يوم فاز محمد مرسي بالرئاسة والشهادة

11:16 17 يونيو 2020 الكاتب :   عبدالرحمن مصطفى

بعد مسيرة نضالية طويلة في خدمة مصر وشعبها وقضايا الأمة العربية والإسلامية -وفي مقدمتها القضية الفلسطينية التي عبر عنها بقوله وقت الحرب عليها: مصر لن تصمت إزاء أي اعتداء على غزة، أوقفوا هذه المهزلة فورًا، وإلا فغضبتنا لن تستطيعوا أبداً أن تقفوا أمامها، غضبة شعب وقيادة– رحل الرئيس المصري محمد مرسي يوم 17 يونيو 2019م، ووري الثرى في صمت وفي جنح الليل إمعاناً في الظلم، غير أنه كان يوماً على الصعيد العالمي مشهوداً ببكاء القلوب ودمعات المعارضين والمؤيدين واصطفاف الصفوف في كل مكان لصلاة الغائب على رجل ربما لم يتقابلوا معه، لكنه ترك في نفوسهم بصمات جعلت العرب والعجم يصطف ليصلي ويدعو له.

مات زعماء كثيرون، واستشهد رؤساء وملوك كثيرون، لكن مشهد الأرض يوم وفاة محمد مرسي لم تشهده مع أي زعيم في العصر الحديث، فماذا كان بينك وبين الله يا "مرسي" حتى تحزن عليك قلوب العالم، وتبكيك عيونهم، وتصطف الصفوف في كل بقعة حتى التي تشتعل بالحرب كاليمن وغيرها لتصلي عليك! فكم من ملايين وقفت فصلت عليك! وكم من ملايين بكتك ودعت لك! وكم من ملايين دعت على ظالمك!

فماذا بينك وبين الله لتظل كلماتك تتردد حتى على ألسنة الأطفال والبنات والشباب والشيوخ؛ "وليعلم أبناؤنا أن أباءهم وأجدادهم كانوا رجالاً، لا يقبلون الضيم، ولا ينزلون أبداً على رأي الفسدة، ولا يعطون الدنية أبداً من وطنهم أو شرعيتهم أو دينهم"؟!

لقد كان الرئيس محمد مرسي دائماً عفَّ اللسان، كريمَ الخلق، متواضعاً حتى وهو في أوج عظمته، ليناً وهو في أشد قوته، تكالب عليك الرويبضة، فكان صاحب خلق حتى تجسد فيه خلق القرآن وتعاليمه، فصار أيقونة للجميع.

نسأل الله يا "مرسي" أن يجعلك من الشهداء، فقد أحببت كل مظلوم حتى ولو لم يكن من قومك، وسعيت لرفع البغي عن كل شعب ذاق مرارة الظلم، فكانت وقفتك القوية في وجه العدوان الصهيوني على غزة، وكانت صيحتك مدوية "لبيك يا سورية" روحاً سرت في نفوس من وقف ضد الظلم فيها، وكان تعظيمك لنبيك محمد صلى الله عليه وسلم أبلغ الأثر، وكان دفاعك عن صحبه الكرام وزوجته خير درس لمن يتاجرون بشعارات هذا الدين.

لقد أشعل رحيل د. مرسي روح الحمية مرة أخرى وعزيمة الاستمرار بالمطالبة بالحرية -التي مات عليها مرسي- في نفوس كل الناس، حيث كانت آخر رسالة له: "إن شاء الله لن أغادر سجني قبل أبنائي المعتقلين، ولن أدخل داري قبل بناتي الطاهرات المعتقلات"، وتحققت أمنيته فلم يدخل بيته لكنه رحل إلى ربه.

لم يختلف يوم رحيلك عن يوم فوزك بالرئاسة حينما تعلقت القلوب بلحظات إعلان النتيجة، التي احتشد من أجلها الملايين في الشوارع، وخرج الشيوخ والأطفال والنساء والرجال معبرين عن سعادتهم بهذا الإنجاز العظيم الذي تحقق في حياتهم.

لم تفرح القلوب في مصر فحسب، بل خرجت الملايين في شوارع وطرقات المدن بجميع البلاد معبرة عن سعادتها وفرحتها بهذا الفوز.

لم يختلف يوم استشهادك عن يوم فوزك حينما تجمعت القلوب عليك، وشعرت القلوب المظلومة بكثير من الفرحة في هذا النصر.

لقد عاش الشعب يحلم بيوم الحرية.. بيوم تحفظ فيه كرامته من أن تداس تحت الأقدام أو تهان، فكان خروجه البارز في انتخابات البرلمان ثم انتخابات الرئاسة التي جاءت بحلمهم.

جاء إعلان رئيس اللجنة العليا للانتخابات بفوز مرسي بمثابة قنبلة سعادة أطلقت على الشعب المصري والشعوب العربية والإسلامية، حيث خرجت الشعوب في مختلف الدول للتعبير عن فرحتها بهذا الفوز وكأنها هي من انتخبت رئيساً ديمقراطياً لها، فكانت كانت الميادين تعبيراً عن تطلع الشعوب جميعاً إلى نسمات الحرية والكرامة.

مرسي الذي انتخبه الشعب بإرادة حرة هو مرسي الذي ظل ثابتاً على موقفه ولم يعط الدنية في دينه ووطنه، وكان حلمه أن تكون أمته العربية والإسلامية هي أعز الأمم، لكن توقف كل ذلك باعتقاله وإهماله وإهانته بشكل متعمد للضغط عليه من أجل التنازل عن شرعيته، غير أنه ظل ثابتاً حتى تهاوى الجسد مغشياً عليه حتى فارق الحياة أمام قهر الرجال وحزن الجميع.

رحل مرسي وترك في قلب كل مسلم في مشارق الأرض ومغاربها حزناً وألماً وقهراً شديداً على ما آل إليه حالنا.

عدد المشاهدات 1364

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا

fram

Top