قبل أن يصبح "التفنيش" هماً بالليل وذلا بالنهار!

00:53 23 يونيو 2020 الكاتب :   أماني مرزوق

الحدث: أخبار تتردد في المؤسسة سوف ينهون خدمات 20% من العاملين، وأخبار أخرى بأنهم سوف يخفضون الراتب إلى النصف أو حول ذلك بقليل.

 تضطرب أعصاب الزوج وربما تدخل الزوجة في حالة من الهلع، وتبدأ نظرات الصغار الحائرة تدور في البيت بحثاً عمن يطمئنهم بأن الأمور ستكون على ما يرام ولكن دون جدوى، لا تزال أخبار الإنهاء لخدمات المقيمين بدول الخليج تتردد في كل مكان، وكذلك التقليل بالرواتب ويتخلل الأخبار مشاهد مؤلمه لمن باع أثاثه وممتلكاته بربع الثمن أو حتى اضطر لتركها بالشارع، فهل إلى خروج من سبيل؟!

قبل أن يصبح الأمر تراجيدياَ مأساوياَ علينا أن نسابق الأحداث فربما إن لم نكن قادرين على تغييرها، أن نكن قادرين على التقليل من تداعياتها .

 سنتعرض في هذا المقال لبعض الخطوات البسيطة التي من شأنها أن تساعد في التعامل مع هذا الوضع، سواء حدث إنهاء الخدمات الإجباري، أو انخفاض مستوى الدخل، وكل سبب آخر من شأنه أن يعرض الأسرة إلى الانتقال من مستوى اقتصادي أعلى إلى مستوى آخر أدنى رفاهية وأقل تلبية لاحتياجات الأسرة المعتادة.

أولا- تأهيل النفس والأسرة بقيم الترشيد:

تأهيل النفس وأفراد الأسرة لوضع اقتصادي مختلف يتطلب "الترشيد" من الجميع، حتى الأطفال الصغار سنحاورهم ونناقشهم بصوت مطمئن واثق بالله، ولنبدأ ممارسة أدوار ترشيدية في مواقف حياتهم اليومية البسيطة (كنوعية الطعام – كميات الحلوى – اللعب). وليكن أهم ما نراعيه في هذه النقطة أن نفعل ذلك بذكاء وتعزيز وإعلاء قيم قوة الإرادة والتعاون لأجل حياة أكثر سعادة واستقراراً، ولا يكون طرحاً تقليديا أحمق يحول التجربة إلى شعوراً بالحرمان والمعاناة، ولنعلم جميعا أن كل جهد سنبذله من أجل تحقيق هذه الخطوة حالياً ومهما كان شاقاً، فإنه أهون بكثير مما قد نضطر لدفعه مستقبلاً لجيل تم تحقيق كل رغباته بدون مقابل يذكر.

ثانيا-  مفهوم "الحياة البسيطة (Minimalism):

استخدم هذا المصطلح في العقود الأخيرة كوصف لأسلوب العيش البسيط الذي انتهجته حركة اجتماعية أمريكية ضد أسلوب الحياة المادي الاستهلاكي المسيطر على العديد من الدول والثقافات، وهو باختصار المفهوم الذي يمكن تعريفه بجزء من حديث النبي صلى الله عليه وسلم يقول فيه :" هلموا إلى ربكم فإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى"، ففي هذه الخطوة الهامة جداً سنسعى للتخفف من الزاد قدر الإمكان (بيع الأشياء غير الضرورية والمرغوب فيها –جمع ما لا يستعمل إلا على فترات متباعدة في حقائب السفر– التخلص من الكراكيب الواضحة، وهي الأشياء التي نعترف بيننا وبين أنفسنا بأنها كراكيب بالفعل، والكراكيب الأخرى الخفية، وهي ما تقول لنفسك حوله "ربما أستعمله في يوم ما").

ثالثا- الخطط البديلة:

- هل يمكن أن ننتقل إلى سكن إيجاره أقل؟

- هل سنضطر إلى المغادرة إلى جهة أخرى في بلد آخر؟

- ما هو الاحتمال الأفضل لوجهتنا المقبلة؟

- ماهي المتطلبات التي علينا العمل عليها من الآن لتيسير العيش هناك؟

- ماهي المسارات أو المنافذ التي يمكننا التحرك بها من الآن لضمان دخل مقبول يساعد؟

 قد تبدو هذه الأسئلة للوهلة الأولى أسئلة مثيرة للخوف أو القلق، وربما يحيد عنها البعض من باب الهروب، غير أنه إن سبق تلك الجلسة بالورقة والقلم، ركعتان تطلب فيها العون من الله، واستشارة ذوي الخبرة في الأمر، فقد تدهشك النتائج من البركة والتيسير فيما تخطه بيمينك.

الخطوات السابقة كلها تفيد الجميع سواء من تعرض لهذا الابتلاء أو لا وقد توصف بأنها خطوات استباقية يفيد كثيراً الأخذ بها قبل تلقي أي أخبار من شأنها التحول المفاجئ في مستوى الأسرة الاقتصادي، هذا وإن كانت تصلح أيضاً بعد تلقي الخبر، غير أن الخطوتين الآتيتين هما الأهم عند تلقي الخبر وبعده مباشرة.

  • تقبل المشاعر الصعبة:

المشاعر هي الجيش المحرك لجميع تصرفاتنا، وخصوصاً إن غاب ملك العقل والحكمة عن المشهد، لذلك فتقبل المشاعر الصعبة المصاحبة لتلقي مثل هذه الأخبار واحترامها ومعالجتها إيمانياً بكثرة الاستغفار والدعاء بالسجود وسماع مواعظ عن الصبر والرضا وأيضاً دروس حول أسماء الله الحسنى (الرزاق – الرازق – الوكيل – الواسع – الوهاب – الحفيظ – الولي)، وكذلك محاولة التخفيف من أثرها نفسياً بمشاركتها الأشخاص الصحيحة أو المختصين كالايف كوتشز وغيرهم، وكذلك كل خطوة من شأنها أن تساعدك في إدارة هذه المشاعر بصورة تنعكس على تصرفاتك بشكل إيجابي.

  • الحديث الذاتي الإيجابي:

أقوالنا لها مفعول السحر على مشاعرنا ومن ثم تصرفاتنا، فترديد بعض الكلمات الطيبة ذات الفأل الحسن من شأنها فعل الكثير، فلعل كلمات من صنف "رب هنا رب هناك"، "اللي خلقنا مش هيضيعنا"، "محدش بيموت م الجوع"، "الرزق مش كله فلوس"، "صحتك بالدنيا". كلمات تعالج الكثير بطيب أثرها، وبالأخير هذا الابتلاء مثله من الابتلاءات يعد محطة للعبد لابد من أن يقف مع نفسه فيها وقفه ليحاسبها ويراجعها، فيستغفر من الذنوب ويتوب عن المعاصي ويسارع في الطاعات والصدقات التي من شأنها أن تبارك في الأرزاق.

 وكما قال الأعرابي للرشيد: يا أمير المؤمنين ثبت الله عليك النعم التي أنت فيها، بإدامة شكرها، وحقق لك النعم التي ترجوها، بحسن الظن به ودوام طاعته، وعرفك النعم التي أنت فيها، ولا تعرفها لتشكرها". فأعجبه ذلك منه، وقال: ما أحسن تقسيم هذا الأعرابي، هذا وأسأل الله أن يصب علينا الخير صباً صبا، ولا يجعل حياتنا كداً ولا نكدا وأن يرزقنا من الخير فوق ما نرجو ويصرف عنا من السوء فوق ما نحذر وأن يسكن دواخلنا من لدنه طمأنينة لا تزول ولا تفنى.

  • المصدر: مدونات الجزيرة.
عدد المشاهدات 1391

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا

fram

Top