د. يوسف السند

د. يوسف السند

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
الخميس, 03 ديسمبر 2020 10:51

عبدالله بن المبارك

 هو مولى لبني تميم، ثم لبني حنيفة، مروزي، وكنيته أبو عبدالرحمن.

سمع من ابن أبي ليلى، وهشام بن عروة، والأعمش، وسليمان التيمي، وحميد الطويل، ويحيى بن سعيد، وابن عون، وموسى بن عقبة، والسفيانين، والأوزاعي، وابن أبي ذيب، ومالكاً..

قال الشيرازي: تفقه بمالك والثوري، وكان من أصحاب أبي حنيفة، ثم تركه ورجع عن مذهبه.

قال أبو إسحاق الفزاري: ابن المبارك إمام المسلمين.

قال ابن مهدي: لقيت أربعة من الفقهاء: مالكاً، وشعبة، وسفيان، وابن المبارك -وفي بعضها حماد مكان شعبة- فما رأيت أنصح للأمة من ابن المبارك، وحديث لا يعرفه ابن المبارك، فنحن لا نعرفه.

ولما نعي ابن المبارك إلى سفيان بن عيينة، قال: رحمه الله، لقد كان فقيهاً عالماً عابداً زاهداً سخياً شجاعاً شاعراً.

قال محمد بن المعتمر: قلت لأبي لما مات الثوري: من فقيه العرب؟

قال: ابن المبارك.

وقال النسائي: لا يعلم في عصر ابن المبارك، أجل منه ولا أعلى، ولا أجمع لكل خصلة محمودة منه.

قال الأوزاعي لأبي عثمان الكلبي عنه: لو رأيته لقرت عينك.

قال أبو زرعة: اجتمع فيه فقه ومروءة وشجاعة وسخاء وأشياء.

قال ابن وضاح: سمعت جماعة من أهل العلم يقولون: اجتمع في ابن المبارك العلم، والتقى، والحديث، والمعرفة بالرجال، والشعر، والسخاء، والعبادة، والورع.

قال الإمام القاضي أبو الفضل رحمه الله تعالى: ذكر الصدفي، قال: لما بلغ ابن المبارك، دفع إليه أبوه خمسين ألف درهم يتجر بها، فطلب العلم حتى أنفذها، فلما انصرف لقيه أبوه، فقال: ما جئت به؟

فأخرج إليه الدفاتر، فقال: هذه تجارتي!

فدخل أبوه المنزل، فأخرج له ثلاثين ألف درهم أخرى، وقال: خذ هذه فابتع بها تجارتك، فأنفقها.

قال ابن المبارك طلبت الأدب ثلاثين سنة، وطلبت العلم عشرين سنة.

وقال ابن حنبل: لم يكن في زمن ابن المبارك أحد أطلب للعلم منه، دخل اليمن، ومصر، والشام، والحجاز، والبصرة، والكوفة، وكان من رواة العلم، وكان أهلاً لذلك، كتب عن الصغار والكبار، وما أقل سقطه، كان يحدث من كتاب.

قال ابن وضاح: كان ابن المبارك يروي نحواً من خمسة وعشرين ألف حديث.

وقيل له: إلى متى تطلب العلم؟ قال أرجو أن تروني فيه إلى أن أموت.

وكان يقول: الزهد، الذي إن أصاب الدنيا لم يفرح، وإن فاتته لم يحزن.

وكان ابن المبارك يقول: أول العلم النية، ثم الاستماع، ثم الفهم، ثم العمل، ثم الحفظ، ثم النشر.

ويقال: إنه كان يحج عاماً، ويغزو عاماً.

لا يمر بمدينة إلا قال لمشيختها من أهل العلم والإقلال: ليخرج معي من أراد الحج، يكفيهم مؤونتهم، ويفعل مثل ذلك إذا غزا.

قال الفسوي العابد: كنت مع ابن المبارك في غزاة في ليلة ذات برد ومطر، فبكى، فقلت: أتبكي من مثل هذا؟

فقال: إنما أبكي على ليال سلفت ليس فيها مثل هذا من الشدة لنؤجر عليها.

وقال رجل لابن المبارك: قرأت البارحة القرآن في ركعة؛ فقال ابن المبارك: لكني أعرف رجلاً لم يزل البارحة يقرأ «التكاثر» إلى الصبح، ما جاوزها؛ يعني نفسه.

قال رحمه الله تعالى:

جاهد لسانك إن اللسان              سريع إلى المرء في قتله

وهذا اللسان بريد الفؤاد              يدل الرجل على عقله

وقال رحمه الله:

أرى أناساً بأدنى الدين قد قنعوا            ولا أراهم رضوا في العيش بالدون

فاستغن بالله عن دنيا الملوك كما           استغنى الملوك بدنياهم عن الدين

وقال:

تنعم قوم بالعبادة والتقى                   ألذ نعيم، لا اللذاذة بالخمر

فقرت به طول الحياة عيونهم              وكانت لهم والله زاداً إلى القبر

على برهة نالوا بها العز والتقى          ألا ولذيذ العيش بالبر والصبر

وقال:

كل عيش قد أراه نكداً                     غير ركز الرمح في ظل الفرس

وقيام في ليال دجن                      حارساً للناس في أقصى الحرس

وسأله آخر عن صفة الخائفين، فقال:

إذا ما الليل أظلم كابدوه                    فيسفر عنهم وهم ركوع

أطار الخوف نومهم فقاموا                 وأهل الأمن في الدنيا هجوع

لهم تحت الظلام وهم سجود            أنين منه تنقرح الضلوع

وخرس بالنهار لطول صمت               عليهم من سكينتهم خشوع

توفي ابن المبارك بهيت منصرفة من الغزو، في سفينة، فدفن بهيت في رمضان سنة إحدى وثمانين ومائة.

قال البخاري: ومولده سنة ثماني عشرة ومائة(1).

العبر والفوائد الإيمانية والتربوية:

- الأمة تحتاج دائماً إلى العالم الناصح.

- شخصية المسلم تجمع بين الفقه والعبادة والجهاد والزهد والسجاعة والسخاء، وهذا من عجيب المنهج الإسلامي التربوي!

- الاستثمار الأمثل في تعليم الأبناء، وهو الاستثمار المضمون غرسه، المأمون نباته بإذن الله تعالى.

- الأدب والخلق له الصدارة في التربية والتوجيه، وبه يبارك الله في العلم.

- حب العلماء الربانيين للجهاد والرباط والدفاع حوزة الدين وبيضة المسلمين.

- الاستمرار والثبات في طلب العلم وعدم التوقف مهما طال العمر وكثر العلم!

- تدبر القيام والقيام به وتأمله ولو بسورة واحدة نهج الصالحين العابدين.

والحمد لله رب العالمين.

 

__________________________________________________________________

(1) ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك، تأليف: القاضي عياض بن موسى بن عياض السبتي، المتوفى سنة 544هـ، الجزء الثالث، تحقيق: عبدالقادر الصّحراوي.

 يوسُف بن أيّوب بن شاذي بن مَرْوان، الدُّويتي الأصل، التكريتي المَوْلِد، ودُوِين بضم الدال وكسر الواوِ بعدها آخر الحروف ساكنة ثم نون، بطرَف أذْرَبيجان، من جهة أرَّان أهلها أكراد.

وهو السلطان الملك الناصر، التقيّ النقيّ، العادل الزكيّ، فاتح الفتوح، بركة أهلِ زمانه، صلاح الدين المظفَّر، ابن الأمير الملك الأفضل نجم الدين.

وُلد سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة للهجرة، بتَكْريت، إذ أبوه واليها.

وسمع الحديث من الحافظ أبي طاهر السِّلَفِيّ، وأبي الطاهر بن عوف، والشيخ قطب الدين النَّيسابوريّ، وعبدالله بن بَرِّيّ النَّحويّ، وجماعة.

روى عنه يونس بن محمد الفارِقِيّ، والعِماد الكاتب، وغيرهما.

وكان فقيهاً، يقال: إنه كان يحفظ القرآن، و»التنبيه» في الفقه، و»الحماسة» في الشعر.

ومَلَك البلاد، ودانت له العِباد، وأحبّه الخلق، ونصر الإسلام وغزا الفِرِنْج وكسرهم مرّاتٍ، وفتح المدن الكِبار، وأقام في السَّلْطَنة أربعاً وعشرين سنة، يُجاهد في سبيل الله بنفسه وماله.

وكان ملكاً عظيماً شجاعاً مَهِيباً عادلاً، يملأ العيونَ رَوْعةً والقلوبَ محبةً، قريباً بعيداً، عابداً قانتاً لله، لا تأخذه لومةُ لائم، مجلسه يجمع الفضلاءَ والفقراءَ، وأصحابه كأنما هم على قلبِ رجلٍ واحد، محبةً فيه واعتقاداً وطواعيةً.

قَدِم به أبوه إلى دمشق وهو رضيع، فناب أبوه بِبَعْلَبَك لما أخذها أتابِك زَنْكِي في سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة للهجرة، وقيل: إن أباه خرج من تِكْريت في الليلة التي وُلِد فيها صلاح الدين فَتطيَّروا به، وقال بعضهم: لعل فيه الخِيرة وأنتم لا تعلمون، فكان كذلك، ثم اتصل والده نَجْم الدين أيُّوب بالملك نور الدين الشهيد، فخدمه هو وولده صلاح الدين هذا خدمةً بالغة.

وكان صلاح الدين من حين اتصل بخدمة نور الدين قد طلَّق اللذات، وكان محبَّباً إليه خفيفاً على قلبه، ولما افتتح مع عمِّه مصر ثم استقل بالوَزارة عَظُمت سَطْوتُه.

وفي سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة للهجرة افتتح صلاح الدين بلاد الفِرِنْج، وأسر ملوكهم، وكسرهم على «حِطِّين»، وتوالت عليه الفتوحات وأنقذ بيت المقدس منهم، وافتتحه وأعزَّ الدين.

ومما اقتلعه من يد الفِرِنْج طَبَرِيَّة، وقَتل وأسَر في ذلك اليوم أكثر من أربعين ألفاً، وتسلّم قلعتها، وأُحْضِر إليه صليب الصَّلَبُوت.

ثم افتتح مدينة عَكَّا، وكانت من أعظم حصونهم وأكثر مدنهم، وأقام بها الخُطبة الإسلامية، ثم افتتح البيت المقدس وغيره.

وكانت مملكته من الغرب إلى تُخُوم العِراق، ومعها اليمن والحجاز، فملك ديار مِصْر بأسرها، مع ما انضم إليها من بلاد المغرب والشام بأسرها، مع حَلَب وما والاها، وأكثر ديار ربيعة وبكر والحجاز بأسره، واليمن بأسره، ونشر العدل في الرَّعِيَّة، وحكم بالقِسْط بين البَرِيَّة، مع الدِّين المتين والوَرع والزُّهد والعلم.

قال الموفَّق عبد اللطيف: رأيت السلطان صلاح الدِّين على القُدْس، فرأيت ملكاً عظيماً يملأ القلوبَ رَوْعَةً، والعيونَ محبَّة، قريباً وبعيداً، سهلاً محبَّباً، وأصحابه يتشبَّهون به، يتسابقون بالمعروف، وأول ليلة حضرته وجدت مجلساً حَفِلاً بأهل العلم، يتذاكرون في أصناف العلوم، وهو يحسن الاستماع والمشاركة، ويأخذ في كيفيّة بناء الأسوار وحَفْر الخنادِق، ويتفقَّه في ذلك، وكان مهتمّاً ببناء سور القدس وحَفْر خندقه، يتولّى ذلك بنفسه، وينقل الحِجارة على عاتقه، ويتأسَّى به جميع الأغنياء والفقراء.

وكان الناس يأمنون ظلمه لعدله، ويرجون رِفْده لكثرته، ولم يكن لمُبْطِلٍ ولا لصاحب هَزْلٍ عنده نصيب، وكان إذا قال صدق، وإذا وَعد وَفَّى، وإذا عاهد لم يَخُن، وإذا نازل بلداً وأشرف على أخذه ثم يطلب أهلُه الأمان يُؤمِّنهم، وكان جيشه يتألّمُون لذلك، لفَوات حظِّهم، ولا يسَعُهم إلا وِفاقُه وامتثالُ أمره.

وكان رقيقَ القلب جداً، وربما حَلَّق على مدينة وأحاط بها، فسمع بكاء الحريم فتركها، وإنما يفعل ذلك مع المسلمين(1).

وفاته يرحمه الله:

ولما كانت ليلة الأربعاء السابع والعشرين من صفر سنة تسع وثمانين وخمسمائة للهجرة، وهي الليلة الثانية عشرة من مرضه، اشتد مرضُه وضعفت قوّته، والشيخ أبو جعفر يقرأ عنده القرآن، ويذكّره بالله تعالى، وكان ذهنه غائباً من ليلة التاسع، ولا يكاد يفيق إلا في بعض الأحيان، وذكر الشيخ أبو جعفر أنه لما انتهى إلى قوله تعالى: (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ) (الحشر: 22)، سمعه وهو يقول: «صحيح».

وكانت وفاته بعد صلاة الصبح من يوم الأربعاء سابع وعشرين من صفر سنة تسع وثمانين وخمسمائة للهجرة، وأنه لما بلغ الشيخ أبو جعفر إلى قوله تعالى: (لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ) (الرعد: 30)، تبسَّم وتهلَّل وجهُهُ وسَلَّمها إلى ربه، وكان يوماً لم يُصَب الإسلام والمسلمون بمثله منذ فُقِد الخلفاء الراشدون وغُشِي القلعة والبلد والدنيا من الوحشة ما لا يعلمه إلا الله(2).

الفوائد التربوية والإيمانية:

- «الجندية طريق القيادة»، فلطالما ردد هذا المفهوم الجلي الذكي أستاذنا العزيز وشيخنا الجليل محمد أحمد الراشد عبر مجلة «المجتمع» منذ عقود مضت، وكنا شببةً لا نفقه هذا جيداً، ولكنه غرس تبناه الراشد الحكيم بعلم وفقه وصدق وإخلاص فلن يضيعه الله تعالى؛ فلقد كان صلاح الدين يرحمه الله تعالى فتىً مؤمناً متعلماً، ثم جندياً ملتزماً مطيعاً، ثم قائداً مغواراً عظيماً.

- القائد المسلم يغلب عليه التواضع مهما امتد ملكه وتمكنت دولته وقوي في الأرض سلطانه وتعددت نعم الله عليه.

- يجب ألا يستعجل طلبة العلم والدعاة على أنفسهم في طلب التصدر والقيادة؛ «فمن تعجل في شيء قبل أوانه عوقب بحرمانه»، بهذا المعنى كان يصدر العلماء نصائحهم وتوجيهاتهم للناشئة والشباب!

- إن البناء المحكم المتزن المتكامل هو البناء القوي الذي يتحمل التبعات ويُعتمد عليه؛ البناء الروحي القلبي، والبناء العبادي الإيماني السلوكي، والبناء الفكري العقدي، والبناء البدني العضلي.

- المربي المؤثر والقائد الرباني لا يستغني عن التعايش مع الأفراد؛ يرونه ويتعلمون منه ويشاهدونه فيفقهون ويعقلون ويقتدون.

- إن القيم الراسخة لتسود بين الناس إذا رأوها حاضرة حية في سلوك القادة والأئمة والدعاة والعلماء.

- الأمة التي تحسن صناعة القادة منصورة رائدة قوية في كل المجالات، مرهوبة الجانب، قوية صلبة تتحدى الصعاب، ويهابها الأعداء، ويتقرب لها الأصدقاء، وهذا هو المطلوب اليوم، بل يجب أن يكون على رأس الأولويات، حسب ما أرى.

- إن محبة الله والتقرب إليه عبادة وذكراً وتبتلاً وتضرعاً تورث العبد روعةً ومحبةً وهيبة.

- ملائكة الرحمن سبحانه تثبّت المؤمنين وتذكّرهم وتبشّرهم حال احتضارهم وموتهم بألا يخافوا ولا يحزنوا، بل تبشّرهم تشوّقهم إلى جنة الله ورضوانه.

والحمد لله رب العالمين.

 

_____________________________________________________________

(1) عبد الوهاب بن علي السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، ج 7، تحقيق: عبدالفتاح محمد الحلو، ومحمود محمد الطناحي.

(2) علي محمد الصلَّابي، صلاح الدين الأيوبي وجهوده في القضاء على الدولة الفاطمية وتحرير بيت المقدس.

الثلاثاء, 06 أكتوبر 2020 15:29

الإمام الغَزَّالِي

محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الطوسْيّ، الإمام الجليل، أبو حامد، الغَزَّالِيّ حجَّة الإسلام، ومحَجَّة الدين التي يُتوصَّل بها إلى دار السَّلام.

جامع أشْتات العلوم، والمُبرِّز في المنقول منها والمفهوم.

جاء والناس إلى رَدِّ فِرْية الفلاسفة أحوجُ من الظَّلْماء لمصابيح السماء، وأفقر من الجَدْباء إلى قَطَرات الماء، فلم يزل يناضِل عن الدين الحنيفيّ بجِلاد مقاله؛ ويحمي حَوْزَة الدين، ولا يُلطِّخ بدَم ِ المعتدين حَدَّ نِصاله، حتى أصبح الدِّينُ وثيقَ العُرَى، وانكشفتْ غياهبُ الشبهات، وما كانتْ إلا حديثاً مُفْتَرَى.

هذا مع ورعٍ طوى عليه ضميرَه، وخَلْوةٍ لم يتَّخِذ فيها غيرَ الطاعة سَمِيرَه.

ترك الدنيا وراء ظهره، وأقبل على الله يعاملُه في سرِّه وجَهْرهِ.

ولد بطُوس، سنة خمسين وأربعمائة.

ويحكى أن أباه كان فقيراً، صالحاً، لا يأكل إلا من كسب يده في عمل غَزْل الصوف، ويطوف على المتفقِّهة، ويجالسهم، ويتوفَّر على خِدْمتهم، ويجِدُّ في الإحسان إليهم والنَّفقة بما يمكنه، وأنه كان إذا سمع كلامَهم بكى، وتضرَّع وسأل الله أن يرزقَه ابْناً ويجعله فقيها؛ ويحضر مجالسَ الوعظ، فإذا طاب وقتُه، بكى، وسأل الله أن يرزقه ابْناً واعظاً، فاستجاب الله دعوَتَيْه.

قرأ في صباه طرَفاً من الفقه، ببلده، على أحمد بن محمد الراذكاني.

ثم سافر إلى جُرْجان، إلى الإمام أبي نصر الإسْمَاعِيلِيّ، وعلّق عنه «التعليقة»، ثم رجع إلى طوس.

قال الإمام أسعد المِيهَنيّ: فسمعتُه، يقول: قُطِعتْ علينا الطريقُ، وأخذ العيَّارون جميع ما معي، ومضوا، فتبعتُهم، فالتفت إليَّ مقدَّمهم، وقال: ارجع، وَيْحَك، وإلا هلكْتَ.

فقلت له: أسألُك بالذي ترجو السلامَة منه، أن ترُدَّ عليَّ تعليقتي فقط، فما هي بشيء تنتفعون به، فقال لي: وما تعليقتك؟ فقلت: كتُبٌ في تلك المِخْلاة، هاجرتُ لسماعها، وكتابتها، ومعرفة عِلْمها، فضحك، وقال: كيف تدَّعي أنك عرفْتَ علمها، وقد أخذناها منك فتجرَّدتَ من معرفتها، وبَقِيت بلا علم؟! ثم أمر بعضَ أصحابه، فسلَّم إليَّ المِخْلاة.

قال الغَزَّالي: فقلتُ: هذا مُستنْطَق، أنطقه الله ليرشدني به في أمري، فلما وافيتُ طُوس، أقبلت على الاشتغال ثلاثَ سنين، حتى حفظتُ جميعَ ما علَّقْته، وصرْتُ بحيث لو قُطِع عليَّ الطريق لم أتجرَّد من علمي.

ثم إن الغَزَّالِيّ قدِم نَيْسابُور، ولازم إمام الحرمين، وجدَّ، واجتهد، حتى برع في المذهب، والخلاف، والجدل، والمنطق، وقرأ الحكمة، والفلسفة، وأحكم كلَّ ذلك.

وفهم كلامَ أرباب هذه المعلوم، وتصدَّى للردِّ على مُبطليهم، وإبطال دَعاويهم، وصنَّف في كل فنّ من هذه العلوم كتباً، أحسن تأليفها، وأجاد وضعَها، وترْصيفها.

وكان رضي الله عنه شديدَ الذكاء، شديدَ النظر، عجيب الفطرة، مفرِط الإدراك، قويّ الحافظة، بعيد الغَوْر، غوَّاصاً على المعاني الدقيقة، جَبَلَ علمٍ، مناظراً، مِحْجاجاً.

ثم لما مات إمام الحرميْن، خرج الغَزَّالِيّ إلى المعسكر، قاصداً للوزير نِظام الملك، إذ كان مجلسُه مجمعَ أهل العلم، وملاذَهم، فناظر الأئمة العلماء في مجلسه، وقهر الخصوم، وظهر كلامه عليهم، واعترفوا بفضله، وتلقَّاه الصاحب بالتَّعظيم، والتبجيل، وولَّاه تدريسَ مدرسته ببغداد، وأمره بالتوجُّه إليها.

فقدم بغداد 484 هـ، ودرَّس بالنِّظاميَّة، وأعجب الخلقَ حسنُ كلامه، وكمالُ فضله، وفصاحة لسانه، ونكَتُه الدقيقة، وإشاراتُه اللطيفة، وأحبُّوه.

وأقام على تدريس العلم، ونشره، بالتعليم، والفُتْيا، والتصنيف، مدة، عظيمَ الجاه زائد الحِشْمة، عاليَ الرتبة، مسموع الكلمة، مشهورَ الاسم، تُضرَب به الأمثال.

إلى أن عزَفت نفسُه عن رذائل الدنيا، فرفض ما فيها، من التقدُّم، والجاه، وترك كلَّ ذلك وراء ظهره، وقصد بيت الله الحرام.

فخرج إلى الحج في ذي القَعدة، سنة 488هـ، واستناب أخاه في التَّدريس.

ودخل دمشق، سنة 489هـ، ثم توجَّه إلى بيْت المقدس، فجاور به مدة، ثم عاد إلى دمشق، واعتكف بالمنارة الغربيَّة، من الجامع، وبها كانت إقامتُه.

قال الحافظ ابن عساكر: أقام الغَزَّالِيّ بالشام نحواً من عشرين سنة.

ثم رجع إلى بغداد، وعقد بها مجلس الوعظ، وتكلَّم على لسان أهل الحقيقة، وحدَّث بكتاب «الإحياء».

وذكر الحافظُ ابن عساكر، أنه سمع «صحيح البخاريّ» من أبي سهل محمد بن عُبيدالله الحَفْصِيّ.

ووزَّع أوقاته على وظائف، مِن خَتْم القرآن، ومجالسة أرباب القلوب، والتَّدريس لطلبةِ العلم، وإدامة الصلاة والصِّيام وسائر العبادات، إلى أن انتقل إلى رحمة الله تعالى، ورضوانه.

وكانت وفاته يرحمه الله، بطُوس يوم الإثنين، رابع عشر جمادى الآخرة، سنة 505هـ.

قال أبو الفرج بن الجَوْزِيّ، في كتابه «الثبات عند الممات»: قال أحمد، أخو الإمام الغزَّالِيّ: لما كان يوم الإثنين، وقت الصبح، توضأ أخي أبوحامد وصلَّى، وقال: عليَّ بالكَفن، فأخذه، وقبّله، ووضعه على عينيه، وقال: سمعاً وطاعة للدُّخول على الملِك، ثم مدَّ رجليه، واستقبل القبلةَ، ومات قبل الإسْفار، قدَّس الله روحَه.

مصنَّفاته:

له في المذهب: «الوسيط»، و»البسيط»، و»الوجيز»، و»الخلاصة».

وفي سائر العلوم: كتاب «إحياء علوم الدين»، و»الأربعين»، و»الأسماء الحسنى»، و»المستصفَى».

و»المنخول» في أصول الفقه، ألفه في حياة أستاذه إمام الحرمين.

و»بداية المجتهد» و»المآخذ» في الخلافيَّات(1).

العبر والفوائد التربوية والإيمانية:

- تأثير صلاح الأب على حسن نشأة الولد؛ فالله تعالى يستجيب لدعوة الآباء والأمهات وكل من دعاه صادقاً مخلصاً.

- طلب العلم من الصغر له التأثير الطيب المبارك في تميز المتعلم ونبوغه وتفوقه.

- العلماء والدعاة المخلصون همهم التعليم والتدريس والتربية والدعوة إلى الخير؛ ولذلك يخوض العلماء الحكماء غمار التعليم والتدريس رغم وعورته وصعوبته، فهو السبيل الأمثل للإصلاح ونشر الخير في المجتمع وتربية الشباب وتثقيفهم على خلق الإسلام ومعاني الإيمان، ونحن ما زلنا نتذكر الدعاة والخطباء الذين كانوا يدرّسون في مدارس دولة الكويت أمثال الأساتذة الفضلاء والمشايخ المكرمين طايس الجميلي، وعمر الأشقر، وعبدالله العتيقي، وأحمد القطان.. وغيرهم.

ولذلك يجب أن يهتم العلماء والمشايخ والدعاة بالعمل في المدارس والجامعات والمعاهد، وأن يتميزوا بالحكمة والمهنية والموعظة الحسنة.

- كثرة تنقل العلماء في الأمصار والأقطار والبلدان للتعلم والتعليم سمة من سمات علمائنا الربانيين.

- كثرة التصنيف والتأليف لعلمائنا رغم العوائق والصعوبات وقلة المواد والآلات، فكيف لو وجد علماؤنا السابقون ما بأيدينا من آلات وأجهزة وبرامج وأنظمة؟!

- الإفادة والتعلم من كل مواقف الحياة حتى يحصل المتعلم على الجودة والتميز.

- إن حسن الخاتمة تنتظر الصادقين المخلصين والعابدين الزاهدين الذين آثروا ما عند الله على الدنيا الفانية.

والحمد لله رب العالمين.

الهامش

(1) عبدالوهاب بن علي السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، ج 6، تحقيق: عبدالفتاح محمد الحلو، محمود محمد الطناحي.

السبت, 05 سبتمبر 2020 12:53

الإمام الرافعي

 عبدالكريم بن محمد بن عبدالكريم بن الفضل بن الحسن القَزْوِنيّ الإمام الجليل أبو القاسم الرافِعْيّ، صاحب الشرح الكبير المُسَمَّى بـ«العزيز»، وقد تورَّع بعضُهم عن إطلاق لفظ العزيز مجرَّداً على غير كتاب الله، فقال: «الفتح العزيز في شرح الوجيز»، و«الشرح الصغير»، و«المُحَرَّر»، و«شرح مُسْنَد الشافعي».

كان الإمام الرافعيُّ متضلِّعاً من علوم الشريعة، تفسيراً وحديثاً وأصولاً، مترفِّعاً على أبناء جنسه في زمانه، نَقْلاً وبَحْثاً وإرشاداً وتحصيلاً، وأما الفقه فهو فيه عُمدة المحقِّقين، وأُستاذ المصنِّفين، كأنما كان الفقه ميِّتاً فأحياه وأنْشَره، وأقام عِمادَه بعدما أماته الجهلُ فأقْبَره، كان فيه بدراً يتوارى عنه البدر إذا دارت به دائرته والشمس إذا ضَمّها أَوْجُها، وجَواداً لا يلحقه الجَوادُ إذا سلك طُرُقاً ينقل فيها أقوالاً ويُخَرِّج أَوْجُها، فكأنما عناه البُحْتُرِيّ بقوله:

وإذا دَجَتْ أقْلَامُهُ ثُمَّ انْتَحَتْ

بَرَقَتْ مَصابِيحُ الدُّجَا في كُتُبِهِ

وكان يرحمه الله وَرِعاً زاهداً تقياً طاهِرَ الذَّيْل مُرَاقباً لله تعالى.

سمع الحديث من جماعة، منهم أبوه، وأبو حامد عبدالله بن أبي الفتوح بن عثمان العِمْرانيّ، والخطيب أبو نصر حامد بن محمود الماوراء النَّهرِيّ، والحافظ أبو العلاء الحسن بن أحمد العطّار الهَمَذانِيّ.

روى عنه الحافظ عبدالعظيم المُنْذِرِيّ، وغيرُه.

قال ابن الصَّلاح: أظن أني لم أرَ في بلاد العَجَم مِثلَه.

وقال النَّوويّ: الرَّافِعِيُّ من الصالحين المتمكِّنين، كانت له كراماتٌ كثيرة.

وقال أبو عبدالله محمد بن محمد الإسْفَراينيّ: هو شيخُنا، إمامُ الدِّين، وناصر السُّنّة، كان أوحدَ عَصْرِه في العلوم الدِّينيّة؛ أُصولاً وفُروعاً، فريد وقتِه في التفسير، كان له مجلسٌ بِقَزْوِينَ للتفسير ولتسميع الحديث. (انتهى كلامه)(1).

وأن خَوارَزْم شاه، يعني جلال الدين، غزا الكَرَج بتَفْلِسَ، في هذه السنة، وقتل فيهم بنفسه حتَّى جَمَد الدّمُ على يدِه، فلما مرَّ بقَزْوِينَ خرج إليه الرافعيُّ، فلما دخل إليه أكرمه إكراماً عظيماً، فقال له الرافعيُّ: سمعتُ أنك قاتلتَ الكفّارَ متى جمَد الدّمُ على يدك، فأُحِبّ أن تُخْرِجَ إليَّ يدَك لأُقبّلَها، فقال له السُّلطان: بل أنا أُحِبّ أن أقبّلَ يدَك، فقبَّل السُّلطانُ يدَه، وتحادَثا، ثم خرج الشيخ وركِب دابَّتَه، وسار قليلاً، فعثرت به الدابّةُ، فوقع فتأذَّت يدُه التي قبَّلها السُّلطان، فقال الشيخ: سُبْحانَ اللهِ، لقد قبَّل هذا السّلطانُ يدي، فحصل في نفسي شيءٌ مِن العَظمة، فعُوقِبْت في الوقت بهذه العقوبة.

سمعت شيخَنا شَمْسَ الدِّين محمد بن أبي بكر بن النَّقِيب، يحكي أن الرافعيَّ فقَد في بعض اللّيالي ما يُسْرِجُه عليه وقتَ التصنيف، فأضاءت له شجرةٌ في بيته.

تُوُفِّيَ في ذي القَعْدة سنة ثلاث وعشرين وستمائة(2).

الفوائد التربوية والإيمانية:

- الطهارة والورع والتقوى والمراقبة لله تعالى معالم نور وهدى في حياة علمائنا الأجلال؛ إذ لا تكاد تخلو سيرة أحدهم من هذه المعالم البارزة والمعاني السامية، فهي الخطوة الأولى إلى الفتح العزيز ورياض الصالحين والروض المربع ودار السعادة بل إلى أفراح الروح!

- المجلس التربوي للعالم الرباني وسيلة للتعليم الرباني والتواصل الاجتماعي والتذكير الإيماني، فقد كانت حياة العلماء حافلة بالمجالس التربوية، وكلما حرص عليها الدعاة المربون ارتقت أرواحهم وسمت أخلاقهم ونجحوا في تربيتهم لأنفسهم وللناس، بل وتَجَدَّدَ إيمانهم وَزكَى علمُهم وعملُهم وفقهوا دينهم.

- تقدير العلماء الربانيين للجهاد والمجاهدين، واحترام الولاة والحكام للعلماء الربانيين؛ بهذه تنمو الأمة ويسودها الأمن والأمان بمنهج أخلاقي يراه الناس في أعينهم بين العلماء والأمراء.

- ضرورة نشر علم الفقه بين الناس حتى يُعرف الحلال من الحرام، وتُعرف به أحكام الدين والشريعة، وحتى لا يتجرأ الجهال والغلاة على التحليل والتحريم والفتيا.

- حرص العلماء على نشر علمي التفسير والحديث؛ إذ بهما يُعرَف كتاب الله تعالى وسُنة رسوله محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

- معرفة العلماء لأنفسهم ومراقبة آفاتها وضعفها وأهوائها وحرصهم على تربية أنفسهم.

- إتقان العلماء للعلوم يأتي بعد شدة طلب وقوة تحمل وصبر عظيم وسعي للأكابر من الأئمة والعلماء الراسخين في العلم.

- للعلماء والصالحين كرامات يظهرها على أيديهم إذا شاء سبحانه وتعالى.

والحمد لله رب العالمين.

الهامشان

(1) بتصرف.

(2) عبدالوهاب بن علي السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، ج8، تحقيق: عبدالفتاح محمد الحلو، محمود محمد الطناحي.

الصفحة 1 من 12
  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا

translate

Top