سامي راضي العنزي

سامي راضي العنزي

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

توقفنا في المقال السابق عند كلمة "دون" التي كثيرًا ما ذكرت في كتاب الله تعالى، وغالبًا تذكر تصغيرًا بمن ينظر إلى العبد المخلوق نظرة تضاهي الخالق سواء في النداء، أو الدعاء أو التوكل عليه أو التزلف به -الشريك- إلى الله تعالى، وغالبًا ما تذكر كلمة "دون" قبل اسم الجلالة؛ مستثنية كل ما يخطر على بالنا من مخلوقات عظيمة وجليلة، إنها لا يمكن، ولم ولن تكون ندًا لله تعالى، وإن كانت من أقرب المقربين من الله تعالى فهي "دون الله" تعالى بلا استثناء لأحد، والكلمة والعبارة واضحة المقاصد تعبيرًا وبلاغة؛ سواء كان هذا المخلوق ملكاً مقرباً مثل جبريل عليه السلام، أو نبياً مرسلاً عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، أو صالحاً من عبيد الله؛ كالصحابة وآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم أو غيرهم أو من العلماء الأفاضل، أو أي مخلوق، فهم جميعاً يندرجون تحت معنى قول الله تعالى: "دون الله"، كيف لا وهم العبيد المخلوقون لعبادة الخالق؛ (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (الذاريات: 56).

لنتأمل بقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) (الأعراف: 194)، ويقول تعالى: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) (الزمر: 3)، ويؤكد الله الأصل الصحيح مقابل من يلجأ إلى من هو "دون الله" يقول تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) (البقرة: 186).

لو دققنا في كلمة "دون" لوجدناها تحمل كل الخلائق حينما تسبق اسم الجلالة "دون الله".

واعلم أيها القارئ الكريم أنه ليس المعني في هذه الآيات الصنم أو الوثن فقط كما يظن البعض ويتوهم، أو كما يدَّعِ ضعاف العقول، إنما المعنى كل ما هو دون الله تعالى من مخلوقات راقية كالملائكة المقربين والأنبياء والرسل كعيسى وعزير وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وغيرهم من عباد الله من الصالحين؛ الذين يتمسح بهم البعض كالصحابة وآل البيت والصالحين مثل التيجاني والبدوي والدسوقي، والملائكة والجن، وغيرهم من مخلوقات أقل شأنًا، ومصنوعات مثل الصليب، الصنم، الضريح، اللات والعزى، وكالكواكب، والنجوم، والشمس وكل من دُعي كما يُدعى الله تعالى، جميعهم "من دون الله"، ودعاؤهم شرك بالله لا شك؛ لأنهم دون الله تعالى، ولا يملكون من أمرهم شيئاً.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "من دون الله" هي مثل قوله: (بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ) (العنكبوت: 10)، كل ما هو غير الله هو المعني "بدون الله"، وكل ما سوى الله هو غير الله من مخلوقاته، وهم المعنيون بـ"العالمين".

إن هذا التوحيد الذي تقر به اليهود والنصارى وكفار قريش هو توحيد الربوبية فقط، أو ما هو أعظم خللاً كالولد والإنجاب وما شابه، وقد بيَّنه القرآن كما ذكرنا، أما توحيد العبودية أو الألوهية والأسماء والصفات، فمضطرب عندهم، فكان سببًا مباشرًا ومحوريًا لكفرهم وبقائهم في ملة الكفر.

أيضًا، بيَّن الله تعالى في كتابه أنهم وبكل مستوياتهم الكفرية والشركية لا يختلفون عن بعض إلا بالتفاوت الكفري، أما الفكرة الشركية واحدة، أي أن هناك كافراً؛ ويوجد من هو أشد كفرًا منه، مثل العاصي من المسلمين، يوجد من هو أشد منه معصية، وذلك ظاهر في قوله تعالى حيث وحد الله فكرة الشرك، لا عين الشيء الذي تم من خلاله الشرك؛ قال الله تعالى: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) (التوبة: 30).

إذاً، هنا يتضح لنا أن الكفر المعني هو فكرة الدعوة أو الدعاء والعبادة لغير الله تعالى، فهي الشرك المعني؛ وليس عين الشيء الذي تم من خلاله الشرك! فمن ينادي بوذا كالذي ينادي اللات والعزى، وكالذي ينادي الدسوقي أو العدوي، وكالذي ينادي عزير أو المسيح أو العباس، وهذا خلل يضفي صفات الله تعالى على عباد خلقهم لعبادته، وهم من دونه جل وعلا لا شك ولا ريب، أو ادعاء صفات لله ينفيها الله سبحانه وتعالى عن نفسه وينزه نفسه عنها؛ كالزواج والولادة وما شابه ذلك، نسأل الله السلامة والعفو والعافية، والعقل زينة.

 

 

____________________

إعلامي كويتي.

ذكرنا في المقال السابق أن كفار قريش يعلمون بوجود الله تعالى علمًا حقيقيًا، ويعلمون علوم التوحيد، ويعلمون تمامًا أن الله تعالى هو الذي يدير هذا العالم وهذا الكون بنجومه وكواكبه، وأمطاره وشمسه وقمره، وزرعه وحصاده، وهو سبحانه وتعالى مدبر الأمر كله، وهم يعلمون علم اليقين كفار قريش، ويقرون بذلك.

وأكدنا ذلك من خلال كتاب الله تعالى الذي لا يأتي إلا بالحق، وهو كلام الله تعالى، وذكرنا بعضًا من هذه الآيات الكريمة التي تدل على ما نعرضه، وأن الله تعالى ذكر هذا لتأكيده لا للنظر فيه ومن ثم تخمين الأمر ممكن أم غير ممكن، فكتاب الله يقول الحقيقة لا شك الظاهرة على تصرفاتهم، والحقيقة المكنونة التي يخفونها في صدورهم وعقولهم.

وفي هذه السطور بعون الله وفضله، نكمل بقية الآيات التي تعرضت لذلك، وهي لا شك حجة عليهم من الله تعالى وحجة على ولمن هو من بعدهم إلى قيام الساعة.

وكفار قريش، ومن على شاكلتهم حينها، هم كما الفلاسفة اليوم والباطنيون الزنادقة، يقرون بوجوده وربوبيته تعالى، ولكنهم ينكرون العودة بعد أن يكونوا رفاتاً وعظاماً، وهي نظرة قريبة جدًا من نظرة أدعياء الكذب والزندقة من الفلاسفة الدهرية والباطنيين؛ أدعياء وحدة الروح والاتحاد عودةً إلى مصدرها! فلذلك.. كانت قريش مع جهلها المطبق إلا أنه يطلق عليها في ذلك الحين "العلمانية!".

يقول الله تعالى في كتابه العظيم مبينًا إيمان الكفرة بوجوده، إلا أنهم يجحدون باكتمال وتكامل التوحيد الذي أقره الله لذاته منزهاً ذاته، فأصروا تبجحًا وتقاليد، وتقليدًا للآباء والأجداد بنقصانه جل وعلا العظيم الأعظم، فلذلك جعلهم في هامش الكفر، والخلود في نار جهنم، وإن أقروا بشيء من التوحيد إلا أنه ناقص قال تعالى: (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ) (الزمر: 38).

ولا شك كفار قريش، وكل من على شاكلتهم يعلمون أن الله تعالى المحيي والمميت والمدبر للأمور والأرزاق، يعتقدون بذلك كما يعتقد اليهود والنصارى مع الخلل والنقص، ولذلك قال تعالى: (قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ) (يونس: 31).

الله أكبر ولله الحمد

كل ما ذكر في الآيات الكريمة هو معلوم عند كفار قريش وعلى رأسهم أبو جهل، وأبو لهب، وابن سلول، والقرآن العظيم يقر لهم بذلك، والقرآن كلام الله تعالى، وكلام الله تعالى صفة من صفاته، وهو الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

الله أكبر، لماذا مع كل هذا الاعتراف والاعتقاد وهم ما زالوا كفارًا؟ لماذا يا ترى؟

قال تعالى: (مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ {74} اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ {75} يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ) (الحج).

نعم، ما قدروا الله حق قدره، جعلوا مخلوقاته من عبيده الذين اصطفى ندًا له بالنداء والتوسل والتزلف له!

كيف ما قدروا الله حق قدره؟!

قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) (الأعراف: 194).

وحّدوا الله تعالى التوحيد القاصر والناقص؛ فلذلك بقوا على ما هم عليه، ولم يدخلوا الإسلام رغم اعترافهم؛ وبدقة أكثر، اعترافهم فقط بتوحيد الربوبية، ورغم إقرار القرآن العظيم لهم بذلك، فإنهم بقوا خارج دين الإسلام، ومخلدين في النار لكفرهم، وشركهم بالله تعالى، فما ميّزوا بين الله تعالى، وآلهتهم الشركية، الفلسفية، الظنية، كما يدعون، وجعلوها ندًا لله تعالى؛ لنقص في عقولهم، أو تكبرًا وحقدًا أو اتباعًا للآباء والأجداد، أو حسدًا وحقدًا على من يحمل التوحيد الصافي، الذي ينفي علومهم ومعتقداتهم التي توارثوها، أو تعلموها من أسيادهم وكهانهم ومعلميهم.

نعم لأنهم تركوا التكامل في التوحيد، وذلك لخلل أصابهم في توحيد الربوبية أو توحيد الألوهية؛ قال تعالى: (أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ) (الزمر: 3).

نعم، وهذا الخلل هو الذي صنع اللات والعزة ويغوث وغيرها، وهو الذي صنع قول فرعون: "أنا ربكم الأعلى"، وهو الذي صنع قول الباطنية المتطرفة بوحدة الوجود القائل: "ما في الجبة إلا الله"! وهو الذي صنع "عزير ابن الله"، وهو الذي صنع "المسيح ابن الله"، وهو الذي صنع "ثالث ثلاثة"، وأيضًا هو الذي صنع "شد الرحال لما هو لا دليل عليه"، وهو الذي يصنع ولي الأمر المقدس المعصوم ظاهرًا وضمنًا! الذي بمجرد مخالفته أو نصحه توصم الأمة بالخوارج، وتهدر منها الدماء والأعراض، وهو الذي صنع الروح والإله شيئاً واحداً! فكانت عقيدة الفلاسفة الزنادقة وحدة الوجود، وعدم البعث والخلود كما جاء في الكتاب والسُّنة.

وأيضًا، ماذا قالوا عن أصنامهم وأوثانهم ونصبهم؛ يقول الله تعالى: (وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَـؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ) (يونس: 18).

هذا ما قالوه بأصنامهم، وهي كلمة وعبارة جامعة تحتها كل أصحاب الخلل (الصوفي الموغل بدعة، ولا نعني المعتدلين منهم، وأيضًا المتوسل بالجن وعابد العقل والمنطق تقديمًا على النص والنقل، جميعهم يدعون الشفاعة بهم أو التزلف إلى الله من خلالهم).

لو دققنا في كلمة "دون" لوجدناها تحمل كل الخلائق المخلوقة حينما تسبق اسم الجلالة "دون الله".

الكلام يطول.. ولكن سنكمله في السطور أو المقالة القادمة بإذن الله تعالى.

يتبع..

 

 

________________________

إعلامي كويتي.

لا تستغرب أيها القارئ الكريم من العنوان أعلاه.. نعم أبو جهل، وأبو لهب، وابن سلول، وأمثالهم يعلمون التوحيد والقرآن أقر لهم بذلك.. ومع ذلك، بقوا في وحل الكفر والشرك رغم تأكيد القرآن العظيم بأنهم يقرون بذلك!

نعم، بل لا توجد ملة كافرة على وجه الأرض إلا وهي توحد الله تعالى بتوحيد معين أو توحيد منقوص جهلًا أو كبرًا، وغالبًا يتمسكون بتوحيد الربوبية ما عدا بعض الفلاسفة، والشيوعيين أو ما يطلق عليهم الدهرية الملاحدة، أما بقية الملل الكافرة، فكلها تقر لله تعالى بوحدانيته في جزئية أو جانب من جوانب التوحيد وبالأخص توحيد الربوبية، أي: التوحيد حسب المزاج والهوى؛ لا كما يطلبه بتكامله الواحد الأحد الخالق المعبود.

نعم.. النصارى، اليهود، المجوس، الصابئة، الباطنية عمومًا، الصوفية المغالية، أكرر، الصوفية المغالية لا المعتدلة، الدروز، النصيرية، الهندوس، البوذيون، كفار قريش.. كل منهم له اسم لربه، وكل منهم يدع أنه يحمل الحقيقة، إلا أن صفة الربوبية لأربابهم كلها تعني في النهاية توحيد الله تعالى توحيد الربوبية، أو توحيدًا ناقصًا، أو يخالطه الشرك.

نعم كفار قريش موحدون توحيد الربوبية، وهذا التوحيد لم ولن يخرجهم من الكفر والضلال إلى النور والإسلام، بل هم يحبون الله تعالى أيضًا إلا أنهم مخلدون في النار، قال تعالى في كتابه العظيم: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ) (البقرة: 165)، وكان أحد الأقوال لأهل التفسير: إنهم يحبون الله ويعلمونه والدليل قوله: (يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ).

نعم أيها القارئ الكريم، فأهل النفاق كابن سلول، وأهل الكفر أمثال أبي لهب، وأبي جهل، وأمثالهم يعلمون بوجود الله تعالى علمًا حقيقيًا، ويعلمون علوم التوحيد التي اقتصر عليها البعض اليوم، وليس كفار قريش فقط، حتى اليهود والنصارى، والبوذيون، والهندوس، وأمثالهم، ولكن نخص كفار قريش بالذكر في هذا الأمر؛ لأنهم الأوضح من حيث كفرهم وخلودهم في النار؛ كما بين الله تعالى ذلك في كتابه العظيم، وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم؛ كأمثال أبي لهب، وأبي جهل، وابن سلول، وأمثالهم، فهم يعلمون أن الله تعالى موجود، ويقرون بوجوده، وإقرارهم إقرار إيمان، ويقولون بذلك ويقرونه، ويقرون بأنه تعالى خالق السماوات والأرض، وهو الملك الذي يسخر الشمس والقمر والنجوم والكواكب، وهو الرازق ويقدر الأرزاق للعباد، وأنه سبحانه ينزل الأمطار ويحيي الأرض بعد موتها.

نعم.. يعلم أجلاف قريش ذلك كله، ويعلمون أنه هو الذي أنعم عليهم بالإبصار والسمع، وهو الذي يحيي ويميت، ويعلمون أنه مدبر الأمر كله، وهم يعلمون ذلك علم اليقين، إلا أن هذا كله لم يخرجهم من الكفر إلى الإسلام، أما علمهم هذا بالله تعالى فأكده لنا القرآن الكريم، والقرآن العظيم حينما يعرض معلومة كهذه في المعتقد، لا يعرضها من باب التخمين أو التشكيك والممكن، يقولها القرآن من باب الحق، والتأكيد على حقيقة وسياق الآيات يدل على ذلك استدلالاً حقيقياً ليكون حجة عليهم وأمثالهم.

وكتاب الله تعالى مليء بالآيات التي تبين ذلك، يقول الله تعالى: (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) (الزمر: 38)، ويقول الله سبحانه وتعالى مؤكداً هذه المعرفة فيهم وهم الكفار: (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ) (العنكبوت: 61).

ويقول الله تعالى مؤكداً هذه المعلومة، وكأنما يريد الله تعالى التنبيه على الأمر ولفت أنظار الناس إليه، فالأمر جلل يقول الله تعالى: (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ) (العنكبوت: 63).

وأيضاً المنافقون يشملهم هذا الأمر؛ قال تعالى: (يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم قُلِ اسْتَهْزِئُواْ إِنَّ اللّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ) (التوبة: 64)، نعم.. هم يعلمون أنه نبي مرسل عليه الصلاة والسلام، وينزل عليه الوحي يخبره بما يكنون من استهزاء، إلا أن التعالي والكِبر والهوى استعبدهم!

والآيات كثيرة في هذا المعنى الذي نتطرق له، ولكن نكمل في المقال القادم بإذن الله تعالى بقية الآيات والحديث حولها.

 [اجمعها ففيها معلومة جميلة]

يتبع..

 

 

_________________________

إعلامي كويتي.

الأربعاء, 19 أغسطس 2020 14:16

الأخلاق.. نظرياً وتطبيقاً (2-2)

حينما قال سيد الخلق عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، حدد عليه الصلاة والسلام وظيفة رسالة السماء أو الرسالة عموماً التي يحملها الأنبياء والرسل وخاتمهم وسيدهم صلوات الله وسلامه عليه، وإنه ما جاء لأمة معينة، ولكنه جاء للإنسانية وتعزيز كل خصلة طيبة كانت في هذه الأمة أو تلك؛ فهو جاء للإنسانية جمعاء بدون استثناء، فلذلك ليتمم مكارم الأخلاق للإنسانية عموماً، التي لا شك ولا ريب أيها القارئ الكريم لا تخلو أمة من الأمم من أخلاق حسنة طيبة كما أنها لا تخلو من سيّئها.

نعم، جاء صلى الله عليه وسلم ليؤكد الجميل الكريم منها ليكملها بتثبيت وتعزيز الراقي منها والتحذير وعلاج سيئها، ولا شك هذه الأخلاق الحسنة ونشرها مع محاربة السيئ منها تدخل في النفس الطمأنينة والسعادة، ولا شك تشيع المحبة والتواد والألفة، وأرفع من نقتدي بيه في هذه الأمور أو هذه الأخلاق هو سيد الأسياد والخلق عليه أفضل الصلاة والسلام الذي قال الله فيه: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (القلم: 4)، عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم.

فلذلك دين الإسلام هو الدين المتكامل الشامل الذي من أصوله الأصيلة حسن الخلق.

الخلق في الإسلام فيصل بين الجنة والنار، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن من أحبكم إليَّ وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً".

حسن الخلق أصل ثابت ومحور كبير من محاور الإسلام، والنبي صلى الله عليه وسلم دائماً يذكر حسن الخلق بتقوى الله تعالى، وأحياناً كثيرة يجعله سبباً جوهرياً من أسباب النجاة ودخول الجنة لجزيل أجره وعظمة مثوبته وعلو شأن من يتخلق بحسن الخلق، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضاً في جني حسن الخلق فيقول: "إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم".

إنه من حسن الخلق تبسمك في وجه أخيك، وأن تلقاه بوجه طلق، وذلك كما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تبسمك في وجه أخيك صدقة"، والحمد لله أن قال صلى الله عليه وسلم: "صدقة"، والصدقة كما هو معلوم تجوز على المسلم وغير المسلم؛ أي على أخيك في الإنسانية، فهي وجبت لأخيك الإنسان مسلماً كان أو غيره، والحمد لله لم يقل: "تبسمك في وجه أخيك زكاة"، والحمد لله رب العالمين.

من جميل ما قرأته في حسن الخلق وسوء الخلق ما قاله الإمام مالك رضي الله عنه قال: "إن العبد ليبلغ بحسن خلقه أعلى درجات الجنة، وهو غير عابد، ويبلغ بسوء خلقه درك جهنم وهو العابد الزاهد".

والخلق له مصادر كثيرة، ولكل أمة وحضارة مصادرها، ولكن لثبات الخلق وعدم تغييره ولعدم تلاشيه مع مرور الزمن كما تدعي اليوم بعض الدول والتيارات وخصوصاً الليبرالية منها، بقولهم: إن للخلق حركة مع التحضر والتطور، فلذلك نقول: الطريق الأمثل والأثبت الذي يرضاه الله تعالى هو طريق سيد الخلق والاقتداء به صلوات الله وسلامه عليه، هو خير طريق لاكتساب الخلق التي لا تخرج من إطار الخلق المحمود مهما تغير الزمان والمكان، ويجب أن نتمسك بهذا الطريق المؤدي إلى الخير والصلاح والفلاح دنيا وآخرة، خصوصاً ونحن نشاهد أهل الانسلاخ من الخلق والمبادئ كيف تلاعبت بهم شياطين الإنس والجن باسم التحضر والتطور والحداثة وما شابه من خزعبلات وترهات لا يمكن أن يأخذ بها الكيس الفطن!

لا شك من يفصل عبادة الله تعالى وطاعته عن الأخلاق هو في وحل الخطأ ويغرق في أعماقه، ونصوص السُّنة والقرآن لا تحصى التي تدمج بين العبادات وحسن الخلق، قال تعالى: (لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ) (آل عمران: 164)، ولا يخفى أن تزكية النفس من أمراضها ونواقصها، امتناع هذه النفس عن ومن المحرمات التي أكبرها الشرك بالله.

فالتزكية هي الفائض على الإنسان بعد العلم، فالعلم يعطيك الخطوط العريضة وفروعها وبيان الأمر، أما التزكية فهي التطبيق لهذا العلم صدقاً وتجرداً فرضاً ونافلة، وتقديم المنهج على الأصل والفصل والعرق.

وكما هو معلوم بديهة إسلامية أن كل عبادة في الإسلام تحمل في قلبها أو بالأحرى محورها قيمة أخلاقية، الأصل فيها تدعمها هذه العبادة أو تلك لتكون ظاهرة على شخصية المسلم المؤدي لهذه العبادة، وتعاملاته مع ذاته وغيره من البشر مسلماً كان أو غيره، ومع غيره من المخلوقات أيضاً، والمحافظة عليها حيواناً كانت أم مياهاً أو بحاراً، أو يابسة وزرعاً وأشجاراً ومعالم أرضية. 

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا

fram

Top