د. زيد الرماني

د. زيد الرماني

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

كان علم الاقتصاد، في منتصف القرن الماضي ولبرهة من الزمن، يبدو ذلك العلم الواسع الصعب المرتقى الذي خلت مادته من أي رونق جذاب، وقد قدم نتاجاً تعوزه البشرية جمعاء، ذلك النتاج يتمثل في طريقة تحقيق الازدهار ومن ثم أساليب الحفاظ عليه، وقد ابتدع أصحاب السلطة في البلاد ومستشاروهم من علماء الاقتصاد أساليب كثيرة لتخليص الاقتصاد الوطني والعالمي من خطر الكارثة والمجازفة، فكانت ذات صبغة عقلانية تنبئ بواقع المستقبل وتحمل طابع التحليل الإحصائي العميق بحيث إن صارت الحكومات تعتقد أن كل ما ينقصها فقط هو مجرد أن تجمع بين هذه الأساليب جنباً إلى حنب مع الكادر الخبير والمال المطلوب حتى تستطيع أن تجعل الحياة الاقتصادية تلبي رغباتها.

وعلى أساس من هذا الاعتقاد الخاطئ، فقد ذهب الزعيم الصيني ماوتسونغ إلى أن اقتصاد الصين سيقفز قفزة عظيمة إلى الأمام، وكذلك الزعيم السوفييتي خروشوف.

وفي الولايات المتحدة الأمريكية كان الرئيسان كندي وجونسون ومستشاروهما، وحتى معظم الشعب الأمريكي، يظنون أن مستوى الإنتاج العالمي والتفوق الاقتصادي لبلادهم مضمون حتى المستقبل البعيد، وأن التدابير الضرائبية المستخدمة لتحقيق استقرار اقتصادي كفيلة بأن تقضي حتى على التقلبات القصيرة الأمد التي قد تحدث في الأسعار.

أما في بريطانيا فكانوا يقومون، أو كان يظن بأنهم يقومون، ببناء دولة الرفاهية المزدهرة والمتقدمة من خلال العمل ومن خلال مستوى معيشة متواضع ودائم التحسن يعم جميع الأفراد، وهم في ذلك يقتفون إلى حد ما أثر الدولة الإسكندنافية، وأما المجموعة الأوروبية الاقتصادية فهي إذ تتبنى لنفسها منهج الاقتصاد الأمريكي المتكامل باستمرار كانت تقوم بمهامها على أفضل ما يرام لصالح الدول الأعضاء الأصليين، وكان هناك 6 أو 7 من بلدان أمريكا الجنوبية تسير في خطواتها الأولى نحو تبني هذا الاقتصاد كنظام يحتذى في قارتهم.

وأما في البلدان المتخلفة، فكان الناس وحكامهم يتطلعون إلى خطط تنمية من وضع مختصين لتنظم لهم عملية الازدهار والتقدم، وفي الوقت نفسه كانت تطلعاتهم هذه موضع نظر الدول التي تمول خطط التنمية عن طريق القروض والمنح.

وقد اختلفت الطرق المتبعة لتحقيق هذا الازدهار في الأماكن التي خلت منه، والحفاظ عليه في الأماكن التي نالت منه حظاً، وذلك حسب الناحية الأيديولوجية، ولكن ليس بذلك القدر الذي قد يتصوره المرء، فمثلاً عندما كانت الحكومتان الأمريكية والسوفييتية تتنافسان على كسب الحلفاء من الدول الفقيرة، من خلال تقديم المساعدات الاقتصادية، لم تكن منافستهم هذه تنطوي على مفاهيم مختلفة في المساعدة؛ بل على النقيض من ذلك كلتاهما كانت تتنافس على تقديم الشيء نفسه، من سدود مائية وشبكات طرق ومعامل أسمدة وأنظمة ري.

من الناحية النظرية، كل شيء كان على أساس كبير من المنطق، وأما في الواقع فقلما سارت الأمور حسب ما رسم لها.

ونعيش الآن في زمن عصيب من الإحباط في خطط النمو، تتراوح نتائجه ما بين كوارث حقيقية، إلى مجرد إحباط وخيبة أمل.

وكما نعلم جميعاً فإن البلدان ذات الاقتصاد السليم تستطيع دائماً أن تمد يد العون لإنعاش التجارة في البلدان التي تقوض اقتصادها بفعل المجاعة أو الأوبئة أو الزلازل ومد المحيطات والفيضانات والنيران، وهذه الحال تتمثل تماماً بخطة مارشال التي قدمتها أمريكا.

وقصارى القول: إن الاقتصاديين، في طول البلاد وعرضها، كانوا يرسمون ويعدلون منحنياتهم الفليبسية الخاصة؛ وحتى في مدارس الاقتصاد في العالم الغربي كان الطلاب يعلمون كيف يرسمون هذه المنحنيات ويستخدمونها، أول هذه المنحنيات التي رسمت على أساس البيانات الأمريكية تم التخطيط له عام 1960 على يد اقتصاديين اثنين أحدهما بول سامويلسون، وهو أحد كبار المؤلفين الأمريكيين في علم الاقتصاد، والحائز على جائزة "نوبل" في الاقتصاد.

الكلام عن الأعطاب البنيوية في الاقتصاد أو النسب العالية المستمرة للبطالة لا يزيد على أن يرجع بنا بطريق مختلفة إلى الحديث عن ألغاز التأثيرات المتباينة لخطة مارشال في مد يد العون إلى اقتصاديات مختلفة ثم الفشل الذريع الذي لحق بكثير من خطط التنمية المدروسة والممولة بشكل فائق، نحن لا نعرف كيف نحفز عامل التنمية في الاقتصاديات المختلفة؛ ولا نعرف أيضاً كيف نحول دون تردي الاقتصاديات المتطورة نفسها إلى حالة من التخلف؛ جانبان للغز نفسه.

الآن وقد عركنا عامل الزمن والأحداث، أصبحنا نعرف شيئاً واحداً: من الحمق أن نفترض أن علم الاقتصاد الشمولي على وضعه المعروف اليوم بوسعه أن يرشدنا لما فيه منفعتنا، إنه حطام لا خير فيه، لقد انقضت قرون عديدة من التفكير الجاد والحثيث في قضية الملاحقة القوية بين العرض والطلب، ولم تفدنا علماً بشيء يذكر عن نمو الثروات وتدهورها، إذا فيتحتم علينا أن نبحث في ثنايا سبل أخرى من الملاحقة والتفكير أكثر واقعية وأرجى إثماراً مما قد جربناه من قبل، وأما البحث لاختيار أحد المذاهب الاقتصادية القائمة فهو عقيم لا فائدة ترجى منه، إننا نعيش واقعنا نحن؛ وليس ثمة ما يفرضه علينا غيرنا.

 

________________________________

للتواصل: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته..

السبت, 29 أغسطس 2020 17:28

طرائق العيش وأمراض المدنية

 ليست القضية اليوم أن ننتج لنستطيع إشباع حاجاتنا، بل إنهم على العكس يقنعوننا بأن نستهلك ونبذر حتى نستطيع أن ننتج، وكل شيء يجري كما لو كنا خاضعين لآلة تُنتج بضائع وتُوجد أسواقاً وتكيّف المستهلكين، لإشباع حاجات هذه الآلة الكلية، قبل كل شيء.

إن هناك استمرارية كاملة بين قانون مجتمعات النمو وقانون الجريمة، يقول وزير فرنسي سابق إن المخدر هو داء المجتمعات الاستهلاكية ذات النظام الليبرالي.

والنمو هو أساساً نمو العدوانية ضد البيئة وضد الإنسان. والحق أن هناك أمراضاً أخرى سُميت بـ: (أمراض المدنية)، سبّبها مجموع طرائق العيش في مجتمعاتنا.

لذا، يؤكد نادي روما في تقاريره أنه إذا لم نتخذ أي تدبير مباشر لتغيير الطراز الحالي للنمو في البلدان المتطورة، فسيكون هناك 500 مليون وفاة بالجوع في آسيا.

إن الإنسان الإحصائي لا يوجد في أي مكان والمشكلة أن الأوروبي الذي يستهلك 500 ضعف من الطاقة والموارد الطبيعية، يكون بالتالي أكثر تلويثاً   بـ 500 ضعف من الأفريقي.

ثم إن الايديولوجيات التبريرية للنمو تصطدم بتناقض الوقائع الأكثر بداهة في قلب البلدان المصنّعة ذاتها.

فليست القضية هي قضية الماضي فحسب، قضية مطلع القرن التاسع عشر حين رسم كارل ماركس لوحة (رقصات رأس المال الصاخبة)، ساحباً تحت (دبابة النمو) الأولاد والنساء كيدٍ عاملةٍ رخيصة.

 بل وقضية الحاضر أيضاً، قضية القرن الحادي والعشرين، حيث المجتمع الجرائمي المنظّم، ففي حين كان الإجرام التقليدي مرتبطاً بالفقر: فقد كان ثمة علاقات وثيقة بين البؤس وإدمان الكحول والسل والسرقة والاستعطاء والتشرد.

أصبح الإجرام له أشكال جديدة، إجرام منظّم إجرام بـ (ياقة بيضاء)، عنف مجاني، مرتبطة بالنمو، وليس بالعوز.

إن التبرير الأكثر رواجاً للنمو، في نظر الاقتصاديين هو أن ديناميكيته ذاتها ستسمح بامتصاص (جيوب البؤس)، بفضل المبدأ الذي ينص على أن حصة   كل شخص تكبر بقدر ما يكون قالب الحلوى كبيراً. والتجربة التاريخية      ترينا اليوم أن الأمر ليس كذلك، فإن طراز النمو لا يقودنا فحسب إلى انتحار بطيء للأرض وسكانها، بل إن الفجوة بين البلدان الـمصنعة والبلدان النامية تتسع ولا تكف عن التفاقم.

 

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) مستشار اقتصادي وأستاذ بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

للتواصل: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نصف قرن يمر على صدور مجلتنا مجلة «المجتمع».. فماذا يعني هذا؟!

إن لنا مع هذا الحدث المهم محطات ووقفات:

الأولى: الحدث زمانياً:

إذ إن استمرار إصدار المجلة طيلة هذه السنين الطويلة نسبياً فيه دلالة على القبول والتميز وتحدي الظروف والمتغيرات، إلى جانب تمتع مجلتنا بمزايا نوعية وخصائص فريدة ساعدت في استمرار تدفق أعداد المجلة عاماً بعد عام، مع الحفاظ على الهوية والرسالة والأهداف، حقاً مجلة «المجتمع» كل المجتمع فلها من اسمها نصيب.

الثانية: الحدث مكانياً:

فالكويت واجهة ثقافية فكرية، شهد بذلك العديد من المفكرين والعلماء والباحثين، ومن ثم فصدور هذه المجلة من هذا البلد المحب للثقافة والمثقفين والعلم والعلماء والفكر والمفكرين علامة مضيئة لبيئة مبدعة، تشجع وتدعم كل المبدعين والمتفوقين والبارزين والنابغين، وتدافع وتنافح عن كل المغلوبين والضعفاء والمهجرين والمظلومين وأصحاب الحق.

الثالثة: الحدث تقنياً:

إذ شهد العالم في بداية الألفية الجديد انتقالاً سريعاً من العلم المكتوب الورقي إلى العلم التقني الإلكتروني، فمعظم الصحف والمجلات أصبحت تطبع إلكترونياً، ومن ثم صار لها موقع إلكتروني وتواصل عبر منصات وروابط فضائية «إنترنتية»، وهذا بلا شك شكل تحدياً قوياً لكثير من الصحف والمجلات الورقية في سبيل الصمود والاستمرارية والبقاء.

الرابعة: الحدث جغرافياً:

فرغم أن «المجتمع» مجلة كويتية خليجية، فإن هذا لم يحد من تواجدها وتغطياتها ومتابعاتها لما يحدث في العالمين العربي والعالمي لأحداث وقضايا وطروحات فكرية واقتصادية وسياسية وأمنية، وهذا يحسب لمجلتنا «المجتمع»، ويعلي مكانتها، ويؤكد دورها، ويرفع من قيمة أسهمها في النشر والريادة في شتى مجالات الإعلام المتخصص.

الخامسة: الحدث ريادياً:

فمجلتنا «المجتمع» جمعت بين النشر الورقي والنشر الإلكتروني؛ أي بين المجلة الورقية والمجلة الإلكترونية، بل وكان احتفاؤها بكتَّابها والعاملين معها والمفكرين على مختلف جنسياتهم وبلدانهم ريادياً بامتياز، كما كان تواصلها مع شرائح المجتمع في أقطار العالمين العربي والعالمي تواصل اللحظة والحدث خبراً وصورة وتغطية.

السادسة: الحدث عولمياً:

لقد شهدت منطقتنا العربية، كما هي مناطق أخرى في العالم، هجمة عولمية، ورؤى شعبوية، وأفكاراً متناقضة، وطروحات متباينة، لكن مجلتنا «المجتمع» بقيت صامدة في وجه هذا الطوفان، ولم يلحظ عليها الكيل بمكيالين، أو الاتجاه لطرف على حساب طرف، أو الانحياز لموقف دون موقف، بل كانت رسالتها واضحة، وأهدافها نبيلة، وتوجهاتها تسير في خدمة قضايا الأمتين العربية والإسلامية.

السابعة: الحدث اقتصادياً:

لقد ضربت الأزمة الاقتصادية العالمية معظم مفاصل العملية الإعلامية، وليست مجلتنا «المجتمع» بدعاً من ذلك، ولقد كان من آثار تلك الأزمة خروج العديد من الصحف والمجلات من المشهد الإعلامي بعد ردح من الزمن الطويل، وبقيت «المجتمع» أبية صامدة بثبات، متجددة متطورة بتوازن، مما مكنها من الاستمرارية والعطاء والانتشار.

الأربعاء, 18 سبتمبر 2019 18:19

اللغة تقوم بوظائف اقتصادية

 

على الرغم من أن النقود واللغة قد رُبط بينهما مجازياً بشكل كافٍ، فإن التشابه الخاص فيما بينهما كثيراً ما يتم إغفاله.

فإيكو – مثلاً – يساوي بين الكلمات والعملات باعتبارها علامات لها نموذج مجرد أولي لم يفطن إليه أحد قط، ولكنه في الوقت نفسه يؤكد على الفرق بين الاثنتين، وهذا الفرق يقوم كما يزعم – على أساس أن العملات، وليس الكلمات، لها قيمة سلعية، وهو يتجاهل بوضوح كلاً من الجانب المادي للكلمات والجانب المعنوي للعملات.
وهناك فرق آخر لا يمكن إنكاره بين التصرف في الكلمات والتصرف في النقود، فالاحتفاظ بذكرى ورقة بمائة ريال هو بشكل واضح ليس مثل الاحتفاظ بذكرى كلمة.
فما دمت أحتفظ بذكرى كلمة في ذاكرتي فإنني أستطيع أن أنفقها مرة ومرة، ولكن الاحتفاظ بالريالات في ذاكرتي لا يساعدني على دفع قيمة فواتير وأقساط الشهر التالي.
بَيْد أننا نؤكد على أن الجانب المادي للكلمات ليس أقل أهمية من الجانب المادي للنقود سواء أكانت عملات أم أوراقاً نقدية.
يقول فلوريان كولماس في كتابه: "اللغة والاقتصاد" مؤكداً ذلك: أن الكلمات يمكن أن تكون لها قيمة سلعية، فإن لم يكن الأمر كذلك، لما استطاعت طائفة من كل صائغي العبارات الرنانة أن تكسب رزقها.
على الرغم من أن هذا ليس هو المثال الوحيد للكلمة التي يُدفع لها مقابل عندما يكون للكلمات ثمن يُدفع.
إن الحكمة الشائعة تقول: إن لم يكن الكلام من ذهب، فهو على الأقل من فضة. ولذلك يزن بعض الناس كلامهم أو يحرصون على ألا ينفقوا منه أكثر مما ينبغي.
إن الكلمات تُسَكّ كما تُسَكّ العملات، وتظل متداولة مادامت سارية المفعول. فهي – أي الكلمات – عملة التفكير، ونحن نمتلك منها أرصدة سائلة، بقدر ما نمتلك ناصية لغة معينة.

وعندما نتفاهم مع أحد فإننا نتفق على ثمن يجب دفعه، وعندما لا نكون مخلصين فإننا لا ندفع إلا كلاماً زائفاً. وعندما نصف اللغة والنقود معاً بأنهما رصيدان، فإنما نلفت النظر إلى دوريهما في تحقق الفردية.
فهما - اللغة والنقود - قدرة كامنة تجعل تحقق الفردية ممكناً عن طريق توسيع نطاق الفعل عند مَنْ يمتلكونها، وبالتالي تعينهم على التكيّف مع المجتمع. كذلك تُعدّ الكمبيالة أو السند شيئاً ذا طبيعة لغوية، والكلمات في الواقع لشيء قائماً في طبيعته. والافتراض الساذج بأن للكلمة معنى متأصلاً فيها إنما هو افتراض يشبه التصور الساذج بأن للنقود قيمة في حد ذاتها.
ولكن الكلمة والعملة كلتيهما لا يمكن أن تكونا على ما هما عليه في الواقع إلا لأن الأمر ليس كذلك.
فهما – الكلمة والعملة – في الأساس أمران اصطلاحيان ويمكنهما أداء وظيفتيهما بفضل تجريدهما، فالأولى عبارة عن أداة تبادل للسلع المعنوية، والأخيرة عبارة عن أداة تبادل للسلع المادية.
وكثيراً ما نظر إلى تشابه النقود واللغة، المعبر عنه بالترميز في اللغة ذاتها، باعتباره مجرد زخرفة أسلوبية.
ففي بدايات القرن السابع عشر الميلادي على سبيل المثال استعمل ذلك ستيفانو جواتسو، حين قال: التعبيرات والكلمات الأخرى ذات القيمة العظمى وذات القيمة الدنيا تخرج من فم المتكلم تماماً مثلما تصدر من الخزانة كل أنواع العملات، الذهبية والفضية والنحاسية.
على أن تشبيه الكلمة بالعملة له أيضاً تقليد ممتد زمنياً باعتباره دليلاً على الارتباط الأصيل بينهما. فجون لوك في كتابه: "مقال في التفاهم الإنساني" حوالي نهاية القرن السابع عشر الميلادي يصف الكلمات باعتبارها القاسم المشترك للتجارة والاتصال.
وفي الفترة نفسها تقريباً يظهر في كتابات ليبنتز مجاز التبادل، الذي يربط بين النقود واللغة، حين يقول: من خلال محاولتنا الوصول للاستنتاج أو الخلاصة، فإننا كثيراً ما نستعمل الكلمات بدلاً من الأفكار والأشياء، كما لو كانت شفرات أو فيشات ومن ثم، نصل في النهاية للب الموضوع. من هذا يتضح لنا مدى أهمية أن تكون الكلمات، بوصفها قوالب للأفكار وبوصفها كمبيالات إذا جاز التعبير، مفهومة ومتميزة وسهلة المنال ومتوافرة وشائعة ومرضية.

وبعد عقود قليلة فقط أوضح ديفيد هيوم في كتابه: "رسالة في طبيعة الإنسان". أن تشبيه الكلمة بالعملة أكثر من مسألة تفسير مجال معين للخبرة الإنسانية بطريقة مجازية باستعارة أدوات مفاهيمية من مجال آخر، ولكن هذا التشابه من وجهة نظره، قد وجد في التطور المتوازي للغة والنقود وفي وظائفهما في المجتمع، حيث يقول: وبصورة متماثلة تأسست اللغات بالتدريج عن طريق الأعراف والمواضعات الإنسانية دون أيّ تعهد أو تعاهد. وبصورة متماثلة أيضاً الذهب والفضة أصبحا المعيارين العامين للتبادل، واعتبرا مقابلاً كافياً لما يساوي قيمتهما مائة مرة.
ويتحدث يوهان جورج هامان قائلاً: النقود واللغة موضوعان يتسم البحث فيهما بدرجة من العمق والتجريد توازي عمومية استعمالهما. وهما مرتبطان أحدهما بالآخر بشكل أقوى مما هو متصور، ونظرية أحدهما تفسِّر نظرية الآخر، ويبدو أنهما يقومان على أسس مشتركة. فثروة المعرفة الإنسانية كلها تقوم على تبادل الكلمات. ومن ناحية أخرى فإن كل كنوز الحياة المدنية والاجتماعية ترتبط بالنقود بوصفها معيارها العام.
ولقد كان لقول أنطوان دي رفارول ما يبرِّره حين كتب قبل سنوات من قيام الثورة الفرنسية، وكانت الأنشطة المجتمعية قد أصبحت تمارس بالفعل عبر واسطة النقود: الكلمات مثل النقود: كانت لها قيمة محدودة قبل أن تعبِّر عن كل أنواع القيمة.
إن الأوراق النقدية والكلمات تجسِّد العلاقة المثيرة بين تفرد الشيء المادي وعمومية الأمر المجرد، وهي – الأوراق النقدية والكلمات – بسبب هذا فقط يمكنها أن تقوم بوظيفتها بوصفها أداة للتبادل.
وحقيقة الأمر فإن بين النقود واللغة علاقات ذات أهمية فيما يتعلق ببناء المجتمع. فالنقود تقوم بوظائف اتصالية، كما أن اللغة تقوم بوظائف اقتصادية.
ختاماً أقول إننا ما لم نفهم اقتصاديات اللغات، فإننا لن نتمكن من فهم تطور الخريطة اللغوية للعالم. ومن ناحية أخرى فإن الفهم الصحيح لبعض التطورات الاقتصادية يعتمد على قبول الكلمات بقيمتها الاسمية، بمعنى أن نتعامل مع اللغة بوصفها عاملاً اقتصادياً مستقلاً بذاته...

_________________________
(*) مستشار اقتصادي وأستاذ بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

للتواصل: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا

fram

Top