تحويل المساجد إلى متاحف ومخازن

15:55 17 يونيو 2020 الكاتب :   أ.د. مسعود صبري

الناظر في تاريخ الأمة المعاصر يجد أنه قد تم تحويل المساجد في بعض العصور إلى متاحف ومخازن وبارات وإسطبلات خيول، بل أحياناً إلى كنائس أو معابد، وحصل هذا في بعض الدول؛ مما يستدعي معرفة الحكم الشرعي في هذا التحويل، وسنقتصر فيه على بيان الحكم الشرعي في تحويل المساجد إلى أماكن لمصالح دنيوية.

المسجد من الأوقاف التي تدخل في ملك الله تعالى، فإذا بني المسجد، أو تحول أحد المباني إلى مسجد؛ وكان قائماً بعمارة المصلين به؛ وجب البقاء عليه مسجداً، ويحرم تغييره واستبداله، ما لم تكن هناك ضرورة أقوى، وكل تصرف بخلاف طبيعة وقفه للعبادة والصلاة محرم.

وتحويل المساجد إلى متاحف أو مخازن أو إسطبلات خيول ونحوها هو من منع مساجد الله المنهي عنه في كتابه، بل هو إحدى الكبائر، كما قال تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [البقرة: 114].

وكما هو مقرر عند الأصوليين أن من صيغ التحريم ترتب الإثم والعذاب على الفعل؛ فعلم أن منع الناس من الصلاة في المساجد من المحرمات، فكيف بتحويلها إلى متاحف للزيارة ومخازن أو غير ذلك من الأهداف؟! فلا شك أنه أشد في التحريم.

وكره الأحناف إغلاق أبواب المساجد في غير وقت الصلاة، إن لم يخش سرقة ما في المسجد أو تلفها؛ واستندوا إلى الآية، معللين ذلك بقولهم: لأن الغلق يشبه المنع من الصلاة(1)، فكيف بتحويلها إلى شيء آخر غير المسجد؟!

وكذلك ما تقرر في قواعد الفقه من وجوب التزام شرط الواقف، إذا كان قصد القربة والطاعة فيه أظهر، فهنا يجب التزام شرط الواقف(2).

والمسجد أُوقف لطاعة الله تعالى من إقام الصلاة ودروس العلم وحلق الذكر وغيرها من الطاعات، فلا يجوز العدول عن وقف المسجد للعبادة التي هي من مصالح الدين إلى غير المسجد كالمتاحف والمخازن وغيرها التي هي من مصالح الدنيا.

ثم إن المسجد إذا بني وعمر بطاعة الله تعالى، فإنه قد خرج من ملك الواقف إلى ملك الله تعالى، فالوقف حبس العين لله تعالى، فلا يجوز التصرف فيه على غير وفق الشارع سبحانه، ولا شك أن الشارع لا يقبل عنده تحويل المساجد إلى متاحف أو مخازن أو غير ذلك.

كما أن الناظر إلى مقاصد الشريعة يدرك حرمة تحويل المساجد إلى أغراض أخرى ما دامت صالحة للصلاة والعمارة، فإن عمارة المساجد من مقاصد الشريعة التي تتعلق بحفظ الدين، والمتاحف لا تتعلق بشيء من مقاصد الشريعة الكبرى، أقصى ما يمكن أن تكون من التحسينيات، بل قد لا تصل إلى تلك الرتبة في مقاصد الشريعة، فلا يجوز تقديم المتاحف على المساجد، بله تحويل المساجد إلى متاحف.

ولا يعني تقادم تحويل المسجد إلى غيره جواز البقاء؛ لأن تحويل المسجد إلى متحف أو مخزن أو غيره بدون ضرورة معصية لله ومخالفة لأمره، وتقادم المخالفة لا يحولها مشروعة.

بل تشدد الفقهاء في تحويل المساجد التي خربت إلى مصالح أخرى.

فعند الأحناف:

جاء في البزازية "ولو خرب ما حوله واستغنى عنه يبقى مسجداً عند الإمام، والثاني" أبداً إلى قيام الساعة (وبه يفتى) حاوي القدسي (وعاد إلى الملك) أي ملك الباني أو ورثته (عند محمد) وعن الثاني ينقل إلى مسجد آخر بإذن القاضي(3).

وفي فقه المالكية: قال ابن جزي: "والأحباس بالنظر إلى بيعها على ثلاثة أقسام: أحدها المساجد فلا يحل بيعها أصلاً بإجماع.

الثاني العقار، لا يجوز بيعه إلا أن يكون مسجداً تحيط به دور محبسة فلا بأس أن يشتري منها ليوسع به، والطريق كالمسجد في ذلك"(4).

ولم يجز المالكية وغيرهم بيع الأعيان الموقوفة إلا من باب توسعة المسجد، قال الخرشي: "إذا ضاق المسجد بأهله واحتاج إلى توسعة وبجانبه عقار حبس أو ملك، فإنه يجوز بيع الحبس لأجل توسعة المسجد"(5).

وعند الشافعية قال النووي: "ولو انهدم مسجد وتعذرت إعادته لم يبع بحال، لإمكان الصلاة فيه في الحال".

وعلق قليوبي في حاشيته بقوله: "فإن لم يرج عوده بني به مسجد آخر لا نحو مدرسة وكونه بقربه أولى، فإن تعذر المسجد بني به غيره"(6).

حالات جواز الاستبدال:

ولم يجز العلماء استبدال المساجد التي هي أوقاف إلا للضرورة القصوى، كأن يكون المسجد خرباً، فينقض ويباع متاعه ويحول إلى مسجد آخر، مستدلين بما روي أن عمر رضي الله عنه كتب إلى سعد، لما بلغه أنه قد نقب بيت المال الذي بالكوفة، أن انقل المسجد الذي بالتمارين، واجعل بيت المال في قبلة المسجد، فإنه لن يزال في المسجد مصل، وكان هذا بمشهد من الصحابة، ولم يظهر خلافه، فكان إجماعاً. (المغني لابن قدامة (6/ 29)، وهذا ليس محل اتفاق بين الفقهاء، فالشافعية يشددون في استبدال الوقف ويمنعه مطلقاً على الراجح عندهم.

على أن هذا مقيد بخراب المسجد أو انهدامه أو غير ذلك من الأعذار التي تبيح استبداله، وهو استثناء يخالف الأصل للمصلحة، وكأنه استناد إلى الاستحسان بالمصلحة، ولكن هذا ليس محلاً للمساجد العامرة الشامخة التي أضحت من شعائر الإسلام.

وعليه:

فالأصل حرمة تحويل المساجد إلى أي شيء آخر، ما دامت باقية عامرة، لأنها وقف، ولا يجوز التصرف في الوقف إلا للمصلحة، ولا مصلحة شرعية في تحويل المساجد إلى متاحف أو غيرها، وإن حصل وجب إعادة فتح المساجد مرة أخرى؛ إعمالاً للأصل.

 

 

_____________________________________

الهوامش:

(1) راجع: المحيط البرهاني في الفقه النعماني (5/ 318)، لابن مازه البخاري، و تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق وحاشية الشلبي (1/ 168)، و العناية شرح الهداية، للبابرتي (1/ 421).

(2) إعلام الموقعين عن رب العالمين ت مشهور (6/ 79).

(3) الدر المختار شرح تنوير الأبصار وجامع البحار، علاء الدين الحصكفي (ص: 371)، دار الكتب العلمية، 2002م.

(4) القوانين الفقهية، لابن جزي (ص: 244)، وأسهل المدارك شرح إرشاد السالك، لأبي بكر الكشناوي،2/ 222ط الكتب العلمية.

(5) شرح مختصر خليل للخرشي (7/ 95)، دار الفكر للطباعة، بدون تاريخ وبدون طبعة.

(6) حاشيتا قليوبي وعميرة (3/ 109).

عدد المشاهدات 1868

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا

fram

Top