التضليل الإعلامي..وصناعة الكذب

التضليل الإعلامي..وصناعة الكذب

محمد جمال عرفة الأحد، 07 ديسمبر 2014 10:53
التضليل الإعلامي له عدة صورة؛ منها قلب الحقائق، أو التضليل بالمعلومات التي ليس لها علاقة بالحدث

يودي الإعلام دوراً خطيراً في حياة الأمم، ليس في نقل الأخبار والأحداث فقط، وإنما في صياغة وتحديد توجهات الرأي العام. ومن هنا يصبح التضليل الإعلامي الذي يمارسه الإعلام حالياً بمثابة حرب نفسية تشنّ على المتلقي لإحداث أكبر قدر من التأثير السلبي.

والتضليل الإعلامي له عدة صورة؛ منها قلب الحقائق، أو التضليل بالمعلومات التي ليس لها علاقة بالحدث، أو باستخدام مفردات معينة تؤدي إلى إصدار أحكام بالإدانة، أو بالانتقائية المتحيزة التي تنتقي بعض الكلمات والحقائق والمصادر وتهمل الأخرى.

 حالة من الفوضى ونشر أكاذيب مضحكة يقوم بها الإعلام المضلل في مصر منذ انقلاب 3 يوليو 2013م، تشمل غسيل مخ الشعب المصري، وقلب الحقائق، وتغيير القناعات، وضرب هوية الأمة، ومهاجمة الثوابت، ومولاة أعداء الأمة، والتباهي بالخيانة والعمالة، وتكذيب الصادق، وتصديق الكاذب؛ ما جعل مصداقية هذا الإعلام، بل وجعل مصداقية المتحدثين الإعلاميين للشرطة والجيش محل شكوك أيضاً؛ بسبب ما يُنشر من معلومات غير حقيقية، بحسب تقرير نشرته صحيفة «المونيتور» الأمريكية في 19 نوفمبر الماضي.

 

الإعلام الأسود أو صناعة الكذب هو من أخطر الوسائل أو الحروب التي تستهدف عقول البشر؛ حيث تبدأ بالتشويش، ثم تصيبها في قناعتها؛ لصرف الأنظار عن حدث ما، أو تسعى لتغيير وجهات النظر باتجاه واقع غير موجود أصلاً وليس إلا وهماً، ثم تجسيده والدفاع عنه حتى يصبح حقيقة، وبالمقابل التشويش على واقع حقيقي، وتشويه القناعات بشأنه؛ حتى يصبح في وعي الشعوب غير حقيقي.

ولا تقتصر الأخبار والمعلومات المضحكة المضللة على الإعلام الحكومي كما كان يحدث قبل ثورة 25 يناير، ولكنها أصبحت منتشرة بصورة وبائية بين إعلام الصحف والفضائيات الخاصة التي لم تعد تزعم أن الرئيس «مرسي» كان يأكل بطاً وأوزاً كل يوم بـ9 آلاف جنيه! (أي 2.7 مليون جنيه شهرياً)، أو أن الإخوان وراء انقطاع الكهرباء ومشكلات المواصلات وانهيار الأندلس! ولكنها تطورت للحديث عن قدرات خارقة لقائد الانقلاب في مصر وتحديه لأمريكا، قبل أن يظهر أن كل هذه أكاذيب، وهناك تنسيق أمريكي تام معه واعتراف به، كما ظهر في زيارته الأخيرة لأمريكا، وقول المسؤولين الأمريكيين أن ما يهمهم هو مصالحهم والاستقرار في مصر لا الحريات أو الديمقراطية.

وقد نشرت صحفٌ أخباراً مضللة، وفي صفحات أخرى أخباراً مضادة تكشف الكذب والتضليل، مثل زعم جريدة «الوطن» الموالية للسلطة، و«الأخبار» أن «طباخ الرئاسة كشف أن أول وجبة بعد أداء اليمين لـ«مرسي» كانت مأكولات بحرية بـ12 ألف جنيه»! ولكن ظهر الكذب في قول الصحيفة: «إن الرئيس «مرسي» كان يطلب إعداد وجبات بط وحمام ومعه سندوتش حلاوة وفول وجبنة»! ثم نشرهم أخباراً لاحقة عن مسؤولين بالقصر الرئاسي أو ضباط السجن أنه يتناول الجبن «القريش» والخبز.

الأخبار والمعلومات التي جرى ضخها أيضاً بواسطة الآلة الإعلامية الجبارة لم تقتصر أيضاً على تشويه المعارضين، ولكنها انتقلت إلى التطاول على الدين نفسه بدعوى محاربة التطرف، فظهرت فتاوى تبث على الهواء لعلماء مقربين من السلطة تبيع الزنا، وتحلل مسابقات الجمال، وقتل المعارضين من قبل «الرئيس المنتخب»، حتى إن مجلة «الديلي بيست» قالت في تقرير نشرته 16 سبتمبر 2014 بعنوانthe Arab World Must Promote Political and Religious Reforms: إن علماء المسلمين باتوا اليوم - بعد الثورات المضادة - أبواقاً لحكوماتهم القمعية لا نصيراً للحق، وإن السياسات القمعيّة هي المسؤولة عن إنتاج التطرُّف في الشرق الأوسط.

وبعد أن كان الحديث عن «إسرائيل» في الإعلام المصري خيانة، شرعنته نقابة الصحفيين بتبرير سفر وفد من مجلس النقابة للقدس تحت الحماية «الإسرائيلية»، وبزعم أن «المقاومة الفلسطينية» هي التي هربتهم إلى القدس! وأصبح الحديث عن صداقة «إسرائيل» والتعاون مع أساتذة جامعاتها فخراً لمذيعين مثل «توفيق عكاشة»، صاحب قناة «الفراعين»، التي تبين أخيراً أنها قناة رسمية تموِّلها السلطة.

بالتزامن مع حالة التشفي والسعادة التي أبداها إعلاميون مصريون وعرب في قصف «إسرائيل» لغزة؛ بدعوى أن هذا يستهدف حركة «حماس» «الإرهابية»، ظهر «توفيق عكاشة»، المثير للجدل، ليؤكد تعلمه لإدارة المؤسسات الإعلامية على يد «إسرائيليين»، قائلاً: «أنا تعلمت إدارة المؤسسات الإعلامية على يد إعلاميين «إسرائيليين» ويهود أمريكيين»، دون أن ينبس أحد ببنت شفة، بينما يحاكم قادة الإخوان بالتخابر مع المقاومة التي تحارب «إسرائيل»!

وبينما المظاهرات تستعر ضد الانقلاب والشهداء يتساقطون، يفتح المواطن المصري التلفزيون فيجد الأخبار التي تتصدر المشهد تدور حول: حفل اختيار ملكة جمال أحسن كلب في مصر، صراع الراقصة «سما المصري» والسياسي «مرتضي منصور»، ترشيح الراقصة «فيفي عبده» كأمٍّ مثالية، حوار تلفزيوني ساخن مع «ملحدة» تهاجم الإسلام ورسول الله [! في محاولة لتحويل الاهتمام عن الاحتجاجات التي تجري يومياً، وإلهاء المصريين وشغلهم بأمور تافهة لتمرير أمور عظيمة تتعلق بمستقبل مصر السياسي.

«المجتمع» ترصد أشهر الأكاذيب والتضليل الإعلامي التي يقوم بها إعلام مصر الحالي على النحو التالي:

1- أسر قائد الأسطول الأمريكي:

كان من أشهر هذه الأكاذيب المضحكة لاصطناع صراع وهمي بين سلطة الانقلاب في مصر وبين إدارة الرئيس الأمريكي «أوباما»، وإظهار «السيسي» على أنه «ناصر جديد»، تصريحات للمذيع «محمد الغيطي»، في قناة «صدي البلد» حول أسْر مصر لقائد الأسطول السادس الأمريكي داخل المياه الإقليمية المصرية، عقب انقلاب 3 يوليو.

والطريف أن «الغيطي» حاول الزعم أنه استقى كلامه من كتاب مذكرات «هيلاري كلينتون»، والذي نشرته تحت عنون «Hard Choices» (الخيارات الصعبة)، والذي يتناول مذكراتها أثناء توليها منصب وزيرة الخارجية الأمريكية في الفترة من 21 يناير 2009 وحتى 1 فبراير 2013م، ولكنه نسي أن «هيلاري كلينتون» لم تكن وزيرة للخارجية أثناء 30 يونيو 2013م، ولا أثناء فض اعتصامي رابعة والنهضة في 14 أغسطس 2013م؛ وبالتالي لم يتضمن كتابها أي كواليس للثورة وعملية الفض.

وعندما حاول ذكر مصدر وهمي آخر بعدما أثارت معلوماته ضحك المصريين، قال: إنه حصل عليه من أحد أعضاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وإن جنرالاً مصرياً هو الفريق «مهاب مميش» اتصل بالرئيس الأمريكي «باراك أوباما» ونقل إليه رسالة من «السيسي»، مفادها أن قيادة الجيش المصري أسرت الجنرال الأمريكي ولا تريد تضخيم الموضوع، وإن على الأسطول أن يخرج سريعاً من المياه الإقليمية المصرية! اكتشف المصريون أيضاً أكاذيبه؛ لأن الفريق «مهاب مميش» ترك منصبه كقائد للقوات البحرية في 12 أغسطس 2012م عندما أقال الرئيس «محمد مرسي» قيادات المجلس الأعلى للقوات المسلحة ومن بينهم الفريق «مميش»، ثم عيَّنه رئيساً لهيئة قناة السويس وحتى الآن، بينما قائد القوات البحرية أثناء 30 يونيو وما بعدها كان الفريق «أسامة الجندي»!

2- الإخوان يقتلون الإخوان:

لم يقتصر التضليل والكذب الإعلامي؛ لتبرئة الشرطة والجيش من دماء الشهداء، على ادعاء الصحف أن الإخوان هم من قتلوا المتظاهرين الإخوان في كل مظاهرات خرجت في مصر، وفي حصار قصر الاتحادية (قُتل فيه 8 من الإخوان و2 من التيارات الأخرى، ويحاكم «مرسي» و12 من قيادات الجماعة بتهمة قتلهم 2 وتتجاهل المحكمة والإعلام دماء الـ8 الآخرين الذين قتلوا)، ولكنه امتد لاتهام الإخوان بقتل أنفسهم في السجون والمعتقلات، ونسب أي انفجارات للإخوان دون تحقيق.

وشاركت الصحف في حملة التضليل بنشر صور مصغرة تُظهر أشخاصاً يرتدون جلابيب (قمصان) بيضاء (الصورة التقليدية للمتدين في مصر) وهم يحملون سلاحاً أو يطلقون الرصاص، والزعم أنهم إخوان يقتلون الشرطة، بينما نشر نشطاء نفس الصور بطريقة مكبرة ليظهر أن من تم اجتزاء الصور من حولهم من الملتحين أو لابسي الجلابيب هم من المتعاونين مع الشرطة ويقفون بجوارها ويطلقون الرصاص - بملابسهم المدنية - على المتظاهرين!

ويصف د. سيف الدين عبدالفتاح، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، الإعلام المصري الحالي بأنه «إعلام المغارة» الذي يقوم على قاعدة من التعتيم والتغييب للحقائق والمعلومات وللأحداث التي تدور في مصر، خاصة التظاهرات المؤيدة للشرعية والرافضة للانقلاب التي تملأ ربوع الوطن.

وخلال الفيديو الذي يبثه التلفزيون المصري أخيراً لفنانين ضد الإرهاب، تحدثوا عن «شهداء كل جمعة»، مع أنهم شهداء الإخوان، ولكن تحدثوا عنهم على أنهم ضحايا الإخوان لا الشرطة التي تقتلهم بالرصاص لخروجهم للتظاهر.

3- طائرات أجنبية تلقي غازاً ساماً:

ومن هذه الأكاذيب التي سعت لتخويف المصريين وحشدهم ضد التيار الإسلامي باعتبار أنه يشارك في مؤامرة كونية على مصر، زعم اللواء «حمدي بخيت»، الخبير العسكري، خلال برنامج على قناة «صدى البلد» أيضاً يوم 14 نوفمبر الماضي، أن لديه معلومات ومقاطع فيديو تفيد بأن مصر مستهدفة بشن حرب بيولوجية، وهناك طائرات تترك وراءها أثراً من الدخان اسمه غاز «الكمتريل» السام.

4- أسلحة ثقيلة وكيماوية في اعتصام رابعة:

ومن هذه الأكاذيب الشهيرة ادعاء أن اعتصام رابعة به أسلحة نووية وكيماوية، وأن الإخوان يدفنون ضحاياهم في كرة أرضية تحت الأرض! وشارك هذه الأكاذيب وزير الخارجية «نبيل فهمي» عندما زعم خلال مقابلة في برنامج «بي بي سي هارد توك»، أن «هناك تقريراً صدر عن منظمة العفو الدولية مؤخراً بشأن وجود أسلحة ثقيلة داخل ميدان رابعة العدوية، مع مؤيدي الإخوان المسلمين، وذلك الأمر ستكون له عواقب وخيمة؛ ولذلك فإن الحكومة تعمل على التوصل إلى حل سلمي»، وكذبته المنظمة وقالت: إنها لم تقل هذا!

ونشرت الصحف مانشيتات تزعم أنه تم إدخال شاحنات إلى اعتصامي رابعة العدوية والنهضة، محملة بأنواع مختلفة من الأسلحة متعددة الطراز، روسية الصنع، مثل الصواريخ المضادة للطائرات، ومتفجرات شديدة الاشتعال، وبنادق قنص ليزر، ومنها أسلحة كيماوية مهربة من سورية عن طريق الحدود الليبية تشمل غازات سامة مركبة من الفوسفور والكربون، وغاز الخردل والسارين، والتابون، والكلورين! وثبت عقب فض الاعتصام بالقوة وقتل 2200 من المعتصمين كذب هذه الدعاية السوداء التي كانت مبرراً لقتل المعتصمين.

«العادلي»: جندناهم بعد ممارسات غير أخلاقية:

وخلال الاستماع له في المحكمة في أغسطس الماضي، كشف وزير الداخلية الأسبق «حبيب العادلي» تجنيد جهاز الأمن لبعض الإعلاميين الحاليين من حيث لا يدري.

حيث اعترف اللواء «حبيب العادلي» المتهم في قضية قتل المتظاهرين، بالتنصت على المكالمات وتسجيلها، واستغلالها ضد المتنصت عليهم أيضاً.

وقال «العادلي»: «إنه كان يقال: إن مفيش حد إلا ومتسجل له في مصر»، واستطرد: «كنت بغرس القيم وبقول للإخوة: لما تلاقوا وانتو بتسجلوا الموضوع بعيداً عن اللي أنت عايزه ووجدت حاجات متعلقة بأخلاقيات وسلوك سيبك منهم، بس هات الأخ أو الأخت وانصحه وقولوا لها: عيب إنتي كويسة ما يصحش كده»، مضيفاً: «أنه يتكلم بصراحة، وأنه كان يفعل ذلك منها مكافحة ومنها تجنيد، بس ما أفضحهاش؛ لأن الفضيحة مش مجدعة»!

كل ما سبق هو جزء من خطة إعلام الانقلاب الأسود، وصناعة الكذب والتلاعب بالعقول التي تبنتها 125 قناة خاصة لرجال أعمال الدولة العميقة، بخلاف المحطات الحكومية، وحوالي 1200 مطبوعة شهرياً ويومياً وأسبوعياً لا تعبر عن الحالة المصرية أو المواطن البسيط، بقدر ما تعبر عن «إعلام أسود» يبث الأكاذيب وينشر الحقد ويشجع على الإقصاء والقتل والتعذيب والاعتقال على الهوية، فصناعة الكذب باتت رسالة معظم وسائل إعلام اليوم في مصر والعالم العربي؛ لصد موجات «الربيع العربي» وكسرها، وقيادة الثورات المضادة لإعادة منظومة الفساد والسلطة والثروة القديمة كما هي.

وهذا الأسلوب في صناعة الكذب والإعلام الأسود أطلق عليه الخبير السياسي المصري الراحل د. حامد ربيع اسم «التسميم السياسي»؛ أي الصناعة التي تتعلق بالواقع وتزييفه والتدليس عليه وصناعته بمؤثراته المختلفة ضمن تعظيم التافه وتسطيح المهم في إطار ترتبك فيه العقول وتحتار.

فالهدف هو أن تغزو وسائل الإعلام العقل وهو في هذه الحال «المحيرة» بعد تشتيته والتدليس عليه، فتشكله ما استطاعت، وتحركه ما أرادت، وتوجه عناصر تفكيره إلى ما هدفت بالتزوير على الواقع، لتفصل الناس عن واقعهم الأليم الذي يحرك احتجاجاتهم ومطالباتهم، وهذه المسألة واحدة من درجات ما يمكن تسميته بغسيل المخ الجماعي، أو تزييف الوعي.

مجتمع ميديا

  • أمير العفو

إقرأ المجتمع PDF

azs 2153

ملفات تفاعلية

ملف تفاعلى للعدد 2160

ملف تفاعلى للعدد 2160

الأحد، 17 أكتوبر 2021 5193 ملفات تفاعلية

ملف تفاعلي - للعدد 2158

ملف تفاعلي - للعدد 2158

الأربعاء، 18 أغسطس 2021 8784 ملفات تفاعلية

ملف تفاعلي - للعدد 2157

ملف تفاعلي - للعدد 2157

الإثنين، 12 يوليو 2021 9444 ملفات تفاعلية