كورونا ونظرية المؤامرة

22:34 25 يونيو 2020 الكاتب :   م/ أحمد اللوغاني

فرضت جائحة كورونا العالمية ، نفسها كتحدي عالمي تحمل المخاطر على العالم في جميع المجالات ، الصحية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية وقد برزت تلك القضية في وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي في مقدمة القضايا الانسانية بشكل غير مسبوق، مما أربك العقل والفكر في تفسير الظواهر المصاحبة له ؛ سببه، وسرعة إنتشاره، ومخاطره فتناولته الاوساط العلمية ومراكز البحث الطبية بمنهجية علمية كادوات البحث العلمي والاحصائي للوصول الي مكافحته من خلال إيجاد اللقاح الفعال ، بينما تناولته الاوساط الاعلامية بمنهجية الاثارة الاعلامية ومادة دسمة يشارك فيها الرأي العام والذي ينطلق من خلفيات ثقافية وايدلوجية وفكرية متنوعة فظهرت توجهات تفسر تلك الجائحة بنظرية المؤامرة والتي لها سوق رائج ، والطرح الديني أنه عقاب إلهي يعظ المؤمن ويهلك الكافر وراجت نظريات الطب الشعبي والبديل ، هذا التباين كان متوقعاً حتى في الاوساط العلمية المرموقة والتي لم تسلم من ظاهرة ( التحيز التأكيدي)، أزاء كل ما تقدم فإن نظرية المؤامرة كانت هي السائدة في وسائل الاعلام بقوة، وسنناقش تلك الظاهرة من زاويتين الاولى:

-دور فقه السنن الالهية في فهم وتفسير نظرية المؤامرة؛ فنظرية المؤامرة الناجزة كمايخطر في عقول كثير من الناس ، تناقض حتمية السنن الالهية والتي من صميم عقيدة القضاء والقدر، في فاعليتها وأثرها في الوجود فقانون التغيير والاصلاح يبدأ من قناعة الناس بسوء حالتهم مما يولد الدافعية والكتلة البشرية الحرجة للتغيير الإيجابي(إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ ۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ (11)الرعد، وقانون الرزق بالسعي لتحسين الاوضاع الاقتصادية ومكافحة الفقر وتمكين التنمية المستدامة في المجتمع(هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ ۖ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ)15 الملك، وسنة المدافعة(وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (251) البقرة، و التي تتمثل في الحقيقة الموضوعية بوجود قوى ظاهرة وخفية في العالم وهذه القوى لديها مشاريعها وخططها لتحقيق مصالحها الاستراتيجية، وقد تتعثر في تحقيقها لموانع موضوعية مادية وقدرية وكلها خاضعة لقانون السنن الالهية(قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ ۖ فَمَالِ هَٰؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (78) النساء ، وعند قراءة وتفسير الاحداث يفرض الجهاز المفاهيمي والذي يوجه الفكر لكل انسان، فاذا طغى فكر نظرية المؤامرة سيفسر كل حدث وفقاً لذلك، وأما من نور الله بصيرته بفقه السنن الالهية فستكون قراءته مقاربة للصواب والفكر السديد فلا مغالاة في المؤامرة ولا إلغاؤها ، فلايطغى في الميزان ،حيث يعتقد أن العالم تحكمه سنة التدافع وفقاً لمنظومات اقتصادية وفلسفية ودينية وسياسية تُخطط وفقاً لمصالحها تفرضها معادلة موازين القوى الدولية ، فموقف الأمم الضعيفة المتخلفة تحكم على نفسها بالهزيمة والهلاك إذا لم تتعلم من أخطائها وتنهض .

أما الزاوية الثانية فهي أن القرآن الكريم قرر في كثير من الآيات عن مؤامرات حيكت من أهل الباطل ضد أهل الحق لترسيخ مفهوم سنة التدافع ودور الأمم القوية الفاعلة في بناء مشروعها الحضاري من خلال بناء مؤسسات البحث العلمي ومراكز التفكير الاستراتيجي( think tank) لاستشراف المستقبل بحسن استثمار الفرص ودراسة المخاطر للاستفادة من الاحداث المستقبليةفي تحقيق أكبر المكاسب وأقل الخسائر.

وفي الختام فإن تفسير حدث جائحة كورونا بأنه مؤامرة حتمية خُطط لها مسبقاً ويتم تنفيذها بحذافيرها لتحقيق مصالح الشركات الكبرى أوالحكومة العالمية الخفية أمر يتعارض مع فقه السنن الألهية الحاكمة ومنطق العقل ويولد الإحباط الذي يفقدأي بارقةأمل في نهوض أمتنا الحضاري وإستسلامها لحتمية المؤامرة.

رفعت الأقلام وجفت الصحف.

 

عدد المشاهدات 1448

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا

fram

Top