه لا يمكنك منع نفسك من استرجاع الفعل الذي تقوم به من الذاكرة؛ لذلك، سيستمر نظام العادات لديك في تذكيرك بتنفيذ الإجراء غير المرغوب فيه»(3).

الصوم يقتحم ويُغير

وهنا يأتي الصوم كطوق نجاة للتخلص من بعض تلك العادات، لكي يُصبح الإنسان حُرّاً طليقاً من العادات السلبية، وليُحرر القلب من التشبث بتلك العادات؛ لأن بعض العادات قد تقطع طريق العبد في سَيْره إلى الله، كفضول الطعام والكلام والنوم وتضييع الأوقات.. إلخ، وإذا كان البعض قد ينظر للصوم على أنه إمساك عن الطعام والشراب وفقط، ولكنه في الحقيقة هناك أمر خفيّ تحت هذا الامتناع؛ ألا وهو قطع العادات وكسر المألوفات؛ ليُعيد الإنسان إلى صَوَابه ويُصحح مساره.

وحتى تتغير بعض العادات السلبية التي تمكنت من الإنسان فتحتاج إلى توفيق الله أولاً، ثم إلى مجهود ومحاولات؛ لأن تغيير العادات التي استمرت مع الإنسان لمدة طويلة يصعب تغييرها اختيارياً، فيأتي الأمر الإلهي: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة: 183)، أمر مباشر وحاسم من الله سبحانه وتعالى للعبد، وهنا سيتغلب العبد الحقيقي -بتوفيق الله- على عاداته ومألوفاته استجابة لأمر الله، أما الإنسان الضعيف المغلوب على عاداته ومألوفاته ولا يُعظم أمر الله في نفسه، فلن يستطيع أن يقاوم ويجاهد عاداته، وسيخضع لها لأنها تمكنت منه حتى صار عبداً لهواه وعاداته.

يأتي الصوم فيقتحم سوق العادات السلبية والسيئة عند الإنسان، وكذلك العادات التي لا فائدة فيها، فيدخل الصوم بدوره ليقلب الموازين لصالح الإنسان، فيقوم بتعديل المسارات غير الواضحة، ويملأ الفراغات، لأن العادات السلبية لن تتغير إلا إذا حَلّت محلها عادات إيجابية تساعد الإنسان على الشعور بأنه يُنجز شيئاً، فنحتاج استبدال عادة جديدة إيجابية توفر له فائدة مماثلة بعادة سلبية، وتكون سهلة في القيام بها، ولا تكون مُعقدة، ولا تتصادم مع المُستهدَف؛ لأن النصائح والإرشاد اللفظي فقط لتغيير العادة في الغالب لن يفيد.

كما يقرر ذلك د. جود بروير، عالم الأعصاب المتخصص في القلق وتغيير العادات، فيقول: »نظراً لأن العادات السيئة توفر لنا نوعاً من الفوائد(4) في حياتنا، فمن النادر أن تنجح النصائح المبسطة، مثل: توقف عن فعل ذلك، أنت تضر نفسك».

ولذلك، فإن الأثر الحقيقي للصوم لا يقاس بترك الإنسان لطعامه وشرابه وشهوته وفقط، بل يُقاس بما تم تغييره وتعديله من عادات سلبية ظلت ملازمة له طِيلة العام، وها هو أثناء الصيام يُقلع عنها، ويستبدل عادات وسلوكيات إيجابية بها، كالمواظبة على الصلاة في أوقاتها بعد أن كان يُضيع صلاته، وأصبح يملأ أوقات فراغه بقراءة القرآن، وتغيير عادة البُخل والشح بالتوسعة على الفقراء والمساكين، وأصبح يُنظم طعامه بدلاً من العشوائية التي كان يعيش فيها.. إلخ.

وهذا الأمر قد يبدأ بفتح باب جديد للحياة، يزهو من خلالها، ويُصبح إنساناً يعي سلوكياته ويقودها ويضبطها بنفسه، لأنه إذا انكسرت سُلطة المألوف والعادة أصبح الإنسان مُنجزاً وفاعلاً لنفسه وأسرته ومجتمعه ودِينه.


اقرأ ايضا

الصوم تهذيب لا تعذيب

الصيام والاستسلام لأمر الله

الهوامش
  • 1 تنسب هذه الحكمة لابن خلدون رحمه الله.
  • 2 رواه الشيخان وغيرهما، واللفظ لمسلم.
  • 3 مقال له على موقع «فاست كومباني» (Fastcompany).
  • 4 كالشعور بالمتعة واللذة وملء الفراغ.. إلخ.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة