طبق حساء (قصة قصيرة)

21:52 05 يوليو 2020 الكاتب :   د. السيد شعبان

في الحقيقة ليس لدي ما أكتبه، قد اتخمتم حكياً حتى رآني بعضكم مصاباً بالخرف، وآخرون يرونني كاتباً مملاً.

لذلك كان قراري أن أعتزل تلك الحرفة التي لا تطعم صغاري رغيف الخبز؛ غير أن لصا قد سطا ليلة أمس على بيتنا، أجبرني فعله أن أتخفف من تلك الحالة المرعبة التي اجتاحت أسرتنا. لذلك عدت إلى الحكي الممل، أتخفف من ثقل السر الذي أتكتمه؛ أنتم لا تعرفون أنني بارع في الرغي الذي لا قيمة له.

شرع اللص يعبث في الأشياء، تناومت، فمن الحكمة أن يحافظ الإنسان على حياته حتى ولو سلبه اللص بطاقة هويته؛ لم يكن طالب مال ولا قطع ذهب فنحن ولله الحمد نعتاش على راتبي الذي لا يكمم فمي سواه؛ ونكمل نقص احتياجاتنا ببطاقة الدعم.

نسيت أن أخبركم أن الموظف عطل صرفها حتى إشعار آخر؛ ربما ظن اللص أنني أمتلك خزانة أضع فيها تلك المفردات ومن ثم أخيطها جملا.

هذا وارد على أية حال، لو كان ذلك ممكنا لكانت زوجتي أسعد الناس حظا؛ ستتخلص من تلك اللوثة التي أصابتني على كبر؛ أمسك بالقلم ومن ثم أكتب.

تلك عادة سيئة فولدي الأكبر يتبع أمه بل يعمد إلى حكاياتي فيطمس أثرها، يكتب لأصدقائه أن أباه رجل خارج منطق الحياة؛ ذلك لأنني لا أشتري له ثيابا جديدة، أكتفي بأن أقدم له نصائحي التي سمعتها كثيرا من أمي، بأن يعيش في الدنيا زاهدا؛ اعتاد سماعها؛ فالمسيح عليه السلام لم يكن يمتلك بيتا؛ لم يشأ أن يتخذ زوجة؛ يخبرني أن المجدلية كانت زوجته؛ قرأ عن هذا في شيفرة دافنشي؛ إنه ولد يعبث في خزانتي، وجد أن هذه المفردات شاغبت في الماضي؛ تغزلت في فتاة جميلة؛ كتبت قصيدة لو عرف بها ذو النظارة السوداء لألقى بي في غيابة الجب.

لم يعجبه كل هذا؛ فالصغار يتمردون دائما، لن أشغل بالي بتلك الحماقات التي فعلتها زمن الضياع، أتسمع بائعة الخضراوات تغلي في الثمن، إنها لا تعرف قيمة المفردات الجديدة، لو طلبت نصيحتي لقدمت لها أخرى تغري الزبائن، دائما ما تستخدم نفس العبارات المعتادة ويا لحظها يأتي إليها الناس، إنهم يتحركون بفعل حركة المعدة لا غير، أما أنا فلا أجد غير هذا اللص يفزعني في ثلث الليل الأخير، في البداية ظننته أحد هؤلاء الذين يمسكون بالهراوات ويضعون أقنعة سوداء على وجوههم، حمدت الله أن كنت بفراشي لا أدري أي جناية سأتهم بها لو أمسكوا بي وبيدي القلم؟

على كل فتحت عيني لأحدد ملامح اللص، لم يكن غير زوجتي ارتدت قناعا، وحرصت أن تخفي ملامحها جيدا، أعلم أنها تكره هذه العادة التي أصبت بها، من طرف خفي وجدتها تضع جنيهات معدنية جوار كل حرف، تلك حيلة ماكرة حتى إذا ما أخذت من الخزانة كلمة لمع المال وأصدر بريقه ومن ثم أنصرف عن التفكير في اللعب بالكلمات.

تذكرت أنها كانت في لقاء سري، ربما أوصاها ذلك الذي أصدر أمره لماكينة البريد أن تعطل راتبي أن تفعل هذا، بالتأكيد هي تخاف علي وأجد منها شفقة لا حد لها؛ كثيرا ما تعد لي الحساء الساخن في ليالي الشتاء، فقط هي تمل من فراغي، لا تأبه لكلماتي تود لو أنني امتهنت مهنة إضافية فمطالب الأولاد متزايدة.

ذات مرة أقبلت مبتسمة وهي نادرا ما تفعل هذا، تريد أن تحتفظ ليوم العيد بها، أشارت عليَّ أن أقوم بالتلاعب في هجاء اللغة، من عطل ماكينة البريد طلب منها ذلك، سنعطى زجاجة زيت وبضعة أرغفة، ولا مانع أن نوهب كساء للشتاء.

ولأنني ماكر فقد مرت عليَّ أحداث خطيرة، تعلمت منها أن أكون حذراً، قمت بربط كلماتي بحبل ينتهي طرفه بعقلي، حتى إذا ما مسها طائف من لصوص انتبهت؛ سيومض ببريق مثير،

وزيادة في الحرص بعثرت ترتيب الحروف داخل الخزانة، حتى إذا ما أمسكت زوجتي بواحدة انتبهت باقي المفردات.

أغلق قفل الخزانة على يديها، ولأنها غير مدربة جيدا صاحت طالبة نجدتي، ساعتها تناومت حتى سمعت صوت توسلها، ازدادت سعادتي الآن يحق لي أن أساومها، أشتهى أن تعد لي طبقا من الحساء.

تقلبت في فراشي سعيدا حيث استطعت لأول مرة أن أحتفظ بخزانتي سليمة، ولما هممت أن أستيقظ وجدت أن صنبور الماء كان مفتوحا طوال الليل، وأن أوراقي وكلماتي تسبحان في غير اكتراث بي، أما هي فقد ألقت بجسدها وقد شبعت نوماً!

عدد المشاهدات 1195

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا

fram

Top