دروس من الفيروس!

14:59 06 أبريل 2020 الكاتب :   لندن - د. أحمد عيسى:

1- علاج الجزع: 2020-04-06_14h55_52.jpg

يقول الله تعالى: (إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً {19} إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً {20} وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً {21} إِلَّا الْمُصَلِّينَ {22}) (المعارج)، قد فسرت الآيات الهلوع وهو الذي إذا ناله الشر أظهر شدة الجزع، وإذا ناله الخير بخل به ومنعه الناس، إلا المصلين؛ أي الموصوفين بتلك الأوصاف فإنهم إذا مسهم الخير شكروا الله، وأنفقوا مما خولهم الله، وإذا مسهم الشر صبروا واحتسبوا (تفسير السعدي)، وقيل: هم المؤمنون عامة، فإنهم يغلبون فرط الجزع بثقتهم بربهم ويقينهم (تفسير القرطبي).

2- المساجد الباكية لما فقدت من الذكر:

خلت بيوت الله من عمَّارها الذين يصلون ويذكرون اسم الله ويسبحون له فيها بالغدو والآصال، لا شك أنهم يبكون حرقة على ضياع الصلاة في الجماعة والجمع وهم يسمعون نداء المؤذن «صلوا في بيوتكم»، ولكن العاقل منهم سيعوض ذلك في البيت بصلاة أخلص، ودعاء أخشع، وذكر متواصل، أما المساجد نفسها فلا شك أنها تبكي، جاء عن ابن عباس: «وإذا فقده مُصَلاه من الأرض التي كان يصلي فيها ويذكر الله فيها بكت عليه»، وروى البخاري عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ إِلَى جِذْعٍ، فَلَمَّا اتَّخَذَ المِنْبَرَ تَحَوَّلَ إِلَيْهِ، فَحَنَّ الجِذْعُ، فَأَتَاهُ، فَمَسَحَ يَدَهُ عَلَيْهِ»، وفي رواية: «إِنَّ هَذَا بَكَى لِمَا فَقَدَ مِنَ الذِّكْرِ» (رواه أحمد).

3- التوكل:

قال الله تعالى: (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً {3}) (الطلاق)؛ أي من فوض إليه أمره كفاه ما أهمه -ولا بد من نفوذ قضائه وقدره- قد جعل الله لكل شيء من الشدة والرخاء أجلاً ينتهي إليه، وقال الربيع: إن الله تعالى قضى على نفسه أن من توكل عليه كفاه، ومن آمن به هداه، ومن أقرضه جازاه، ومن وثق به نجاه، ومن دعاه أجاب له، وتصديق ذلك في كتاب الله تعالى: (وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ) (التغابن: 11)، (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) (الطلاق: 3) (تفسير القرطبي).

4- الأخذ بالأسباب:

وقد سئل أحمد عن رجل جلس في بيته، أو المسجد وقال: لا أعمل شيئاً حتى يأتيني رزقي، فقال: هذا رجل جهل العلم، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله جعل رزقي تحت ظل رمحي»، وقال: «لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً»، فذكر أنها تغدو وتروح في طلب الرزق، قال: وكان الصحابة يتجرون ويعملون في نخيلهم والقدوة بهم.

ويقول شارح الطحاوية: قد يظن بعض الناس أن التوكل ينافي الاكتساب، وتعاطي الأسباب، وأن الأمور إذا كانت مقدرة فلا حاجة إلى الأسباب، وهذا فاسد، فإن الاكتساب منه فرض، ومنه مستحب، ومنه مباح، ومنه مكروه، ومنه حرام، وقد كان صلى الله عليه وسلم أفضل المتوكلين يلبس لأْمَة الحرب، ويمشي في الأسواق للاكتساب.2020-04-06_14h56_40.jpg

5- التداوي والأمل:

وجهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم للتداوي وعلاج الأمراض الظاهرة والباطنة، ووجهنا كذلك بالبحث والدراسة لاكتشاف الأدوية، فقد ورد في الصحيحين قوله صلى الله عليه وسلم: «ما أنزل الله من داء إلا أنزل له شفاء»، وورد أيضاً قوله: «تَدَاوَوْا عِبَادَ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ مَعَهُ شِفَاءً إِلَّا الْهَرَمَ» (رواه ابن ماجة)، وانظر إلى قوله صلى الله عليه وسلم: «إلَّا وَضَعَ مَعَهُ شِفَاءً»؛ ألا يدل على تلازم المرض والعلاج، وأن العلاج مع أو من المرض، كما ينتج من سموم الثعابين مضادات السموم، فيمكن إنتاج مصل للفيروس.

قال الصنعاني: وفيه الإرشاد إلى التداوي، وإنه لا ينافي التوكل كما لا ينافيه دفع الجوع والعطش والحر والبرد بأضدادها، بل لا تتم حقيقة التوحيد إلا باستعمال الأسباب التي جعلها الله مقتضيات لمسبباتها قدراً وشرعاً.

6- التغيير الاجتماعي:

اضطر الفيروس الناس إلى البقاء في البيت مع بقية الأسرة، ففتحوا الكتب والقصص التي ربما لم تفتح لسنوات ليقرؤوا، ويحكوا لأطفالهم، وبدأ تواصل أسري عن قرب، فيه الحوار الشخصي وليس الرسائل الإلكترونية، وفيه التعلم والتعليم بأدب وحب واحترام، وزرع الفيروس عادات جديدة مثل الاهتمام بالنظافة، وحماية الآخرين، ومساعدة الضعفاء، وتغيير نمط العمل الروتيني، كما أتاح الفيروس هدنة لكوكب الأرض أن يتنفس هواء أنقى، فقل عدد الطائرات والقطارات والسيارات التي تنفث سموم الغازات، ولعل ذلك خلق وقتاً طيباً للحيوانات والطيور، وأحس الناس أكثر بأهمية العاملين في المجال الصحي الذين هم دوماً في خط الدفاع الأول لصحة الناس، وفي المقابل يتعرضون لمخاطر جمة.

7- ماذا فعلنا مع الأمراض وأسباب الموت الأخرى؟

هناك أسباب يمكن تفاديها ولكننا للأسف كمجتمع عالمي لم نشمر لها تشميرنا للفيروس، خذ مثلاً حوادث الطرق؛ فقد أودت الإصابات الناجمة عن حوادث الطرق بحياة 1.4 مليون شخص في عام 2016م، وشكّل الرجال والفتيان منها نسبة الثلاثة أرباع، حسب منظمة الصحة العالمية، وفي كل عام يضع ما يقارب مليون شخص نهاية لحياته، وتمثل كل حالة انتحار مأساة تؤثر على الأسر والمجتمعات، فماذا فعلنا لمنع موت هذه الملايين؟

ونصف عدد الوفيات في البلدان المنخفضة الدخل هي بسبب الأمراض السارية والاعتلالات التي تصيب الأمهات والحالات الصحية أثناء الحمل والولادة، وحالات نقص التغذية، وهي أمراض يمكن تفاديها بتضافر الجهود وإعانة البلاد الفقيرة، وفك حالات النزاع العسكري ووقف تدخل الدول في مصائر الشعوب.

يموت في عام واحد 15.2 مليون شخص نتيجة مرض القلب لانسداد الشرايين التاجية، والسكتة الدماغية، وهما أكبر مرضين يحصدان الأرواح في العالم، فماذا فعلنا لتقليل ذلك؟

وحصد الانسداد الرئوي المزمن أرواح 3 ملايين شخص، وتسببت سرطانات الرئة في 1.7 مليون وفاة، أما السكري فأودى بحياة 1.6 مليون شخص، وتضاعفت وفيات أمراض الخرف لتصبح السبب الخامس للوفاة بالعالم.

وظلّت عدوى التهابات الجهاز التنفسي السفلي من الأمراض السارية الأكثر فتكاً وقتلت 3 ملايين شخص، والإسهال سبب في 1.4 مليون وفاة، والسل وهو معدٍّ كالفيروس فتسبب بموت 1.3 مليون شخص، والإيدز والعدوى بفيروسه قتل مليون شخص في السنة(1).

هذه الملايين تموت بلا أخبار عاجلة أو مؤتمرات طارئة أو اجتماعات عالمية أو زخم صحفي وإعلامي وخلال منصات التواصل الاجتماعي، والذين يموتون هم بشر منا ومن جيراننا وأهلنا وأصدقائنا، فلماذا لم نأخذ الاحتياطات لوقايتهم؟ لماذا لم نمنع الخمر والتدخين مثلاً كما منعنا السفر؟

8- ألطاف الله:

من أسماء الله تعالى اللطيف، وهو لطيف بعباده، وما من عبد إلا وتفضل الله عليه بلطفه بما صلح به بقاءه، ونجاته من كل كرب، وعندما تضرب الحوادث والمخاوف والمهالك، فلا ملجأ ولا منجى إلا إلى الله، ليدفع عن عباده الأمراض والفيروسات بوسائل وجنود لا يرونها ولا يشعرون بها، فهو اللطيف، قال الله تعالى: (وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (يونس: 107)؛ أي وإن يصبك الله بشدة أو بلاء فلا كاشف لذلك إلا ربّك الذي أصابك به، وإن يردك ربك برخاء أو نعمة وعافية وسرور، فلا يقدر أحدٌ أن يحول بينك وبين ذلك (تفسير الطبري بتصرف).

وأبشر؛ فإن مع العسر يسراً، إن مع العسر يسراً.

الهامش

(1) تقديرات منظمة الصحة العالمية لعام 2016م: الوفيات حسب السبب، العمر، الجنس، وحسب البلد والمنطقة.

عدد المشاهدات 1565

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top