إنقاذ الجامعة المعاصرة.. نظرة من الداخل

13:35 13 يوليو 2019 الكاتب :   د. حسان عبدالله حسان (*)

- إعداد أهل الذكر في ميادين العلوم يتوافق مع مفهوم العبادة في الإسلام بمعناه الواسع والحضاري

- الهدف العام للجامعة في الإسلام هو بناء الإنسان الشاهد على الكون والأمم

- بـدون أخلاق تتحــول الجامعـة إلى مجموعة من المعلومات الفنية التي يمكــن للطـالب تحصيــلها من الإنترنت

- الجامعة المعاصرة شغلت مكانة القيادة بالمجتمع وارتبطت بركائز نهوضه الاجتماعي والعلمي وتطوره السياسي

 

نطرح في هذه المقالة عدداً من الكليات الفكرية للنقاش حول إنقاذ الجامعة في العالم العربي، من خلال إعادة طرح بعض المفاهيم المتعلقة بالتأسيس والهدف والغاية الكبرى لتأسيس الجامعات في مجتمعاتنا، والغايات التي حملت عليها في نشأتها، وما آلت إليه في واقعنا المعاصر.

في المفهوم والغاية:

نشأت الجامعة -في الإسلام- لإشباع الحاجة إلى التبتل الكامل لقضية المعرفة بوصفها فرض كفاية على الأمة(1)، ومفهوم «التبتل المعرفي» أو «التبتل للمعرفة» الذي يتضمنه تعريف الجامعة الإسلامية يعني أن الفئة التي أخذت على عاتقها التخصص في مجال المعرفة قد انقطعت للعلم انقطاعاً كاملاً.

ويعني «التبتل» أيضاً الإخلاص لله في هذا الانقطاع، والانقطاع هنا ليس انعزالاً وإنما هو تفرُّغ لقضية المعرفة التي ينبغي أن يتوافر عليها فريق من المسلمين، يقوم بها انطلاقاً من مبدأ التخصصية، وإعداد «أهل الذكر» في كل ميدان من ميادين العلوم والمعرفة، وهو ما يتوافق مع مفهوم العبادة في الإسلام بمعناه الواسع والحضاري؛ فإن الإعداد العلمي والمعرفي هو في قلب العبادة التي خُلق الإنسان من أجلها، فمعرفة السُّنن ومراعاتها هي في حقيقتها سعي نحو الخالق ونحو معرفته وسعي لتحقيق مقاصد الحق في الخلق؛ عمراناً، وتزكيةً، وهدايةً.

في الرسالة:

بناء الإنسان الشاهد.. وتربية الإنسان المؤتمن..

الهدف العام للجامعة في الإسلام هو بناء الإنسان الشاهد؛ الشاهد على الكون والأمم، والشهود يقتضي حضور الشاهد، أي أن يكون ذلك الإنسان واعياً، والوعي من مفرداته العلم والدراية والأخلاقية، فيكون غاية الجامعة بناء إنسان ذي وعي وعلم ودراية وأخلاق.. باعتباره الخليفة الشاهد لله في الكون، باختصار: بناء الإنسان صاحب الرسالة على الأرض، وهي: تحقيق الهداية عن طريق تعليم التوحيد، والفلاح عن طريق التربية والتزكية، والعمران عن طريق العلم.

كذلك ينبغي أن نعلم أن الإعداد الفكري والأخلاقي في الجامعة يسبق الإعداد العلمي في رؤيتنا التربوية الإسلامية؛ (وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ) (الجمعة: 2)، فلكي ننشئ مجتمعاً إنسانياً كريماً وفاضلاً وعالماً بالحق فإن تزكية الإنسان المتربي تسبق تعليمه، وهذا هو جوهر رسالة الأستاذ الجامعي في جامعتنا العربية والإسلامية: تربية الإنسان المؤتمن على الخلق والأرض والجماد والحيوان يسير ويحكم ويتعامل معهم وفيهم بالحق لا الباطل، بالخير لا الشر، بالأمانة لا الخيانة، ومن ثم فالجامعة تربي ذلك الإنسان القادر على حمل رسالة الاستخلاف، وتحقيق مقاصد الحق في الخلق.

تكاملية الحقيقة النظرية والأخلاقية:

إن الدرجات العلمية التي تعطيها الجامعة لأبنائها، أو لأساتذتها ينبغي أن تتضمن التكامل بين الحقيقة النظرية والحقيقة الأخلاقية، وهذا ما يتفرد به المنظور الإسلامي للجامعة؛ فلا فصل بين العلم والأخلاق، ولا تنازع بينهما في البرنامج التربوي للجامعة، لذلك فإن البرنامج التربوي والعلمي للجامعة ذاته ينبغي أن تتجلى فيه هذه النظرة التكاملية بين العلم والأخلاق، وتصميم الوسائل المناسبة لهذا التحقق، إذ بدون ذلك فنحن نكون أمام جامعة بلا أخلاق، وتتحول الجامعة إلى مجموعة من المعلومات الفنية التي يمكن للطالب أن يحصل عليها من شبكة الإنترنت، ويحرم المجتمع من بناء علمي أخلاقي لشخصية أبنائه.

مركزية الرسالة: كلمات الله

الأستاذ الجامعي هو عبدٌ يبلغ كلمات الله في أكاديميته العلمية وأخلاقه المهنية وعلاقته بطلابه، ويجب ألا يحيد بالتبليغ عن الطريق المستقيم الأخلاقي والعلمي، ويجب ألا يُدخِل فيما يبلغ ما يشوه كلمات الله أو ما يُضعفها، وهو صابر محتسب يُبلغ بالحسنى ويتحمل مشاق سبيل هذا التبليغ في إطار سعيه وكدحه الإنساني لأداء رسالته الكونية نحو الناس، ثم عليه أن يراعي إتقان ذلك التبليغ بكل الوسائل المتاحة، ويسعى إلى بلوغ الكمال في هذا التبليغ مهما كانت كُلفته؛ إذ إنه يحمل بين يديه مسؤولية كبرى هي ذلك الإنسان -الطالب والمجتمع- الحاضن للجامعة، والكلمة التي بدأ الله بها الخلق.

القابض على «التقاليد الجامعية» كالقابض على الجمر:

التقاليد الجامعية في طريقها للعدم، ويلاحقها الفناء، لا علامة لها -داخل الحرم الجامعي- غير نفر قليل من أساتذة لم يذوبوا في هذا العدم ولم يلاحق تقاليدهم الفناء، تلك التقاليد التي تميزت بها الجامعة العربية في عقلها الجمعي وحافظت عليها عقوداً طويلة أو هكذا سعت وحاولت، بيد أن الجامعة المعاصرة انصاعت للمجتمع وتغيراته، وأقصد بالجامعة عنصرها الرئيس وهو «الأستاذ الجامعي» الذي لا تقوم الجامعة إلا به.

ولعل ما نقصده بالتقاليد هنا العلاقات البينية بين أعضاء هيئة التدريس (من المعيد حتى الأستاذ بالطبع) شركاء الرسالة الإلهية وشركاء التبليغ، ورقي طبيعتها الأخلاقية، وطريقة ملبس الأستاذ وكلامه بل حتى سلوكه الشخصي، ونظرته إلى دوره ووظيفته ورسالته في المجتمع، التي هي من حيث النظر النبوي رسالة ووظيفة الأنبياء بيد أنهم لا يوحى إليهم.

إن الدعوة هنا تتحدد في مواجهة ما طرأ على هذه التقاليد، وتحول مفهوم «الحرم» الجامعي إلى «المؤسسة» الجامعية، والأستاذ «العالِم» إلى الأستاذ «الفهلوي»، «فهلوي» في اكتساب درجاته الوظيفية، «فهلوي» في إعداد أبحاثه العلمية، «فهلوي» في شبكة علاقاته التي تتصل بصناع القرار في الجامعة وخارجها، «فهلوي» في الحصول على ما لا يستحقه من امتيازات، «فهلوي» في تجاوز رسالته ودوره، والأسوأ أن كل ذلك يورث لأجيال جامعية صاعدة من شباب الباحثين فيها! ويبقى الماسك على التقاليد الجامعية كالقابض على الجمر.

استعادة مفهوم «الحرم الجامعي»:

الحرم: ما لا يحلّ انتهاكه، وهكذا ارتبط هذا المعنى بالجامعة، ومفهوم «الحرم الجامعي» يشير في بعض جوانبه إلى اجتناب انتهاك مفاصل الجامعة وركائزها الأخلاقية وعلاقاتها الاجتماعية وما تحمله من تقاليد علمية عريقة، وهذا الحرم الجامعي يفترض طهارة الداخلين إليه؛ الطهارة المادية والمعنوية، وأذكر عندما كنت طالباً جامعياً كنت حريصاً على الوضوء قبل دخول المحاضرة.

و«الحرم» –أيضاً- من مقتضياته البعد الروحي الذي يملأ المكان إشراقاً وجمالاً، وهو ما يتوافر في الجامعة في مساجد الصلاة، والحدائق المزينة بالأشجار أو الغرس الطيب، ومن مقتضيات «الحرم» أيضاً الشعور بعظمة المكان الذي يمدنا بالمعرفة اللازمة نحو الله والإنسان والكون.

الجامعة بحاجة شديدة إلى استعادة مفهوم القداسة والطهر الأخلاقي والعلمي، يظهر ذلك في نماذج مجسدة من المسؤولين فيها لتستعيد الجامعة القدوة الحسنة، بل لتكون هي قدوة لحركة نهضة المجتمع وتماسكه الوجودي وأداء رسالته تجاه أبنائه، وهذا لن يتحقق إلا باستبدال ما يضمن أصالة العنصر الأخلاقي وبعث مفهوم «الحرم الجامعي»، بمعايير الاختيار القائمة لهذه الفئة التي يطلق عليها القيادات الجامعية.

بعث مفهوم «القيادة الراشدة» ومبارزة مفهوم «الملأ»:

من المفاهيم التي ارتبطت ببناء الجامعات الحديثة مفهوم «القيادة الاجتماعية»، حيث شغلت الجامعة منذ نشأتها المعاصرة مكانة القيادة في المجتمع، وارتبطت بركائز نهوضه الاجتماعي والعلمي وتطوره السياسي، فيما يبدو أن الجامعات في بلداننا العربية حولت هذا المفهوم المنظومة إلى مفهوم «الملأ»(2) الفرعوني، الذي تحولت فيه الجامعة إلى خادمة للنظام السياسي الحاكم، وتم توظيف كل نشاط الجامعات وكل حركتها نحو تكريس حكم هذا النظام مهما امتلأ من عورات، وكان الأولى بها -أي الجامعة- أن تسعى نحو تصويبه وإرشاده بما تمتلكه من مؤهلات علمية ومعرفية راشدة، وتعيش الجامعات العربية تحت مظلة هذا المفهوم «الملأ»، وتكونت في الجامعات «أملاء» عدة كل منها حلقة لتخدم ما فوقها، وفقدت الجامعة إحدى أهم وظائفها ومسؤولياتها وهي قيادة المجتمع نحو النهضة والتقدم ومعالجة آفاته وأمراضه.

الأستاذ المكافح:

أصبحت النقطة المركزية للتجمع في الجامعة هي نقطة المصالح (غير المشروعة)، في حين أصبحت نقاطاً الحق والواجب والإصلاح والمبدأ والقيمة نقاط مشتتة، والحق والواجب الآن هو استعادة نقطة الإصلاح كمركزية لتجمع رؤى الإصلاح، والجماعة العلمية التي تناضل تحت اسم رسالة الجامعة ورسالة الأستاذ، وهما قضيتان جديرتان بكل جهد وبكل نضال، وهذا لا يقوم به إلا من اعتقد في كفاحية دور الأستاذ الجامعي داخل الجامعة وفي المجتمع، ووعى عِظمَ مسؤولية ذلك الدور ومتطلباته وحقيقة المجاهدة في سبيل الأداء، وهذا في مقابل إما الأستاذ الفاسد والمفسد الذي يقف على متصل النقيض، أو الأستاذ «الشيطان الأخرس» الذي يعرف الحق، ولا يسانده بل يتعامى عنه؛ فالكفاح هنا هو مواجهة الاثنين: المبارز للحق، والصامت عنه.

وبعد.. ما قدمناه هنا ليس حصراً، وإنما هو وصْل لدعواتٍ عديدة أطلقها أساتذة مكافحون ومجاهدون في عقود مضت من داخل «الحرم الجامعي».

 

___________

الهامشان

(1) تعريف لإسماعيل راجي الفاروقي رحمه الله.

(2) الملأ هنا يقصد به المفهوم القرآني الذي ارتبط في أكثر ذكره في القرآن بالجماعة التي تداهن الحكام والمستكبرين على حساب الحقيقة، وتناصر الباطل على حساب الحق، اقرأ: (الأعراف: 60/66/75/88/90/127/27)، (هود:27)، (المؤمنون:24/33).

 

(*) أستاذ أصول التربية بجامعة دمياط – مصر

عدد المشاهدات 2575

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top