د. زيد الرماني

د. زيد الرماني

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
الأحد, 08 نوفمبر 2020 08:52

كيف تزيد مرتبك؟

الواقع أنه في 99% من الحالات لا يحصل الموظف على زيادة في مرتبه إلا حينما يستحقها، وليس المحسوبية أو الحظ كما يتوهم، وكلما أصبح التنافس بين الشركات قوياً؛ عمد مديروها إلى تطبيق القاعدة القديمة «حسِّن عملك أو اعتزل».

أخي الموظف، فيما يلي نصائح تستطيع بواسطتها أن تتقدم في عملك وتوطد مركزك في مؤسستك:

إنَّ عدم التقدم في العمل وزيادة الأجر كثيراً ما يعود لعيوب في شخصية الموظف أو العامل، وقد لوحظ أنه حتى في المهن التي تقتضي مهارة فنية مثل الهندسة، فإن عدداً كبيراً من المهندسين الذين يشغلون أرقى المناصب، تأتي المهارة الفنية عندهم في المرتبة الخامسة من الصفات الست التي تكوّن شخصية العامل الممتاز؛ وهي: تحمس العامل للعمل كما لو كان عمله، والثقة بالنفس بغير غرور، وسرعة البديهة، وسلامة الحكم على الأشياء، واللباقة في الحديث، ودقة المواعيد، يضاف إلى ذلك الحرص على عدم ضياع أوقات العمل.

والمفروض أن الموظف يعطي الأجر عن عمل يوم كامل، ومن هنا كانت المكالمات الهاتفية الخاصة، وكتابة الرسائل الخاصة، وما إلى ذلك، من دواعي تزعزع ثقة أصحاب العمل في العامل، ولا يكفي أن تكون طيب السلوك مع رئيسك وحده، فإن السلوك الطيب نحو الآخرين وخاصة مع المرؤوسين من الصفات التي ترضي الرؤساء.

جاء في كتاب «كيف تكسب الثروة؟» لمؤلفه «دايل كارنيجي»: يقول رجال الأعمال: إن تسعة موظفين من عشرة يكتفون بأداء الأعمال المطلوبة منهم، ويضيقون ذرعاً بما يوكل إليهم من أعمال إضافية، فلتكن أنت الشخص الوحيد الذي يطلب أعمالاً أخرى، فذلك يهيئ لك فرصة طيبة لزيادة أجرك.

حاول أن تعرف تفاصيل عمل رئيسك المباشر حتى تتمكن من معاونته في أداء بعض أعماله، إنَّ رئيسك المباشر هذا يطمع أيضاً في الترقية وزيادة مرتبه، وقد تتوقف ترقيته على مقدرته على الاعتماد عليك في المهام المطلوبة منه، كي يتفرغ هو لأعمال أخرى.

حلِّل وظيفتك، وادرس أقسامها لتعرف أيها أصعب، وأيها يحتاج إلى دقة أكبر، وأيها يحتاج إلى سرعة، واعرف النواحي التي لا تجيدها ثم حاول أن تقوِّي نفسك فيها بكل ما تستطيع من وسائل، وحذار أن يطفئ حماسك هوان مرتبك، وأن تقول كما يقول بعضهم: إننا نعطي صاحب العمل ما يوازي الأجر الذي يعطيه لنا.

إنَّ صاحب العمل لن يزيد مرتبك ما لم يلمس بنفسه أنك تعطيه أكثر مما تأخذ منه، ثم إنَّ العجز عن التعبير عما يساورك من أفكار عقبة كبيرة في سبيل تقدمك في عملك، روّض نفسك على الحديث حديثاً طبيعياً صريحاً بغير لعثمة أو تردد مع رؤسائك، وتدرب على كتابة محاضر وتقارير تنم عن ذوق وحسن اختيار للكلمات والعبارات، لهذا ينبغي أن تكثر من قراءة المجلات الثقافية والأدبية مهما كان عملك بعيداً عن النواحي الأدبية.

وكذلك ينبغي دراسة جميع المعاملات والرسائل والتقارير التي تمر بك خلال عملك، وليكن حديثك في الهاتف حديثاً لبقاً وصوتك بهيجاً ساراً، فلكي تشغل الوظائف الإدارية الكبيرة؛ عليك أن تعرف كيف تقنع الآخرين بأفكارك دون أن ترغمهم على قبولها بغير اقتناع، وأن توحي إليهم بالأشياء التي تريدهم أن يفعلوها دون أن تمليها عليهم.

الإثنين, 26 أكتوبر 2020 22:46

8 مهارات

 فيما يلي ثماني مهارات، إن اتقنتها بإخلاص وانتظام، زايلك الضعف والخمول واستطعت أن توجه نفسك الوجهة الصحيحة كلما أقدمت على عمل       أو بدأت مشروع.. وهذه المهارات لن تقترن بنفس الفائدة في جميع الحالات.

المهارة الأولى: اجعل لنفسك ساعة في كل يوم تمسك فيها لسانك عن الحديث مع مخاطبك، إلا مجيباً في إيجاز عن الأسئلة التي قد توجه إليك، مع الحرص على أن يكون مظهرك عادياً بقدر المستطاع.. إن هذه المهارة التي تبدو يسيرة، ستكسبك الشعور بالسيطرة على نفسك، وسترى كلما استأنفت الحديث العادي بعد تلك الساعة أنك أقدر على انتقاء الألفاظ ذات المعنى الواضح المحدد.

المهارة الثانية: خصّص من وقتك نصف ساعة في اليوم، لكي تركز تفكيرك في موضوع واحد، ولا بأس بأن تبدأ هذه المهارة بجعل الوقت مدة خمس دقائق فقط ثم تطيل هذه المدة تدريجياً، ولكي يسهل عليك أداء هذه المهارة، يحسن بك أن تستعين عند ممارستها بقلم وورقة، لتخط عليها علامة كلما لاحظت أن تفكيرك قد اتجه نحو شيء آخر، وسترى أن هذه العلامات كثيرة في الأيام الأولى، ولكنها تأخذ في التناقص يوماً بعد يوم، حتى تزول في الغالب بعد شهر.. والأفضل أن تقوم بذلك وأنت وحدك أول الأمر، على أن تقوم به بعد ذلك في أي وقت، وهو أكبر نفعاً لمن يحتاج عملهم إلى التجديد والابتكار.

المهارة الثالثة: اكتب تحريراً لأحد أصدقائك، شرط أن يخلو من كلمة "أنا" ومن "ياء المتكلم" و"تاء الفاعل" أي من كل ما يتصل بشخصك، واحرص على ألا يلاحظ المرسل إليه شيئاً غريباً في الخطاب، وإلا فشلت في التمكن من هذه المهارة.. ولكي تكتب تحريراً جيداً من هذا النوع، ينبغي أن تحول عقلك عن التفكير في نفسك، فإذا ما انتهيت من كتابة التحرير، وعدت إلى نفسك، أحسست أنك أكثر نشاطاً وحيوية.

المهارة الرابعة: اكتب تحريراً آخر تتحدث فيه عن نجاحك ومواهبك وميولك بلهجة رزينة هادئة، على ألا تقول إلا الحق، والحق وحده بغير مبالغة.       وسترى أن هذه المهارة تحولك عن التفكير في النجاح، كما أنها تذكرك بكثير     من مواهبك التي تركتها دون استغلال.

 المهارة الخامسة: شجع أحد معارفك الجدد من حين إلى آخر على أن يتحدث عن نفسه دون أن يلحظ ذلك ثم اصغ كل جوارحك لما يقول دون أن تتكلم. وسترى شعورك بالزهو والغرور سوف يزايلك حين تعرف أنكما تشتركان في كثير من المزايا والفضائل التي كنت تتصورها وقفا عليك.

المهارة السادسة: ضع برنامجاً لتمضية ساعتين بالنهار، ثم نفذه بكل دقة. منتقلاً من كل جزء منه إلى الجزء التالي في الموعد المحدد لذلك تماماً، فإذا حققت نجاحاً في هذا، فعليك أن تزيد في مدته ساعة بعد ساعة كل بضعة أشهر، حتى تتدرب على تنفيذ برنامج موضوع لثامني ساعات في اليوم دون أن تخل بالنظام الموضوع، وبذلك تستطيع الإفادة من وقتك على أحسن الوجوه.

المهارة السابعة: هذه المهارة أصعب أداء، ولكنها كذلك أكبرها أثراً، وفيها تعويد النفس على تحمل المشاق ومسايرة الظروف والصمود أمام المفاجآت. وخلاصتها أن تعد اثنتي عشرة بطاقة، ثم تدوّن على كل منهما اقتراحاً بأداء عمل جديد لم تألفه، على أن يقتضي منك مشقة وجهداً جسدياً أو نفسياً، ثم ضع هذه البطاقات في مغلفات واحفظها في درج مكتبك، وبين حين وآخر، أو في يوم معين من الشهر التقط أحد هذه المغلفات كيفما اتفق، ونفذ الاقتراح الذي تتضمنه البطاقة الموضوعة فيه.

المهارة الثامنة: خصّص يوماً كل شهر أو شهرين تقول فيه " نعم " لكل من يطلب منك خدمة في وسعك أن تؤديها.. إن هذا يعوّدك على خدمة الناس وتذوق المتعة التي تقترن بالقيام بها، هذا إلى ما عسى أن يعود عليك من الفائدة الشخصية من وراء إجابة هذه المطالب.

هذه المهارات علاوة على فائدتها، فيها متعة وتسلية، ولكن لا تنس بعد       أن تتعودها وتصبح ممارستها سهلة عليك، أنها وسائل وليست غايات.. كن قاسياً على نفسك ولكن كن صديقاً لها في نفس الوقت، حدّد لها هدفاً وحفزها كي تصل إليه، على أن تكافئها إذا هي سارت قدماً في هذا الطريق.

إننا أحيانا نغفر لأنفسنا تراخيها في الوقت الذي كان يجب فيه أن تعمل ثم نطالبها بما لا طاقة لها به ونقسو عليها إذا لم تتحقق مطالبنا، وهذه خطة خاطئة، نتيجتها العناد والتحدي والعصيان والتقهقر نحو الفشل.

حرر نفسك من أغلال غريزة الفشل، واعمل دائماً كما لو كان من الصعب أن تفشل، يصادفك النجاح في كل ما تعمل.

 

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) مستشار اقتصادي وأستاذ بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

للتواصل: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

السبت, 03 أكتوبر 2020 10:07

الصورة الذهنية للنجاح

إن المرض الأول الذي يجب أن يتجنبه كل شاب قبل كل شيء، مرض الشعور بالنقص والإخفاق والفشل في الحياة، ومتى ظفر بهذا المرض، وأخرجه من حياته، كان من السهل على الطبيب معالجته.

إذ في وسع كل منا أن يتجنب الإخفاق، والخيبة، والشقاء، وأن يوجه دفة سفينته إلى النجاح، وإصابة الهدف، والسعادة، إذا ما غـيَّر الصورة الذهنية التي يكنها لنفسه.

هل سمع أحد بمحامٍ يكسب قضية، أو لاعب يكسب مباراة، أو جرَّاح يجري عملية ناجحة وهو يضع الفشل نُصب عينيه؟

لقد سمعنا وعرفنا أشخاصاً ليس لهم من مزايا سوى ثقتهم بأنفسهم واعتدادهم بها، ينجحون حيث أخفق من يفوقونهم خبرة ومعرفة.

وإذا نظرنا إلى هؤلاء الناجحين نتساءل في عجب: كيف تسنى لهم أن يبلغوا هذا النجاح؟ ونقارن بين ما وهبنا الله من صفات وميزات وما وهبهم، فندهش إذ نرى أننا ربما كنا أوفر منهم حظاً في الصفات والميزات المؤهلة للنجاح!

فما السر؟ أتراهم يتبعون وصفة سحرية تدنيهم من النجاح؟

لو نفذنا إلى عقولهم، لرأينا أن الوصفة السحرية التي تدنيهم من النجاح هي الصورة التي يحملونها في أذهانهم لأنفسهم، لقد تمثلوا أنفسهم رجالاً ناجحين!

أما أولئك الذين توافرت لهم مؤهلات النجاح ومع ذلك فقد أخفقوا، فالأغلب أن نفوسهم حافلة بالمخاوف والشكوك، وربما بالكراهية لأنفسهم، فهم لهذا عاجزون أن يتخيلوا أنفسهم رجالاً ناجحين.

والرجل الذي يقول: لا أبتغي من الحياة سوى عمل يكفل لي القوت ويؤمنني شر الجوع، إنما هو في الحقيقة يوقّع على نفسه عقاباً نتيجة إحساسات دفينة بالذنب لعلها غرست في نفسه منذ الطفولة.

وصاحب هذا الرأي لا يحقق في الحياة أكثر من الصورة التي رسمها لنفسه رغم ما قد يتصف به من ميزات ومواهب.

وثمة شخص آخر ينأى بنفسه عن النجاح، لأنه يهيم في أحلام اليقظة، إنه يتمنى النجاح ولكنه عاجز عن إصابته، إنه يتخيل نفسه في أحلامه رجلاً عظيماً، ولكن في دنيا الحقيقة يعجز عن التعبير عن نفسه والانطلاق على سجيته؟

جاء في كتاب «كيف تكسب الثروة والنجاح؟»: لو أن الإخفاق هو الذي تمثل للكتاب، والفنانين، والعلماء، فكم كان يصبح عدد الكتب التي كتبت، وعدد اللوحات الفنية التي أنتجت، وعدد الكشوف والمقترحات التي أنجزت؟

يجب أن نخلع من ذهن الإنسان صورة الفشل في الحياة، وأن نحل محلها صورة النجاح، فلو ظلت صورة الفشل مرتسمة في ذهنه وعقله لكان مصير كل النصائح التي نقدمها فشلاً وعبثاً.

ولكن نستطيع تبديل الصورة الذهنية التي رسمها المرء لنفسه التي أدت إلى فشله، علينا أن نساعده على تحديد هدفه وماذا يريد في حياته.

كثيرون يحلمون باليوم الذي يصبحون فيه من الناجحين، فإذا سألتهم: ما النجاح الذي يطلبونه؟ عجزوا عن وصفه، ومن ثم تتبدد طاقات نشاطهم، لأنهم لا يستهدفون شيئاً محدداً، وإذا فالخطوة الأولى هي تحديد الهدف، كأن تحدد ما تريده من عمل لنفسك.

هل تريد أن تكون طبيباً أم محامياً أم تاجراً أم موظفاً أم محاسباً أم صاحب عمل من الأعمال، أو صناعة من الصناعات.

اختر لنفسك صناعات وتأكد أولاً أنها ترضيك، فإذا تبينت هدفك واضحاً فامضِ فيه نشطاً معتزاً واثقاً أنك ستكون من الناجحين، فجميع الذين نجحوا في الحياة عرفوا ما يريدون، أول ما بدؤوا معركة الحياة.

ومن جعل هدفه نصب عينيه، وركز قواه في العمل لتحقيقه، واطمأن إلى أنه سوف ينجح، لن يفشل بإذن الله تعالى.

الأربعاء, 30 سبتمبر 2020 17:04

الحب أم الضمان الاقتصادي؟

  إن الحب يسلبك بعض حريتك، نعم بل ويضيق مجال نشاطك الاجتماعي، ومن ثم فينبغي أن يحذر الانسان من أن يخنقه الحب ويعوقه عن أداء الواجب، ولهذا فإن عليه أن يحتفظ بأصدقائه، وأن يمنح نفسه الوقت الكافي للاسترخاء، فالحب وإن كان تجربة لذيذة إلا أنه إذا لم يعالج بحكمة أصبح مر المذاق.. على أن الحب مبدع السعادة والهناء، حقيق بكل ما يبذل في سبيل الظفر به والمحافظة عليه.

يقول دايل كارنيجي في كتابه (كيف تكسب الثروة والنجاح): إن الضمان الاقتصادي يمنح المرء الشعور بالراحة، هذا لا ريب فيه، وحسب المرء أن يحس أنه لن يقاسي آلام الجوع أو الكفاف، وأنه يحيا حياة مستقرة تكاد تكون أحسن من حياة الكثيرين، وأنه لن يعتمد على أولاده أو على منح الحكومة. مثل هذا الاحساس يكسب الانسان الثقة بنفسه والاطمئنان على حياته، إنه فرع من السعادة، وليس السعادة كلها، والضمان الاقتصادي أهم عند المرأة منه عند الرجل فإنه يمنحها الفرصة لأداء مهمتها في الحياة كزوجة وأم وربة منزل، وهي متعددة الجوانب وعسيرة على المرأة إذا لم تكن مقرونة بالضمان الاقتصادي.

فالزوج الصالح في نظر المرأة ليس أي رجل فهي لا تقدر الرجل الذي يعتمد على زوجته في كل شيء، والذي لا يحسب له حساب في الإرشاد وفي الحماية.  إن المرأة تحب أن يكون زوجها رجلاً قوي الشخصية، عطوفاً عظيم الأفق في فهمه للأمور، ناصحاً أميناً وصديقاً حميماً ومحباً ومغرماً مخلصاً وفياً، رجل تستطيع أن تعتمد عليه حقاً.

أما الذكور فيرون السعادة في المال والقوة والسلطة، إنهم بالتأكيد يقدرون الحب قدره، ويفخرون بزوجاتهم وأولادهم، ولكنهم أشد طموحاً وأبعد آمالاً من ذلك، إنهم يؤمنون إيماناً عميقاً أن المال يكسبهم السلطة على الآخرين في مختلف الأعمال وغيرها من ضروب الصلات الأخرى، فاذا ظفروا بالمال فإنهم يعتقدون أنهم نالوا السعادة المبتغاة.

 بيد أن الواقع الملموس الذي يستطيع الانسان أن يراه رأي العين في أكثر الحالات.. أن هذه الأهداف التي يرنو إليها الرجال ليست دائمة، والسعادة التي يجنيها الانسان من ورائها قصيرة العمر، وهي في كثير من الأحيان تنتهي بآلام وعزلة عن الناس.

على أن الذي تجدر ملاحظته أن كل الاهداف التي تعتبر من أسباب السعادة، فيما عدا الحب، هي أهداف مادية، وحتى الحب هو في أغلب حالاته شديد الأنانية. وسواء أكان الحب للزوج او الزوجة أو الآباء أو الأطفال أو أي شيء من هذا القبيل واختلط هذا الحب بطبيعة الملكية، فإنه يضيق مجال العاطفة حتى يصبح ذا طبيعة طاغية عنيفة عظيمة الخوف من فقدانه، كما يغير طبائع الإنسان فيوجد فيه الريب والشك وبذلك يقضي على الغاية منه.

     

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مستشار اقتصادي وأستاذ بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.

للتواصل: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

كان علم الاقتصاد، في منتصف القرن الماضي ولبرهة من الزمن، يبدو ذلك العلم الواسع الصعب المرتقى الذي خلت مادته من أي رونق جذاب، وقد قدم نتاجاً تعوزه البشرية جمعاء، ذلك النتاج يتمثل في طريقة تحقيق الازدهار ومن ثم أساليب الحفاظ عليه، وقد ابتدع أصحاب السلطة في البلاد ومستشاروهم من علماء الاقتصاد أساليب كثيرة لتخليص الاقتصاد الوطني والعالمي من خطر الكارثة والمجازفة، فكانت ذات صبغة عقلانية تنبئ بواقع المستقبل وتحمل طابع التحليل الإحصائي العميق بحيث إن صارت الحكومات تعتقد أن كل ما ينقصها فقط هو مجرد أن تجمع بين هذه الأساليب جنباً إلى حنب مع الكادر الخبير والمال المطلوب حتى تستطيع أن تجعل الحياة الاقتصادية تلبي رغباتها.

وعلى أساس من هذا الاعتقاد الخاطئ، فقد ذهب الزعيم الصيني ماوتسونغ إلى أن اقتصاد الصين سيقفز قفزة عظيمة إلى الأمام، وكذلك الزعيم السوفييتي خروشوف.

وفي الولايات المتحدة الأمريكية كان الرئيسان كندي وجونسون ومستشاروهما، وحتى معظم الشعب الأمريكي، يظنون أن مستوى الإنتاج العالمي والتفوق الاقتصادي لبلادهم مضمون حتى المستقبل البعيد، وأن التدابير الضرائبية المستخدمة لتحقيق استقرار اقتصادي كفيلة بأن تقضي حتى على التقلبات القصيرة الأمد التي قد تحدث في الأسعار.

أما في بريطانيا فكانوا يقومون، أو كان يظن بأنهم يقومون، ببناء دولة الرفاهية المزدهرة والمتقدمة من خلال العمل ومن خلال مستوى معيشة متواضع ودائم التحسن يعم جميع الأفراد، وهم في ذلك يقتفون إلى حد ما أثر الدولة الإسكندنافية، وأما المجموعة الأوروبية الاقتصادية فهي إذ تتبنى لنفسها منهج الاقتصاد الأمريكي المتكامل باستمرار كانت تقوم بمهامها على أفضل ما يرام لصالح الدول الأعضاء الأصليين، وكان هناك 6 أو 7 من بلدان أمريكا الجنوبية تسير في خطواتها الأولى نحو تبني هذا الاقتصاد كنظام يحتذى في قارتهم.

وأما في البلدان المتخلفة، فكان الناس وحكامهم يتطلعون إلى خطط تنمية من وضع مختصين لتنظم لهم عملية الازدهار والتقدم، وفي الوقت نفسه كانت تطلعاتهم هذه موضع نظر الدول التي تمول خطط التنمية عن طريق القروض والمنح.

وقد اختلفت الطرق المتبعة لتحقيق هذا الازدهار في الأماكن التي خلت منه، والحفاظ عليه في الأماكن التي نالت منه حظاً، وذلك حسب الناحية الأيديولوجية، ولكن ليس بذلك القدر الذي قد يتصوره المرء، فمثلاً عندما كانت الحكومتان الأمريكية والسوفييتية تتنافسان على كسب الحلفاء من الدول الفقيرة، من خلال تقديم المساعدات الاقتصادية، لم تكن منافستهم هذه تنطوي على مفاهيم مختلفة في المساعدة؛ بل على النقيض من ذلك كلتاهما كانت تتنافس على تقديم الشيء نفسه، من سدود مائية وشبكات طرق ومعامل أسمدة وأنظمة ري.

من الناحية النظرية، كل شيء كان على أساس كبير من المنطق، وأما في الواقع فقلما سارت الأمور حسب ما رسم لها.

ونعيش الآن في زمن عصيب من الإحباط في خطط النمو، تتراوح نتائجه ما بين كوارث حقيقية، إلى مجرد إحباط وخيبة أمل.

وكما نعلم جميعاً فإن البلدان ذات الاقتصاد السليم تستطيع دائماً أن تمد يد العون لإنعاش التجارة في البلدان التي تقوض اقتصادها بفعل المجاعة أو الأوبئة أو الزلازل ومد المحيطات والفيضانات والنيران، وهذه الحال تتمثل تماماً بخطة مارشال التي قدمتها أمريكا.

وقصارى القول: إن الاقتصاديين، في طول البلاد وعرضها، كانوا يرسمون ويعدلون منحنياتهم الفليبسية الخاصة؛ وحتى في مدارس الاقتصاد في العالم الغربي كان الطلاب يعلمون كيف يرسمون هذه المنحنيات ويستخدمونها، أول هذه المنحنيات التي رسمت على أساس البيانات الأمريكية تم التخطيط له عام 1960 على يد اقتصاديين اثنين أحدهما بول سامويلسون، وهو أحد كبار المؤلفين الأمريكيين في علم الاقتصاد، والحائز على جائزة "نوبل" في الاقتصاد.

الكلام عن الأعطاب البنيوية في الاقتصاد أو النسب العالية المستمرة للبطالة لا يزيد على أن يرجع بنا بطريق مختلفة إلى الحديث عن ألغاز التأثيرات المتباينة لخطة مارشال في مد يد العون إلى اقتصاديات مختلفة ثم الفشل الذريع الذي لحق بكثير من خطط التنمية المدروسة والممولة بشكل فائق، نحن لا نعرف كيف نحفز عامل التنمية في الاقتصاديات المختلفة؛ ولا نعرف أيضاً كيف نحول دون تردي الاقتصاديات المتطورة نفسها إلى حالة من التخلف؛ جانبان للغز نفسه.

الآن وقد عركنا عامل الزمن والأحداث، أصبحنا نعرف شيئاً واحداً: من الحمق أن نفترض أن علم الاقتصاد الشمولي على وضعه المعروف اليوم بوسعه أن يرشدنا لما فيه منفعتنا، إنه حطام لا خير فيه، لقد انقضت قرون عديدة من التفكير الجاد والحثيث في قضية الملاحقة القوية بين العرض والطلب، ولم تفدنا علماً بشيء يذكر عن نمو الثروات وتدهورها، إذا فيتحتم علينا أن نبحث في ثنايا سبل أخرى من الملاحقة والتفكير أكثر واقعية وأرجى إثماراً مما قد جربناه من قبل، وأما البحث لاختيار أحد المذاهب الاقتصادية القائمة فهو عقيم لا فائدة ترجى منه، إننا نعيش واقعنا نحن؛ وليس ثمة ما يفرضه علينا غيرنا.

 

________________________________

للتواصل: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته..

السبت, 29 أغسطس 2020 17:28

طرائق العيش وأمراض المدنية

 ليست القضية اليوم أن ننتج لنستطيع إشباع حاجاتنا، بل إنهم على العكس يقنعوننا بأن نستهلك ونبذر حتى نستطيع أن ننتج، وكل شيء يجري كما لو كنا خاضعين لآلة تُنتج بضائع وتُوجد أسواقاً وتكيّف المستهلكين، لإشباع حاجات هذه الآلة الكلية، قبل كل شيء.

إن هناك استمرارية كاملة بين قانون مجتمعات النمو وقانون الجريمة، يقول وزير فرنسي سابق إن المخدر هو داء المجتمعات الاستهلاكية ذات النظام الليبرالي.

والنمو هو أساساً نمو العدوانية ضد البيئة وضد الإنسان. والحق أن هناك أمراضاً أخرى سُميت بـ: (أمراض المدنية)، سبّبها مجموع طرائق العيش في مجتمعاتنا.

لذا، يؤكد نادي روما في تقاريره أنه إذا لم نتخذ أي تدبير مباشر لتغيير الطراز الحالي للنمو في البلدان المتطورة، فسيكون هناك 500 مليون وفاة بالجوع في آسيا.

إن الإنسان الإحصائي لا يوجد في أي مكان والمشكلة أن الأوروبي الذي يستهلك 500 ضعف من الطاقة والموارد الطبيعية، يكون بالتالي أكثر تلويثاً   بـ 500 ضعف من الأفريقي.

ثم إن الايديولوجيات التبريرية للنمو تصطدم بتناقض الوقائع الأكثر بداهة في قلب البلدان المصنّعة ذاتها.

فليست القضية هي قضية الماضي فحسب، قضية مطلع القرن التاسع عشر حين رسم كارل ماركس لوحة (رقصات رأس المال الصاخبة)، ساحباً تحت (دبابة النمو) الأولاد والنساء كيدٍ عاملةٍ رخيصة.

 بل وقضية الحاضر أيضاً، قضية القرن الحادي والعشرين، حيث المجتمع الجرائمي المنظّم، ففي حين كان الإجرام التقليدي مرتبطاً بالفقر: فقد كان ثمة علاقات وثيقة بين البؤس وإدمان الكحول والسل والسرقة والاستعطاء والتشرد.

أصبح الإجرام له أشكال جديدة، إجرام منظّم إجرام بـ (ياقة بيضاء)، عنف مجاني، مرتبطة بالنمو، وليس بالعوز.

إن التبرير الأكثر رواجاً للنمو، في نظر الاقتصاديين هو أن ديناميكيته ذاتها ستسمح بامتصاص (جيوب البؤس)، بفضل المبدأ الذي ينص على أن حصة   كل شخص تكبر بقدر ما يكون قالب الحلوى كبيراً. والتجربة التاريخية      ترينا اليوم أن الأمر ليس كذلك، فإن طراز النمو لا يقودنا فحسب إلى انتحار بطيء للأرض وسكانها، بل إن الفجوة بين البلدان الـمصنعة والبلدان النامية تتسع ولا تكف عن التفاقم.

 

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) مستشار اقتصادي وأستاذ بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

للتواصل: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نصف قرن يمر على صدور مجلتنا مجلة «المجتمع».. فماذا يعني هذا؟!

إن لنا مع هذا الحدث المهم محطات ووقفات:

الأولى: الحدث زمانياً:

إذ إن استمرار إصدار المجلة طيلة هذه السنين الطويلة نسبياً فيه دلالة على القبول والتميز وتحدي الظروف والمتغيرات، إلى جانب تمتع مجلتنا بمزايا نوعية وخصائص فريدة ساعدت في استمرار تدفق أعداد المجلة عاماً بعد عام، مع الحفاظ على الهوية والرسالة والأهداف، حقاً مجلة «المجتمع» كل المجتمع فلها من اسمها نصيب.

الثانية: الحدث مكانياً:

فالكويت واجهة ثقافية فكرية، شهد بذلك العديد من المفكرين والعلماء والباحثين، ومن ثم فصدور هذه المجلة من هذا البلد المحب للثقافة والمثقفين والعلم والعلماء والفكر والمفكرين علامة مضيئة لبيئة مبدعة، تشجع وتدعم كل المبدعين والمتفوقين والبارزين والنابغين، وتدافع وتنافح عن كل المغلوبين والضعفاء والمهجرين والمظلومين وأصحاب الحق.

الثالثة: الحدث تقنياً:

إذ شهد العالم في بداية الألفية الجديد انتقالاً سريعاً من العلم المكتوب الورقي إلى العلم التقني الإلكتروني، فمعظم الصحف والمجلات أصبحت تطبع إلكترونياً، ومن ثم صار لها موقع إلكتروني وتواصل عبر منصات وروابط فضائية «إنترنتية»، وهذا بلا شك شكل تحدياً قوياً لكثير من الصحف والمجلات الورقية في سبيل الصمود والاستمرارية والبقاء.

الرابعة: الحدث جغرافياً:

فرغم أن «المجتمع» مجلة كويتية خليجية، فإن هذا لم يحد من تواجدها وتغطياتها ومتابعاتها لما يحدث في العالمين العربي والعالمي لأحداث وقضايا وطروحات فكرية واقتصادية وسياسية وأمنية، وهذا يحسب لمجلتنا «المجتمع»، ويعلي مكانتها، ويؤكد دورها، ويرفع من قيمة أسهمها في النشر والريادة في شتى مجالات الإعلام المتخصص.

الخامسة: الحدث ريادياً:

فمجلتنا «المجتمع» جمعت بين النشر الورقي والنشر الإلكتروني؛ أي بين المجلة الورقية والمجلة الإلكترونية، بل وكان احتفاؤها بكتَّابها والعاملين معها والمفكرين على مختلف جنسياتهم وبلدانهم ريادياً بامتياز، كما كان تواصلها مع شرائح المجتمع في أقطار العالمين العربي والعالمي تواصل اللحظة والحدث خبراً وصورة وتغطية.

السادسة: الحدث عولمياً:

لقد شهدت منطقتنا العربية، كما هي مناطق أخرى في العالم، هجمة عولمية، ورؤى شعبوية، وأفكاراً متناقضة، وطروحات متباينة، لكن مجلتنا «المجتمع» بقيت صامدة في وجه هذا الطوفان، ولم يلحظ عليها الكيل بمكيالين، أو الاتجاه لطرف على حساب طرف، أو الانحياز لموقف دون موقف، بل كانت رسالتها واضحة، وأهدافها نبيلة، وتوجهاتها تسير في خدمة قضايا الأمتين العربية والإسلامية.

السابعة: الحدث اقتصادياً:

لقد ضربت الأزمة الاقتصادية العالمية معظم مفاصل العملية الإعلامية، وليست مجلتنا «المجتمع» بدعاً من ذلك، ولقد كان من آثار تلك الأزمة خروج العديد من الصحف والمجلات من المشهد الإعلامي بعد ردح من الزمن الطويل، وبقيت «المجتمع» أبية صامدة بثبات، متجددة متطورة بتوازن، مما مكنها من الاستمرارية والعطاء والانتشار.

الأربعاء, 18 سبتمبر 2019 18:19

اللغة تقوم بوظائف اقتصادية

 

على الرغم من أن النقود واللغة قد رُبط بينهما مجازياً بشكل كافٍ، فإن التشابه الخاص فيما بينهما كثيراً ما يتم إغفاله.

فإيكو – مثلاً – يساوي بين الكلمات والعملات باعتبارها علامات لها نموذج مجرد أولي لم يفطن إليه أحد قط، ولكنه في الوقت نفسه يؤكد على الفرق بين الاثنتين، وهذا الفرق يقوم كما يزعم – على أساس أن العملات، وليس الكلمات، لها قيمة سلعية، وهو يتجاهل بوضوح كلاً من الجانب المادي للكلمات والجانب المعنوي للعملات.
وهناك فرق آخر لا يمكن إنكاره بين التصرف في الكلمات والتصرف في النقود، فالاحتفاظ بذكرى ورقة بمائة ريال هو بشكل واضح ليس مثل الاحتفاظ بذكرى كلمة.
فما دمت أحتفظ بذكرى كلمة في ذاكرتي فإنني أستطيع أن أنفقها مرة ومرة، ولكن الاحتفاظ بالريالات في ذاكرتي لا يساعدني على دفع قيمة فواتير وأقساط الشهر التالي.
بَيْد أننا نؤكد على أن الجانب المادي للكلمات ليس أقل أهمية من الجانب المادي للنقود سواء أكانت عملات أم أوراقاً نقدية.
يقول فلوريان كولماس في كتابه: "اللغة والاقتصاد" مؤكداً ذلك: أن الكلمات يمكن أن تكون لها قيمة سلعية، فإن لم يكن الأمر كذلك، لما استطاعت طائفة من كل صائغي العبارات الرنانة أن تكسب رزقها.
على الرغم من أن هذا ليس هو المثال الوحيد للكلمة التي يُدفع لها مقابل عندما يكون للكلمات ثمن يُدفع.
إن الحكمة الشائعة تقول: إن لم يكن الكلام من ذهب، فهو على الأقل من فضة. ولذلك يزن بعض الناس كلامهم أو يحرصون على ألا ينفقوا منه أكثر مما ينبغي.
إن الكلمات تُسَكّ كما تُسَكّ العملات، وتظل متداولة مادامت سارية المفعول. فهي – أي الكلمات – عملة التفكير، ونحن نمتلك منها أرصدة سائلة، بقدر ما نمتلك ناصية لغة معينة.

وعندما نتفاهم مع أحد فإننا نتفق على ثمن يجب دفعه، وعندما لا نكون مخلصين فإننا لا ندفع إلا كلاماً زائفاً. وعندما نصف اللغة والنقود معاً بأنهما رصيدان، فإنما نلفت النظر إلى دوريهما في تحقق الفردية.
فهما - اللغة والنقود - قدرة كامنة تجعل تحقق الفردية ممكناً عن طريق توسيع نطاق الفعل عند مَنْ يمتلكونها، وبالتالي تعينهم على التكيّف مع المجتمع. كذلك تُعدّ الكمبيالة أو السند شيئاً ذا طبيعة لغوية، والكلمات في الواقع لشيء قائماً في طبيعته. والافتراض الساذج بأن للكلمة معنى متأصلاً فيها إنما هو افتراض يشبه التصور الساذج بأن للنقود قيمة في حد ذاتها.
ولكن الكلمة والعملة كلتيهما لا يمكن أن تكونا على ما هما عليه في الواقع إلا لأن الأمر ليس كذلك.
فهما – الكلمة والعملة – في الأساس أمران اصطلاحيان ويمكنهما أداء وظيفتيهما بفضل تجريدهما، فالأولى عبارة عن أداة تبادل للسلع المعنوية، والأخيرة عبارة عن أداة تبادل للسلع المادية.
وكثيراً ما نظر إلى تشابه النقود واللغة، المعبر عنه بالترميز في اللغة ذاتها، باعتباره مجرد زخرفة أسلوبية.
ففي بدايات القرن السابع عشر الميلادي على سبيل المثال استعمل ذلك ستيفانو جواتسو، حين قال: التعبيرات والكلمات الأخرى ذات القيمة العظمى وذات القيمة الدنيا تخرج من فم المتكلم تماماً مثلما تصدر من الخزانة كل أنواع العملات، الذهبية والفضية والنحاسية.
على أن تشبيه الكلمة بالعملة له أيضاً تقليد ممتد زمنياً باعتباره دليلاً على الارتباط الأصيل بينهما. فجون لوك في كتابه: "مقال في التفاهم الإنساني" حوالي نهاية القرن السابع عشر الميلادي يصف الكلمات باعتبارها القاسم المشترك للتجارة والاتصال.
وفي الفترة نفسها تقريباً يظهر في كتابات ليبنتز مجاز التبادل، الذي يربط بين النقود واللغة، حين يقول: من خلال محاولتنا الوصول للاستنتاج أو الخلاصة، فإننا كثيراً ما نستعمل الكلمات بدلاً من الأفكار والأشياء، كما لو كانت شفرات أو فيشات ومن ثم، نصل في النهاية للب الموضوع. من هذا يتضح لنا مدى أهمية أن تكون الكلمات، بوصفها قوالب للأفكار وبوصفها كمبيالات إذا جاز التعبير، مفهومة ومتميزة وسهلة المنال ومتوافرة وشائعة ومرضية.

وبعد عقود قليلة فقط أوضح ديفيد هيوم في كتابه: "رسالة في طبيعة الإنسان". أن تشبيه الكلمة بالعملة أكثر من مسألة تفسير مجال معين للخبرة الإنسانية بطريقة مجازية باستعارة أدوات مفاهيمية من مجال آخر، ولكن هذا التشابه من وجهة نظره، قد وجد في التطور المتوازي للغة والنقود وفي وظائفهما في المجتمع، حيث يقول: وبصورة متماثلة تأسست اللغات بالتدريج عن طريق الأعراف والمواضعات الإنسانية دون أيّ تعهد أو تعاهد. وبصورة متماثلة أيضاً الذهب والفضة أصبحا المعيارين العامين للتبادل، واعتبرا مقابلاً كافياً لما يساوي قيمتهما مائة مرة.
ويتحدث يوهان جورج هامان قائلاً: النقود واللغة موضوعان يتسم البحث فيهما بدرجة من العمق والتجريد توازي عمومية استعمالهما. وهما مرتبطان أحدهما بالآخر بشكل أقوى مما هو متصور، ونظرية أحدهما تفسِّر نظرية الآخر، ويبدو أنهما يقومان على أسس مشتركة. فثروة المعرفة الإنسانية كلها تقوم على تبادل الكلمات. ومن ناحية أخرى فإن كل كنوز الحياة المدنية والاجتماعية ترتبط بالنقود بوصفها معيارها العام.
ولقد كان لقول أنطوان دي رفارول ما يبرِّره حين كتب قبل سنوات من قيام الثورة الفرنسية، وكانت الأنشطة المجتمعية قد أصبحت تمارس بالفعل عبر واسطة النقود: الكلمات مثل النقود: كانت لها قيمة محدودة قبل أن تعبِّر عن كل أنواع القيمة.
إن الأوراق النقدية والكلمات تجسِّد العلاقة المثيرة بين تفرد الشيء المادي وعمومية الأمر المجرد، وهي – الأوراق النقدية والكلمات – بسبب هذا فقط يمكنها أن تقوم بوظيفتها بوصفها أداة للتبادل.
وحقيقة الأمر فإن بين النقود واللغة علاقات ذات أهمية فيما يتعلق ببناء المجتمع. فالنقود تقوم بوظائف اتصالية، كما أن اللغة تقوم بوظائف اقتصادية.
ختاماً أقول إننا ما لم نفهم اقتصاديات اللغات، فإننا لن نتمكن من فهم تطور الخريطة اللغوية للعالم. ومن ناحية أخرى فإن الفهم الصحيح لبعض التطورات الاقتصادية يعتمد على قبول الكلمات بقيمتها الاسمية، بمعنى أن نتعامل مع اللغة بوصفها عاملاً اقتصادياً مستقلاً بذاته...

_________________________
(*) مستشار اقتصادي وأستاذ بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

للتواصل: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

الخميس, 15 أغسطس 2019 15:21

الحج وترقية شؤون المسلمين

 

لو أردنا أن نستقصي ما يمكن أن يثمره الحج للمسلمين كافة من وجوه المنافع الأدبية والمادية لضاق علينا المجال، فإن لم يكن فيها إلا تعارف الشعوب الإسلامية، وإلمام بعضها بحاجات بعض، لكفاها ذلك عاملاً قوياً في دفعها إلى تبادل الوسائل والتعاون على سد المفاقر، ولوصلت جميعاً على هذا النحو من التكافل إلى مستوى رفيع بين شعوب العالم.
ولكن هذه الثمرات الاجتماعية الجليلة لا يمكن أن تكون إلا إذا تطورت فكرة الحج لدى المسلمين حتى تبلغ المفهوم من مراد الله من الحج، فإن المشاهد لدى أكثر المسلمين الآن أنهم لا يلحظون فيه إلا الناحية الروحية وحدها، وكان لتجريده لهذه الناحية أثر ظاهر في حصره في طبقة من المسلمين لا تتعداها إلا نادراً.
إذا تقرر هذا كان من أوجب واجباتنا أن ننوه بمنافع الحج للدين والدنيا معاً، وأن نكثر من ترويج هذه الحقيقة في الأذهان، وأن ننبه خطباء المساجد إلى ملاحظة هذا الأمر الجلل في شهور الموسم من كل عام.
حين جاء الإسلام جعل الحج ركناً من أركانه الخمسة، وهو أشد أركانه كلفة، لذلك أحاطه بكثير من وجوه الإعفاء جرياً على أسلوبه الحكيم في دفع الحرج عن متبعيه مصداقاً لقوله تعالى: ((وما جعل عليكم في الدين من حرج)) سورة الحج: آية 78. وقوله: ((ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم)) سورة المائدة: آية 6. فاشترط له الاستطاعة من صحة ومال، وكره أن يرهق فيه أحد نفسه ولو تطوعاً وتطلباً لزيادة الأجر.
لقد أقر الإسلام الحج، ولكنه لم يدعه على ما كان عليه في عهد الجاهلية، فإن العرب كانوا يطوفون بالبيت عراة الأجساد رجالاً ونساءً مشبكين بين أصابعهم، يصفرون فيها ويصفقون، وقد سجل الله عليهم ذلك، فقال تعالى: ((وما كان صلاتهم عند البيت إلا مُكاءً وتصدية)) سورة الأنفال: آية 35. المكاء: الصفير، والتصدية: التصفيق، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم لما قوي سلطان الإسلام أن لا يدخل البيت عريان.
ونظم صلوات الله وسلامه عليه الحج فجعل له أميراً يتقدم الناس ويتفقدهم، ويدفع بوائق الطريق عنهم، حتى إذا انتهوا إلى البيت تولاهم هو وخطباؤه بالإرشاد لخيري الدنيا والدين.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد تعميم العلم بأمر من الأمور خطب به الناس في الموسم، أو أوعز إلى أميره أن يخطب الناس به هنالك.
فحوَّل الإسلام الحج على هذا الوجه من عبادة جسدية لا روح فيها إلى عبادة اجتماعية روحية ذات أثر بليغ في ترقية شؤون المسلمين، وقد أشار الله تعالى إلى هذه المزايا العظيمة بقوله تعالى: ((وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق، ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات)) سورة الحج: الآيتان 27ـ28. وقد فسَّر العلماء المنافع بأنها دينية ودنيوية معاً، وهذا شأن الإسلام في كل ما فرضه على الناس: يراعى فيه مصلحة الحياتين جميعاً.

____________________

مستشار اقتصادي وأستاذ بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

للتواصل: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

الأحد, 04 أغسطس 2019 11:31

رحلة الحج زاد الجسد والروح

أوضح علماؤنا أن من الممكن قياس التجارة على سائر المباحات من الطيب والمباشرة والاصطياد في كونها محظورة بالإحرام، فلدفع هذه الشبهة نزلت (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ) (البقرة: 198)؛ أي تطلبوا عطاء منه وتفضلاً أو زيادة في الرزق بسبب التجارة والاسترباح منها.

كما أن في الآية إشارة إلى أن ما يبتغيه الحاج هو من فضل الله مما يعينه على قضاء حقه ويكون فيه نصيب للمسلمين أو قوة للدّين، فهو محمود، وما يطلبه لاستبقاء حظه، أو لما فيه نصيب نفسه، فهو معلول.

ثم إن الشبهة كانت حاصلة في حرفة التجارة في الحج من وجوه، منها: أن الله سبحانه منع الجدال وفي التجارة جدال، وأن التجارة محرمة وقت الحج في دين أهل الجاهلية.

يقول القرطبي رحمه الله في تفسيره: لما أمر الله سبحانه بتنزيه الحج عن الرفث والفسوق والجدال رخّص في التجارة وهي من فضل الله.

ومن رحمته سبحانه أن سمّى إباحة البيع والشراء والكراء في الحج، ابتغاءً من فضله، ليشعر مَنْ يزاولها أنه يبتغي من فضله، حين يتجر، وحين يعمل بأجر وحين يطلب أسباب الرزق.

ومتى ما استقر في قلب الحاج إحساس بأنه يبتغي من فضل الله حين يكسب ويحصل على رزقه، فهو، إذن، في حالة عبادة لله تعالى، لا تتنافى مع عبادة الحج.

ومن أجل ذلك، فلقد أمر عز وجل عباده المسلمين الحجاج بالتزود لرحلة الحج، فقال سبحانه: (وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى) (البقرة: 197).

يقول القرطبي رحمه الله في تفسيره: أمر الله سبحانه عباده باتخاذ الزاد، حيث كانت طائفة من العرب تجيء إلى الحج بلا زاد، ويقول بعضهم: كيف نحج بيت الله ولا يطعمنا؟ فكانوا يبقون عالة على الناس، فنهوا عن ذلك وأمروا بالزاد.

وغير خاف أن التزود يشمل التزود للأسفار الدنيوية، والتزود للأعمال الصالحة، فقد قال علماؤنا: أمر عز وجل بالتزود لسفر العبادة والمعاش، وزاده الطعام والشراب والمركب والمال، وبالتزود لسفر المعاد، وزاده التقوى والعمل الصالح.

كما أن في الآية دعوة للتزود في رحلة الحج، زاد الجسد وزاد الروح، فقد جاء التوجيه إلى الزاد بنوعيه مع الإيحاء بالتقوى في تعبير عام، والتقوى زاد القلوب والأرواح.

إن الحج مؤتمر جامع للمسلمين قاطبة، مؤتمر بشري عظيم، يجد فيه المسلمون أصلهم العريق الضارب في أعماق الزمن منذ أبيهم إبراهيم الخليل عليه السلام، الحج مؤتمر للتعارف والتشاور وتنسيق الخطط وتوحيد القوى وتبادل المنافع المادية الاقتصادية والمعنوية الفكرية والثقافية والإعلامية.

يقول عز وجل في كتابه العزيز: (وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ {26} وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ {27} لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ {28}) (الحج).

قال المفسرون رحمهم الله: إن الله سبحانه لما أمر بالحج في قوله: (وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ)، ذكر حكمة ذلك الأمر بقوله: (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ).

واختلف المفسرون في هذه المنافع، إذ حملها بعضهم على منافع الآخرة، وهي العفو والمغفرة، وبعضهم الآخر حملها على منافع الدنيا، وهي التجارة في أيام الحج.

والأولى حملها على الأمرين جميعاً، يقول ابن الجوزي رحمه الله في تفسيره: والأصح مَنْ حملها على منافع الدارين جميعاً، لأنه لا يكون القصد للتجارة خاصة، وإنما الأصل قصد الحج والتجارة تبع.

ثم إن المنافع التي يشهدها الوافدون إلى بيت الله الحرام كثيرة، فهناك المنافع الروحية التي تفيض من جلال المكان وروعته وبركته، وهناك المنافع الاقتصادية المادية إذ يعتبر الحج مؤتمراً إسلامياً لحل مشكلات المسلمين الاقتصادية، كما أن في الحج رواجاً اقتصادياً للمسلمين من خلال توزيع وتبادل وبيع وشراء السلع والخدمات اللازمة، إضافة إلى منافع البُدْن والذبائح للفقراء والمساكين والمحتاجين، ومنافع التجارة وكسب المعيشة أيام الحج خاصة. ولذا، قال عز وجل في محكم كتابه وهو يخاطب سبحانه عباده المؤمنين الحجاج: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ).

 

___________________________________________

(*) مستشار اقتصادي وأستاذ بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.

للتواصل: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

الصفحة 1 من 33
  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا

fram

Top