قراءة في كتاب "نوح عليه السلام والطوفان العظيم"

14:25 11 نوفمبر 2019 الكاتب :   بقلم - د. علي القره داغي (*):

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى إخوانه من الأنبياء والمرسلين، وعلى آله الطيبين، وصحبه أجمعين، ومن تبع هداه إلى يوم الدين... وبعد

فقد أولى القرآن الكريم عناية قصوى بسير الأنبياء والمرسلين، حتى استغرقت قصصهم وأقوالهم وأحوالهم ما يقرب من ثلث القرآن، غير أنه لم يذكرها لتثبيت قلب النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، أو للتسلية والمعرفة بها فحسبُ، وإنما ذكرها لمجموعة من المقاصد العظيمة؛ ومن أهمها:

الاقتداء بهم، فقال تعالى: {أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} (سورة الأنعام: الآية 90)، ومن هنا أقر أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد ناسخ، وبذلك استوعبت الشريعة الخاتمة جميع الكليات والثوابت المحكمة في جميع الأديان السماوية؛ بدءاً من سيدنا آدم إلى خاتم النبيين (عليهم الصلاة والسلام)، ومن جانب آخر فلا تكون هذه الشريعة في معظم كلياتها غريبة عن أصحاب الأديان فيقبلونها إذا لم تأخذهم العزة بالإثم.

وقد أوضح الرسول الخاتم أن الإسلام هو دين جميع الأنبياء، وقد اكتمل بناؤه به، فقال صلى الله عليه وسلم: (مثلي ومثل الأنبياء كمثل رجل بنى قصراً فأكمل بناءه وأحسن بناءه إلا موضع لبنة، فنظر الناس إلى القصر فقالوا: ما أحسن بنيان هذا القصر لو تمت اللبنة، ألا وكنت أنا اللبنة..)، رواه البخاري في صحيحه ومسلم وغيرهما.

بل أكد الرسول صلى الله عليه وسلم على أنه جاء ليتمم صالح الأخلاق، ليتحقق انسجام الدين الخاتم مع الفطر السليمة والعقول المستقيمة، كما قدّمه رب العالمين للأمم السابقة فقال تعالى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ۚ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (سورة الأعراف: الآية 157)، حيث إن قوله تعالى: {يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ}، نفهم منه أنه يأمرهم بما عرفته الفطر السليمة والعقول المستقيمة، وينهاهم عما أنكرتاه، ويحل لهم ما استطيبتاه، ويحرم عليهم ما استخبثتاه، فهذه الآية تدل على أن كل ما أحل الله وما حرمه هو ما تدركه الفطَر السليمة والعقول المستقيمة وتؤيدانه.

تأكيد أن جميع الأنبياء والمرسلين، والصالحين والصالحات السابقين، هم أمة الرسول صلى الله عليه وسلم وأمة الإسلام والمسلمين، فقال تعالى في (سورة الأنبياء: الآية 96) بعدما ذكرهم: {إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ}، وأكد ذلك كذلك في (سورة الحج: الآية 56) بعد ذكر الأنبياء والمرسلين فقال تعالى: {إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ}.

فهذه الآية تدل على أن أمة الإسلام هم أبناء هذه الأجيال المباركة:

أولئك آبائي فجئني بمثلهم             إذا جمعتنا يا جرير المجامع

وعليه فتاريخ هؤلاء الرسل والأنبياء والصالحين والصالحات هو تاريخ هذه الأمة، وفضائلهم فضائلها، بل إن سيرهم كأنها سيرة نبينا صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم قدوته وقدوتنا، وهنا تأتي أهمية هذا الكتاب الذي سطره يراع أخينا الحبيب العالم المفسر المؤرخ المفكر الدكتور علي الصلابي، مستخرجاً كنوزه من الكنز الخالد المبارك؛ القرآن الكريم.

استخراج العبر والعظات والسنن من سيرهم؛ من حيث النصر والهزيمة، والقوة والتمكين والضعف، وسنن التدافع، والاستبدال، وآجال الأمم، وغير ذلك مما يتعلق بطبائع الأمم، ومصائرهم، فقال تعالى: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ} (سورة يوسف: الآية 111)، حيث تدل هذه الآية على ضرورة التحليل والتعليل والتبيين.

ونستطيع القول من خلال هذا المقصد إن القرآن الكريم قد أرشدنا إلى تحليل الأخبار والقصص واستخراج النتائج والعبر والسنن، ولذلك أصّل هذا المبدأ العلامة ابن خلدون رحمه الله، واستخرج منه مجموعة من السنن الاجتماعية، بل معالم علم الاجتماع الذي استفاد منه الغرب وبنوا عليه حضارتهم، وتمكنوا بها من رقاب الشعوب المستضعفة واحتلالها.

ضرورة الدراسة الجامعة:

ومع الأسف الشديد فإن معظم الدراسات الإسلامية حول الأنبياء والمرسلين تدور حول الجانب التاريخي وذكر مآثرهم وأخبارهم، مع شيء من التفصيل الذي أُخذ في معظمه من الإسرائيليات، دون الخوض في أعماق قصصهم وتحليلها، واستخراج العبر والسنن..

ولكن الدراسة التي قام بها الباحث المفكر والمؤرخ المفسر أخي الحبيب الدكتور علي الصلابي، امتازت بمجموعة من المميزات لم أرها في مجموعها في معظم الدراسات التي اطلعت عليها، ومن أهمها:

الاعتماد على الينبوع الصافي والمنهل العذب الوافي، وهو كتاب الله: {لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ۖ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} (سورة فصلت: الآية 42)، ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

وتلك ميزة كبرى تجعل المعلومات دقيقة موثوقاً بها تطمئن إليها القلوب، وتنشرح لها النفوس، وتسمو بها الأرواح.

استخراج العبر والسنن من خلال تحليل رائد وتعليل دقيق، ودراسة وافية هادئة وهادفة.

شمولية الدراسة لمختلف الجوانب المتعلقة بحياة سيدنا نوح عليه السلام، وربطها بالسابق واللاحق، والسياق واللحاق، فقد ربط الفترة التي عاشها سيدنا نوح عليه السلام قبل الطوفان بمجريات الأمور مما ذكره القرآن الكريم حول سيدنا آدم عليه السلام، وخصص لهذا الربط المبحث الأول؛ حيث تحدث عن سيدنا آدم وأنه نبيٌّ علّمه الله تعالى سبل الهداية والتوحيد، وأنه ترك ذريته على عقيدة التوحيد والهداية، فقال تعالى: {قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى* وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ} (سورة طه: 123-124).

وقد أثبت الباحث أن دين التوحيد بدأ مع أول إنسان خلقه الله، وظل قائماً على الأرض إلى القرن الذي وقع فيه الشرك، وهو القرن الذي بعث الله تعالى فيه سيدنا نوحاً عليه السلام.

ولم يكتف بالسرد القرآني وربط الآيات الواردة في مجموعة من السور على الرغم من أهميته، وإنما حلل واستخرج العبر والسنن وطبائع قوم نوح من كونهم مشركين، عمين، ظالمين، فاسقين، وطغاة، متكبرين، معاندين، مقلدين، ونحو ذلك.

واستخرج من كل ذلك أسباب نهاية الحضارة الإنسانية الأولى؛ التي تكمن في الصفات السابقة، كما استخرج الصفات الأساسية لسيدنا نوح لتحقيق قدوته للدعاة، واستفادتهم من منهجه وأساليبه المتنوعة.

انطلاقه من كرامة الإنسان، حيث أثبتت الدراسة أن الإنسان الأول، آدم عليه السلام، خلق متكاملاً بيد الله تعالى، الذي نفخ فيه من روحه، وعلمه التوحيد، والهداية، وجعله خليفة، وكلفه باستعمار الأرض، ثم لما أهبط مع زوجته إلى الأرض ظل نبياً موحداً هادياً، وكذلك ذريته ومن تبعهم إلى عصر نوح عليه السلام، وبذلك نفى ما يقال عن الإنسان الحجري وأنه لم يكن على دين، ثم تطور الفكر الديني إلى أن وصل إلى دين التوحيد.

فالنصوص القاطعة تدل على بطلان هذه النظرية، وعلى أن الإنسان نشأ موحداً في كنف الله، وأن الله تعالى أكرمه أيضاً بأن أمر الملائكة بالسجود له، بل تدل على أن الناس كانوا أمة واحدة موحدة، فقال تعالى: {وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا ۚ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} (سورة يونس: الآية 19).

ومن جانب واقعي فإن هذا التاريخ غيب، وإن كل من تحدث عنه دون نص إلهي ثابت فهو رجم بالغيب، فقد قال تعالى: {مَّا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا} (سورة الكهف: الآية 51).

فبداية خلقنا -كما هو الحال في نهاية خلقنا وخلق الكون- خاضعة لميزان الغيب، ولا يجوز الخوض فيه إلا بعلم ممن خلقه، سبحانه وتعالى.

ومن أجمل ما في الدراسة العناية بميلاد الحضارة الإنسانية الثانية التي قامت على أسس التوحيد، والسلام، والعدالة، والإنصاف، ونحوها، لتحقيق رسالة الاستخلاف والاستعمار التي كلف بها الإنسان منذ أن خلقه الله، فقال تعالى: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} (سورة البقرة: الآية 30)، وقال تعالى: {هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} (سورة هود: الآية 61).

والحق أنني استمتعت بقراءة هذا الكتاب الرائع النافع، واستفدت كثيراً من منهجه، وأسلوبه، ومعلوماته، وتحليلاته، ولا غرو في ذلك؛ فإن مؤلفه الدكتور الصلابي عالم بحاثة، ومؤرخ محقق، وقبل ذلك وبعده فهو صاحب رسالة يعيش مع القرآن بروحه وعقله وجوارحه، ويعيش له مضحياً بكل ما أوتي (هكذا أحسبه ولا أزكي على الله أحداً).

كلمة أخيرة حول الموقع الجغرافي:

نصّ القرآن الكريم على أن سفينة نوح عليه السلام استوت على الجودي، فقال تعالى: {وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ} (سورة هود: الآية 44)، ثم ذكر المؤلف المحقق البحاثة المدقق الدكتور الصلابي مجموعة من الأقوال للسلف والخلف، ودراسات ووثائق وآثاراً تدل على أن "الجودي" اسم جبل من أرض ما بين النهرين "دجلة والفرات"، شرقي تركيا إلى الشمال الشرقي من جزيرة ابن عمر، على ضفاف نهر دجلة بالقرب من الحدود التركية العراقية السورية، وإلى الشمال من مدينة الموصل.

ويؤكد العالم الجيولوجي والفقيه في إعجاز القرآن أ. د زغلول النجار أن الدراسات الأثرية أثبتت صحة ذلك ودقته، وذكر أنه في منتصف شهر مايو من سنة 1948م اكتشف أحد رعاة الغنم من الأكراد، واسمه رشيد سرحان، بقايا أخشاب من سفينة نوح عليه السلام مطمورة في كم من الرسوبيات في قمة جبل الجودي، وتتابعت دراسات الموقع بعد ذلك في 1953م، و1980م، و1987م، و1994م، وظلت تتتابع إلى يومنا هذا، وكذلك وجد سمك هائل من رسوبيات المياه العذبة في سهول ما بين النهرين دجلة والفرات، التي كانت مهداً لعدد من الحضارات القديمة التي اكتُشف بعضها، التي يتراوح عمرها بين ثلاثة آلاف وسبعة آلاف سنة قبل الميلاد، ومن المرجح أن تكون هذه الرسوبيات تالية لرسوبيات الطوفان التي وجدت أسفل منها، ووجدت خالية من الآثار الإنسية وغامرة لحضارات سابقة، وذلك لانتشارها الأفقي على مساحات شاسعة من الأرض، ولسمكها الذي يزيد على عشرة أقدام، ولطمرها للعديد من القرى القديمة التي استمر التنقيب عنها في هذه الفترة من 1922 إلى 1934م، وتتابع هذا التنقيب عن تلك الحضارات القديمة متقطعاً بعد ذلك إلى اليوم، وقد تأكدت هذه الاستنتاجات بدراسة الرسوبيات المتجمعة في أحد كهوف شمالي العراق، والمعروف باسم (كهف شانيدار العظيم)، ويرجع عمر الرسوبيات فيه إلى نحو مائة ألف سنة مضت، وتحوي رسوبياته عدداً من البقايا الإنسية التي درسها د. راف سولسكي، من معهد سمشوينان بالولايات المتحدة الأمريكية.

كما أن العديد من الروايات التاريخية القديمة التي اكتُشفت مؤخراً تشير إلى رسو سفينة نوح عليه السلام فوق الجودي، وذلك مثل كتابات كل من: كيراسوس من كهان الحضارة البابلية، وأبيدنوس من تلامذة سقراط وأحد رموز الحضارة اليونانية القديمة.

وقال ياقوت الحموي عن الجودي "في معجم البلدان"، الجودي: "ياؤه مشددة، وهو جبل مطل على جبل ابن عمر في الجانب الشرقي من دجلة من أعمال الموصل، استوت عليه سفينة نوح عليه السلام لما نضب الماء، وجزيرة ابن عمر هي الأرض الواقعة بين نهري دجلة والفرات في شمال العراق، وجبل الجودي مطل على الجزيرة، وهو قريب من مدينة الموصل العراقية المعروفة، وما زال اسمه حتى الآن جبل الجودي، وهو جبل معروف هناك".

وقد نقلت هذه النصوص بطولها لإثبات أن الحضارة الثانية قد انطلقت من هذه المنطقة التي يسكنها الشعب الكردي المسلم وبعض القوميات الأخرى إلى يومنا هذا، وأنها ما زالت تسمى "شارناخ"، ومعناها باللغة الكردية "مدينة نوح"، وهي محافظة في شرقي تركيا الحالية، كما أن هناك قرية ما زالت تسمى "هشتيان"، أي القرية التي نزل فيها ثمانون مع سيدنا نوح عليه السلام، بل إن معظم القرى المحيطة بهذا الجبل ما زالت تحمل اسم نوح عليه السلام؛ ففي منطقة زاخو (القريبة من دهوك والموصل) قرى: دور نوح، ودشت نوح، وغيرها.

وقد ذكر في التوراة (سفر التكوين: 7 – 8) أن موضع استقرار سفينة نوح هو جبل أراراط، وهو اسم جبل الجودي، وهو لفظ عبري مأخوذ من أصل أكادي، يشمل سلسلة من الجبال تبدأ في جنوب شرقي تركيا وتمر بشمال العراق.

ويسمى جبل الجودي عند بعض الأكراد "كاردو"، وعند الأتراك (أغرى داغ) أي الجبل المنحدر، وبعضهم سموه (قردي)، وعند اليونان (جوردي)، يقول الباحث السوري مختار فوزي النّعال: "فجميع هذه المسميات هي لمكان واحد.. أسماء جمّة.. في الجزيرة (جزيرة ابن عمر) جنوب أرمينية وقرب الموصل، وجزيرة ابن عمر قرب الموصل يطل عليها جبل أراراط (أي: بالطاء وبالتاء)، ويقول ابن الأثير، وهو من أهل الجزيرة: "انتهت السفينة إلى الجودي، وهو جبل بناحية (قردي) قرب الموصل"، وجاء في دائرة المعارف الإسلامية: "..الجودي جبل شامخ في الشمال الشرقي لجزيرة ابن عمر.."، وتذهب بعض التفاسير الدينية إلى أن الجبل المعروف بجبل الجودي هو بالأرمينية (كُردخ).

وترجم الإمام البخاري باب (تجري بأعيننا جزاء لمن كفر، ولقد تركناها آية فهل من مدّكر)، قال قتادة: "أبقى الله سفينة نوح حتى أدركها أوائل هذه الأمة"، ونسبه الحافظ إلى عبد بن حميد عن عبد الرزاق عن معمر عنه، به.

وقال الطبري بسنده إلى قتادة: "أبقاها الله لنا بوادي أرض الجزيرة (جزيرة ابن عمر) عبرة وآية"، وفي رواية أخرى قال قتادة: "أبقاها بـ(قردى) من أرض الجزيرة عبرة وآية، حتى نظرت إليها أوائل هذه الأمة نظراً، وكم من سفينة كانت بعدها فصارت رماداً"، وأخرج ابن المنذر مثل القول السابق عن أبي جريج في تفسير قوله تعالى: {لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً}.

والذي يظهر لي أن العبرة في عموم القصة وليس في خصوص بقاء السفينة بكاملها أو رؤيتها، فالمهم كشفها والعلم بها، وقد سمى الله تعالى الخبر الثابت بالرؤية، فقال تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ} (سورة الفجر: الآية 6).

ومع ذلك فقد عُثر على بعض بقايا سفينة نوح عليه السلام، وعليه فإن رؤيتها بمنزلة رؤية الكل، والله أعلم.

وذكر الأستاذ سعيد الحاج أن جبل الجودي يقع إلى شمال مدينة (زاخو) المطلة على ممر (إبراهيم الخليل) بنحو 20 كم، ورجح أن أصل (جودي) هو (كوتي)، بالجيم المعطشة مثل التي ينطق بها المصريون، وإليها ينسب الكوتيون أو الجوديون، وهم أجداد الكورد، ودعم قوله هذا بأقوال العلماء والمؤرخين، وبالآثار والكشوفات، حيث أطال فيها النفس للوصول إلى أن تلك المنطقة نالت البركات من الله تعالى، وشرف المشاركة الأساسية في حمل الحضارة الثانية، وأن الإشعاع منها وصل إلى العالم.

وفي نظري لا مانع من هذا الحرص الشديد على إثبات ذلك لقومه الكورد؛ لأنه يقصد شرف نيل أي شيء خدم الإسلام، أو سيخدم الإنسانية والحضارة.

وأعود إلى الكتاب الذي نحن بصدد تقديمه؛ فهو كتاب جامع لكل ما يتعلق بالموضوع، انتهل من المنهل العذب الشافي وهو القرآن الكريم، وصاغه صياغة سلسة رائعة، ممتعة، ثرية، فجزى الله مؤلفه خير الجزاء وتقبّله منه بقبول حسن، وأجزل مثوبته في الدنيا والآخرة.

آمين والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

__________________________________

(*) الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

عدد المشاهدات 1959

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top