الفيروس الذي وحّد الناس لكنْ بعيدين عن بعضهم بعضاً

13:55 18 مارس 2020 الكاتب :   د. ياسين أقطاي

تمامًا كأي شيء أو أمر يحدث لنا، هناك أبعاد لكل مصيبة تقع؛ هذه الأبعاد قبل أي شيء تحمل معاني اختبار، وعادة ما يأتي هذا الاختبار من أماكن لا نعرفها ولم نحسب لها حسابًا، لكن في الغالب تأتي من أماكن كنا نظن أننا نعرفها وندركها وحسبنا لها كل الحسابات، إلا أن كل هذه الحسابات تنهار بلحظة ما، وما عملنا عليه في شيء ما لا يحافظ إلى ما قدمناه من كسل واسترخاء وبخل، دون أن يقدم الجواب والموقف الصحيح.

بالطبع، ليس كلنا نرتكب هذه الأخطاء، لكن علينا أن نعرض المستوى ذاته من النسيان، حتى لا تصبح الغفلة عن هذا الاختبار شيئًا عاديًّا.

إننا نمر باختبار صعب للغاية عبر فيروس كورونا، وفي الحقيقة إنه امتحان لا نظير له ومرحلة لا شبيه لها، حيث إن هذا الفيروس تراه لا يفرق بين أي أحد من شعوب الأرض، فهو يضرب الغني والفقير والمعدوم، والعامل ورب العمل، وصاحب الدين والملحد، والأسود والأبيض، يضرب الجميع دون تفرقة أو تمييز، نعم ربما يكون يسير وفق تفرقة ما لا نعرفها ولم نلحظها، إلا أننا حتى الآن لا نعلم ماهيتها وكنهها، لأننا حتى الآن لم نجد أي تفرقة يسير عليها، ربما أنه قد بدأ سابقًا بضرب الدول الثرية قبل ذلك.

إن هذا الفيروس من جانب ما، يعتبر أكبر تجربة مؤلمة للغاية لوحدة وانهصار هذا المجتمع العالمي المنكفئ على بعضه بعضاً عبر العولمة والانصهار واللاحدود.

لقد تجاهلنا في الواقع إشارات أقوى بكثير كانت تصوّب نحو وحدة هذا العالم دون أن نلقي لها بالًا.

إن التجربة التي عرضت لنا قتل وفقر ومعاناة الآخرين عبر أجهزة الاتصال التي دخلت بيوتنا، بل حتى معنا في كل وقت داخل وخارج بيوتنا، لم تعلّمنا المسؤولية التي يجب أن تتحملها العولمة بما فيه الكفاية، من المفترض أن تكون مشاهد الرضيع إيلان وهو جثة على شاطئ المتوسط، أو الطفل عروة وهو جثة بجانب شجرة الزيتون؛ قد خلقت فينا صدمة وشعورًا بالحدث إزاء ذلك، إلا أن الاعتيادية في هذه المعلومة جعلت من ذلك مجرد سلعة إعلامية بالنسبة لنا، ولذلك لم تتحرك لها عواطفنا.

إن مأساة من مآسي إيلان وعروة كانت تطرق باب هذا العالم كل يوم، إلا أن هذا العالم يبدو أنه تغافل عن ذلك وراح يبحث عن تجربة وحدث أكثر رعبًا، لقد هرع الجميع عقب رؤية هذه المشاهد عبر هواتفهم وحواسيبهم وشاشاتهم، إلى اتخاذ تدابير لمنع تقدّم موجات اللاجئين كي لا يطرقوا أبوابهم، هذه النقطة بالتحديد تجسد كيف يتهرب هذا العالم الذي استغل جميع إمكانيات العولمة، كيف يهرع باحثًا عن سبيل للهروب من المسؤولية التي يمكن أن يفرضها الوضع عليه.

الآن هناك فيروس صغير للغاية نراه يخترق تلك الأبواب التي أوصدوها بإحكام، يخترقها بكل سهولة وراحة ليضرب قوة هذا العالم بأكمله، حتى إنه يضرب العاقل وعديم العقل على حد سواء دون تفريق، إنه ينتشر مخترقًا جميع الاستثناءات التي وضعتها العولمة، إنه ينتشر بشكل عولمي دون استثناء أحد.

ضد هذا الفيروس الذي لا يعرف حدودًا، تجد الآن جميع الناس متحدين في عزلة بعيدين عن بعضهم بعضاً ومنفصلين، وربما هذا الجانب الذي يمكن أن يكون سخرية الفيروس، إنه من خلال فصلنا عن بعض يطوّر شعورًا مشتركًا ولغة مشتركة ووعيًا مشتركًا كذلك، البشر الذين تعودوا على الحديث واقفين قرب بعضهم بعضاً، الذين اعتادوا على إغلاق المسافات وإشعال الصراعات والخلافات، تجدهم الآن متحدين ومجمعين على الابتعاد عن بعضهم بسبب فيروس، هذه الصورة وحدها تعطي إشارة إلى أن هذا الفيروس ذكي يقوم وفق عمل ممنهج ومتوازن وذي معنى.

نحن جميعًا نعيش في دنيا واحدة، وكلنا نحمل مسؤولية إزاء بعضنا بعضاً، لدرجة أننا يمكن أن نهلك جميعًا بسبب عديمي العقل الذين بيننا، ولذلك نحن الآن لا نملك تلك الرفاهية التي كنا نرددها في كل أزمة؛ "هذا لا يعنيني"، بل يعنينا الآن وعلينا أن نكون أكثر حساسية ومسؤولية.

ربما هذه المرة الأولى التي نتعرض فيها للاختبار ذاته بنفس الدرجة، إنه اختبار يضرب المكان ذاته ويوحّد الجميع رغم كل التمييز القائم، أما من حيث الإجابات التي نقدمها في هذا الاختبار، تبدو مختلفة ولا تخلو من مراوغة، لا نتردد من تحويل هذا الحديث إلى فرصة لتحقيق مكاسب سياسية مثلًا، في الوقت الذي يجب أن نكون فيه جميعًا مشغولين بفتح أعيننا وأذهاننا لفهم ما يخبرنا به هذا الفيروس، ليس هناك أي معنى لعقد نوع من المقارنة في منع النوادي الليلية من جهة، ومنع العمرة وصلاة الجمعة من جهة أخرى، بين منع السياحة لأوروبا ومنع المباريات والمسابقات.

لاحظوا أن هذا الفيروس لا يفرّق بين أحد.

لا يوجد أي مكسب لأي أحد حينما يحاول وضع هذا الفيروس بحوزته لتحقيق مكاسب سياسية خاصة به، حيث لا يبدو هذا الفيروس من هذا النوع السهل الذي يمكن كسبه والتحايل عليه.

ربما من خلال استعدادنا لإبعاد بعضنا عن بعض والنأي بأنفسنا في عزلة، فإنه بالمقابل يمنحنا فرصة لإعادة التفكير في أهمية وقيمة مسافاتنا الاجتماعية، يمكن أن ننظر للقضية أيضًا على أنه فيروس يوحّدنا من خلال إبعادنا عن بعض.

نحن كل يوم تحضرنا هذه التأملات في الواقع، إلا أننا للمرة الأولى تأتي بهذا الشكل والمستوى من الدقة والفعالية والتصميم المتقن، ومن المفيد أن نعطي لها آذاننا وأعيننا.

عدد المشاهدات 1569

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا

fram

Top